أثار السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، جدلاً واسعاً بعد إعلانه أنه لا يرى مانعاً في استيلاء إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط بأكملها، مستنداً إلى تفسيرات دينية واعتقاد بوجود “حق توراتي يمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات”. وتكشف هذه التصريحات، بحسب مراقبين، عن حضور واضح للأيديولوجيا الدينية في صياغة المواقف السياسية، بما يعزز المخاوف من مشروع توسعي طويل الأمد.
وجاءت تصريحات هاكابي خلال مقابلة مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، نشرت منصة شبكة تاكر كارلسون مقتطفات منها عبر منصة إكس، حيث دار النقاش حول حدود “إسرائيل التاريخية” وما إذا كانت تمتد لتشمل أجزاء واسعة من الشرق الأوسط.
مناقشة حدود “إسرائيل الكبرى” في خطاب هاكابي
وردّاً على سؤال حول ما إذا كانت هذه المساحة تشمل عملياً بلاد الشام — أي إسرائيل والأردن وسوريا ولبنان — إضافة إلى أجزاء كبيرة من السعودية والعراق، قال هاكابي إنه غير متأكد من شمولها كل تلك الأراضي، لكنه أشار إلى أنها ستكون “قطعة أرض كبيرة”.
وأضاف أن جوهر القضية يتمثل في أن المنطقة التي تُعرف اليوم بإسرائيل هي، وفق اعتقاده، أرض منحها الرب للنبي إبراهيم ولشعب مختار. ويعكس هذا الطرح رؤية دينية تتجاوز الاعتبارات السياسية والقانونية الدولية، وتربط شرعية السيطرة بالأصل العقائدي.
وعندما أعاد المذيع السؤال حول أحقية إسرائيل بالشرق الأوسط كاملاً استناداً إلى نصوص سفر التكوين التي تتحدث عن الأرض “من النيل إلى الفرات”، جاء رد السفير الأمريكي واضحاً وحاسماً: “لا بأس إذا أخذوها بالكامل”.
خلفية هاكابي الأيديولوجية وصلتها بالصهيونية المسيحية
عُيّن مايك هاكابي سفيراً للولايات المتحدة لدى إسرائيل في أبريل 2025، وهو سياسي مسيحي إنجيلي عُرف بمواقفه المؤيدة بقوة لإسرائيل. وقد سبق له أن تحدث مراراً عن “حق إلهي” لإسرائيل في الضفة الغربية، ما يضعه ضمن تيار “الصهيونية المسيحية”.
ويستند هذا التيار إلى تفسير حرفي لنصوص العهد القديم، وتحديداً ما ورد في الإصحاح 15 من سفر التكوين، الآية 18، التي تنص على أن الرب قطع عهداً مع إبراهيم بمنح نسله أرضاً تمتد من نهر مصر إلى نهر الفرات. ويُستخدم هذا النص دينياً وسياسياً لتبرير فكرة “إسرائيل الكبرى”.
المشروع الصهيوني: من الفكرة إلى الواقع الجغرافي
تُعد فكرة التوسع الجغرافي جزءاً من النقاش التاريخي حول المشروع الصهيوني، الذي بدأ أواخر القرن التاسع عشر بهدف إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. ومع قيام دولة إسرائيل عام 1948، على أراضٍ احتلتها عصابات صهيونية مسلحة بعد ارتكاب مجازر وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين، تحول المشروع من فكرة سياسية إلى واقع جغرافي مدعوم بقوة عسكرية.
وبعد ذلك، احتلت تل أبيب بقية الأراضي الفلسطينية في حروب لاحقة، ولا تزال ترفض الانسحاب الكامل أو السماح بقيام دولة فلسطينية مستقلة، ما يجعل مسألة التوسع والسيطرة الإقليمية محوراً دائماً في الصراع.
دلالات التصريحات على مستقبل الشرق الأوسط
تكشف تصريحات هاكابي عن رؤية تتجاوز حدود إسرائيل الحالية إلى تصور أوسع للهيمنة الإقليمية، وهو ما يثير مخاوف من توظيف الدين لتبرير سياسات توسعية. كما تعكس هذه المواقف تداخلاً بين العقيدة والسياسة الخارجية، خصوصاً عندما تصدر عن مسؤول دبلوماسي يمثل قوة عظمى.
ويرى محللون أن إعادة طرح فكرة “من النيل إلى الفرات” في الخطاب السياسي المعاصر يعكس استمرار حضور المشروع الصهيوني بأبعاده الأيديولوجية، وليس فقط الأمنية أو الجغرافية، الأمر الذي قد يؤثر على توازنات المنطقة ومستقبل الصراع العربي-الإسرائيلي.
وفي ظل هذه التصريحات، يبقى الجدل مفتوحاً حول ما إذا كانت مجرد تعبير عن قناعات شخصية أم مؤشراً على توجهات أعمق داخل بعض الدوائر السياسية والدينية الداعمة لإسرائيل، خاصة مع تزايد دور التيارات الإنجيلية في رسم السياسات المرتبطة بالشرق الأوسط.











