في عصر السرعة الرقمية، تحول "التريند" من كونه صرخة موضة أو حركة ثقافية إلى سباق محموم نحو المشاهدات. والأخطر في هذا السباق ليس مجرد التكرار، بل التبني العشوائي لرموز ومصطلحات دون فهم أصولها أو سياقها المجتمعي التي يُعنى بها البلد او المجتمع الذي يستخدمها مما يحول ممارسات لها جذور عميقة إلى مجرد "حركات استعراضية" خاوية من المضمون.
التقليد كبديل للوعي
أصبح بعض صناع المحتوى اليوم يخشون "فوات الأوان" ، فيسارع لركوب الموجة بمجرد رؤية انتشارها. نجد هذا جلياً في استخدام تعبيرات أو أزياء دون إدراك لرسالتها الأصلية ، دون التفكير ان هذه الأنماط قد تكون لها أبعاد دينية، أو قبلية، أو حتى سياسية وتاريخية تعبر عن عزة النفس أو الحشمة أو المقاومة. فيتم تحويلها إلى "فلتر" أو حركة راقصة يجرّدها من هيبتها.
إن ممارسة التريند "بلا فهم" لا تقتصر تبعاتها على السخرية فحسب، بل تمتد لتشمل رمزاً يمثل حزناً أو قضية وطنية لبيئة ما، ويستخدمه في سياق ترفيهي، مما يثير غضب أصحاب الثقافة الأصليين كما حصل مع مؤخرا مع مقطع حزين عراقي يعبر الرثاء عن الموت في جنوب العراق " غطيت الشعر والوجه والهبري " والهبري يعني قطعة قماش يرتديها نساء الريف والجنوب في العراق للتعبير عن الحزن والستر.
وفي مفارقة صادمة تصبح تريند ترفيهي مما كسر معناها الحقيقي والتي ستترسخ في الأجيال وتختلط مع مفهومها وأوقات استخدامها مما يسبب فقدان الهوية. فقد تم تجريد الأصل من لطمية أو "گولة" ريفية حزينة تراثية من جنوب العراق، وتحديداً من منطقة الجبايش ورثاءً عراقيًا حزينًا إلى إيقاع راقص.
عندما يصبح كل شيء "تريند"، تذوب الفوارق الثقافية الجميلة وتتحول إلى نسخة مشوهة ومكررة تشبه الجميع ولا تشبه أحداً. المحتوى الذي لا يقوم على أصل أو فهم سرعان ما يموت، لأنه يفتقر لـ "الروح" التي جعلت الأصل ينجح في المقام الأول.
كن صانعاً لا ببغاءً
التريند الحقيقي هو الذي يضيف لمسة المبدع وفهمه الخاص للموضوع. الاحترام للثقافات والأصول يبدأ من البحث والقراءة قبل الضغط على زر التسجيل. فالهوية ليست زياً نرتديه لنصوره، بل هي قصة نرويها بوعي لتكون عبرة أو لها مغزى التناقل الثقافي عبر البلدان و المواقع يحتاج إلى ان تبحث وتفهم قبل السرعة والا ستسقط سقوطًا مدوياً ينهي جميع ماصنعت وتذكر أن الخوارزميات لا تنسى و الذاكرة الجمعية للشعوب لا تغفر إهانة رموزها.










