4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. ربحي الجديلي يكتب: المنطقة الرمادية بين النقد والتخوين.. إدارة الأزمات في السياق الفلسطيني (4)

في اللحظات المصيرية، تتقلص المسافات بين الرأي والاتهام، ويتحول النقد إلى خندق، ويغدو السؤال شبهة، ويصبح التحفظ خيانة، هكذا تنشأ المنطقة الرمادية الخطرة: منطقة ما بين الانتقاد والتخوين.

بقلم: د. ربحي الجديلي
٢١ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
12 مشاهدة
المنطقة الرمادية بين النقد والتخوين.. إدارة الأزمات في السياق الفلسطيني (4)

المنطقة الرمادية بين النقد والتخوين.. إدارة الأزمات في السياق الفلسطيني (4)

في اللحظات المصيرية، تتقلص المسافات بين الرأي والاتهام، ويتحول النقد إلى خندق، ويغدو السؤال شبهة، ويصبح التحفظ خيانة، هكذا تنشأ المنطقة الرمادية الخطرة: منطقة ما بين الانتقاد والتخوين.

النقد في جوهره فعلُ وعيٍ ومسؤولية. 
هو أداة تصويب لا أداة هدم، وهو شرط أصيل لأي حيوية فكرية أو سياسية. 
أما التخوين فهو حكمٌ أخلاقي نهائي، يُقصي صاحبه من الجماعة ويُسقط عنه الشرعية والانتماء.
إنّ هذه الخطورة تصبح أكثر وضوحًا في السياقات الأزماتية التي يعيشها شعبنا الفلسطيني، حيث يتم تحويل كل اختلاف إلى تهديد وجودي، وكل نقاش إلى معركة حول الهوية.

"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" هو الشعار الذي غالبًا ما يرفع في أوقات الأزمات، وهو يمثل دعوة للوحدة والالتفاف حول المواقف المشتركة. 
في ظاهره، يبدو دعوة ضرورية في زمن الصراع، حيث يصبح الصوت الواحد هو الأكثر أهمية لحشد الجهود ضد العدو. 
لكن عندما يصبح هذا الشعار ذريعة لإسكات النقد، فإننا نغلق أبواب الحوار والمراجعة، وهما أساس أي إدارة ناجحة للأزمات.

المشكلة تبدأ حين تختلط الأدوات بالغايات؛ فيُستبدل النقاش بالمحاكمة، ويُستبدل البرهان بالنية. 
في البيئات المأزومة، خصوصًا في سياقات الصراع الممتد كما نعيشه في غزة، ترتفع حساسية الجماهير، ويصبح من السهل شحن العواطف بشعار: "إمّا معنا أو ضدنا". 
هذه الثنائية المريحة نفسيًا تُغري بالتصنيف السريع، لكنها تُعطّل التفكير المركّب. 
فليس كل نقدٍ اصطفافًا مع العدو، وليس كل تحفّظٍ طعنةً في الظهر.

إدارة الأزمات، في السياق الفلسطيني، لا تقوم على التصفيق بل على المراجعة الصادقة. 
نحن بحاجة إلى أدوات فكرية تتيح لنا التفريق بين النقد المشروع والتخوين الباطل. 
في الفكر العسكري الكلاسيكي – كما عند كارل فون كلاوزفيتز – الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى؛ أي أنها فعل عقلاني تحكمه الحسابات لا الانفعالات. 
كذلك أشار هنتنغتون إلى ضرورة التوازن بين المجالين السياسي والعسكري، محذرًا من ذوبان أحدهما في الآخر. 
حين يُمنع النقد بحجة المعركة، يختلّ التوازن، وتُدار القرارات في فراغٍ من التقييم.

التخوين غالبًا ما ينشأ من خوف عميق: خوف من الانقسام، أو من انهيار المعنويات، أو من استثمار الخصم لأي صوت مختلف. 
لكن العلاج الخاطئ قد يكون أشد فتكًا من الداء؛ 👈 إذ إن كتم الأسئلة لا يُلغيها، بل يُراكمها في الظل حتى تنفجر في لحظة أكثر خطورة. 
هنا تبرز أهمية تقبل النقد كجزء من إدارة الأزمات في غزة، حيث يعتبر النقد أحد أدوات الحماية للمشروع الوطني.

النقد المسؤول لا يعني التشهير، ولا تصفية الحسابات، ولا تصيّد الأخطاء. 
كما أن رفض قرارٍ ما لا يعني خروجًا على المشروع أو الفكرة. 
ثمة فارق بين من يُراجع المسار ليحمي الفكرة، ومن يطعن الفكرة ذاتها. 
لكن في أزمنة الاستقطاب، لا نُحسن التفريق بينهما، وهذا ما يعقد الوضع في المناطق التي تشهد حروبًا مستمرة مثل غزة، حيث تتداخل المعارك العسكرية مع المعارك الفكرية.

إن النقد البناء في سياقات الأزمات يجب أن يكون أداة للمراجعة والتقويم، وليس أداة لتسريع الانقسام. 
التاريخ الإسلامي ذاته يقدّم لنا أمثلة على أن النقاش في لحظات الشدة لم يكن محرّمًا.. 
في غزوة أُحد، وفي الحديبية، وفي غيرهما، وُجدت آراء متباينة، وسُجّلت ملاحظات واعتراضات، ولم يُرمَ المختلفون بالخيانة. 
كان معيار الانتماء هو المقصد، لا التطابق التام في الرأي.

بين الانتقاد والتخوين خيطٌ رفيع اسمه النية العامة والمنهج. 
من ينتقد انطلاقًا من الحرص، وبأدوات علمية، وبخطاب مسؤول، لا ينبغي أن يُدفع إلى هامش الجماعة. 
ومن يخوّن دون بيّنة، يُضعف الثقة الداخلية التي هي رأس مال أي مشروع وطني، خاصة في غزة التي تزداد فيها التحديات الداخلية والخارجية.

في حالتنا الفلسطينية – حيث تتداخل السياسة بالمقاومة، ويتقاطع القرار العسكري مع المصير المدني – يصبح ضبط هذه المسافة أكثر إلحاحًا. 
لأن المعركة ليست فقط مع عدو خارجي، بل مع قدرتنا على الحفاظ على تماسكنا الداخلي دون أن نقتل روح النقد.. 
فالمجتمعات التي تُغلق باب المراجعة باسم وحدة الصف، قد تكسب لحظة صمت، لكنها تخسر فرصة إنقاذ من مصائب قادمة.

الفرق بين المجتمع الحيّ والمجتمع المأزوم ليس في غياب الأخطاء، بل في طريقة التعامل معها. 
المجتمع الحيّ يفتح نوافذ الحوار قبل أن تتكسر الجدران. 
أما المجتمع الذي يخلط بين النقد والخيانة، فإنه يحوّل كل اختلاف إلى تهديد وجودي. 
في غزة، لا يمكننا أن نسمح لهذا التحول أن يحدث، فالنقد جزء لا يتجزأ من إدارة الأزمات.

إننا بحاجة إلى ثقافة تقول:
- يمكنك أن تُعارض القرار دون أن تُسقط المشروع.
- يمكنك أن تنتقد الأداء دون أن تُنكر التضحيات.
- يمكنك أن تسأل السؤال الصعب دون أن تُصنَّف عدوًا.

فالوطن الذي يتّسع للتضحيات، يجب أن يتّسع للأسئلة، وبذلك نضمن ليس فقط إدارة الأزمات بل أيضاً إدارة الفكر نحو النهوض والتطور.
.....
ضمن سلسلة: إدارة الأزمات في السياق الفلسطيني

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ربحي الجديلي

سياسي وأكاديمي فلسطيني

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير