تتصاعد حدة التوترات في قطاع غزة بشكل دراماتيكي رغم وجود اتفاق معلن لوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى مشهد مغاير تماماً لما تم الاتفاق عليه برعاية دولية وأمريكية.
وفي تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، قدم المحلل السياسي الفلسطيني، محمد مصطفى شاهين، تشريحاً دقيقاً للوضع الراهن، مؤكداً أن الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية تعتمد على "التآكل التدريجي" للاتفاق دون إعلان موته رسمياً، وذلك بهدف تحقيق مكاسب ميدانية وديموغرافية على حساب الدم الفلسطيني النازف في أزقة القطاع المحاصر.
سياسة "السلام المسلح"
يرى المحلل محمد مصطفى شاهين أن الخروقات الإسرائيلية المستمرة منذ أشهر ليست مجرد حوادث عارضة أو أخطاء ميدانية، بل هي نهج سياسي وعسكري مدروس بعناية فائقة.
فمنذ أكتوبر 2025 وحتى فبراير 2026، تم رصد ما يزيد عن 1620 انتهاكاً صهيونياً، تنوعت ما بين القصف المدفعي والغارات الجوية وإطلاق النار المباشر على المدنيين العزل هذه الأرقام المفزعة، التي تشمل ارتقاء مئات الشهداء بينهم نسبة كبيرة من الأطفال والنساء، تعيد إلى الأذهان تاريخ إسرائيل الطويل في استغلال الاتفاقات الدولية، مثل كامب ديفيد وأوسلو، كغطاء لتعزيز السيطرة الأمنية وتوسيع رقعة الاستيطان وتغيير الحقائق على الأرض.
ويضيف شاهين أن الاحتلال يستثمر في "الصمت الدولي" وانشغال القوى الكبرى بملفات إقليمية ودولية ساخنة مثل الأزمة الأوكرانية، ليمارس سياسته في كسر إرادة المقاومة الفلسطينية، وإن هذه الانتهاكات التي طالت 749 غارة جوية ومدفعية، تثبت أن إسرائيل لا تنظر إلى الاتفاق كخطوة نحو سلام دائم، بل كمجرد "هدنة مؤقتة" تتيح لها إعادة تموضع قواتها واستكمال مخططاتها في تغيير الخريطة الجغرافية لقطاع غزة، مستفيدة من ضعف المنظومة الدولية وعجز مجلس الأمن عن فرض قراراته الملزمة على القوة القائمة بالاحتلال.
فخ "الخط الأصفر"
انتقل المحلل محمد مصطفى شاهين في حديثه إلى نقطة جوهرية تتعلق بما يسمى "الخط الأصفر"، وهو التقسيم الوهمي الذي فرضته إسرائيل لتقطيع أوصال قطاع غزة وتجزئته إلى مناطق معزولة.
وأوضح شاهين أن القصف المستمر غرب هذا الخط، الذي يُفترض كونه منطقة آمنة، يضرب مصداقية الترتيبات الأمنية في مقتل، ويحولها من ضمانات للسلام إلى أدوات للتوسع الاحتلالي. إن محاولة إسرائيل السيطرة على 60% من مساحة غزة عبر تحريك هذا الخط باتجاه الكتل السكنية، تمثل عملية تطهير عرقي ممنهجة تهدف إلى حشر الفلسطينيين في مساحات ضيقة وغير قابلة للحياة.
ويؤكد شاهين أن استهداف المواطنين في مناطق يُفترض أنها محمية، مثل أولئك الذين استُشهدوا أثناء جمع الحطب قرب خان يونس، يعزز القناعة الشعبية والسياسية بأن الوعود الدولية "جوفاء"، هذا السلوك الإسرائيلي يؤدي بالضرورة إلى فقدان الثقة المطلق في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، ويعيد الاعتبار لخيار المقاومة كونه الضمانة الوحيدة والواقعية لحماية الشعب الفلسطيني من التغول الإسرائيلي، خاصة في ظل تقارير الأمم المتحدة التي بدأت تحذر بشكل صريح من عمليات تغيير ديموغرافي قسري تجري تحت ستار التهدئة الهشة.
إرهاب "المسيّرات"
وفيما يخص التصعيد العسكري النوعي، توقف شاهين عند استخدام الطائرات المسيّرة في عمليات الاغتيال داخل مخيمات مكتظة مثل مخيم جباليا.
وأشار إلى أن هذه الهجمات تحمل رسائل "عسكرية وسياسية" مزدوجة؛ فعسكرياً تعتمد إسرائيل استراتيجية "الاغتيال الوقائي" التي مارستها في الانتفاضات السابقة، لإيصال رسالة مفادها أن التكنولوجيا المتفوقة قادرة على الوصول إلى أي شخص في أي مكان، حتى في المناطق المصنفة "آمنة". أما سياسياً، فالهدف هو نشر حالة من الرعب الوجودي بين المدنيين وفصل الحاضنة الشعبية عن المقاومة عبر تصوير كل تحرك فلسطيني كهدف مشروع "لمكافحة الإرهاب".
ويشدد شاهين على أن استمرار هذه العمليات، التي تسببت في إصابة وقتل المئات منذ بدء الاتفاق، يضع فصائل المقاومة في وضع لا يسمح لها بالاستمرار في ضبط النفس. إن الرسالة الإسرائيلية الكبرى من وراء استخدام "الدرونز" هي تحدي المجتمع الدولي وإثبات أن إسرائيل فوق القانون، وهو ما يدفع الجانب الفلسطيني، كما جاء في بيانات حماس والقوى الوطنية، إلى اشتراط الوقف الشامل والفعلي لهذه الجرائم قبل الانخراط في أي حوارات سياسية جديدة، مما يعمق حالة العزلة التي يعيشها القطاع ويؤسس لمرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة.
سيناريو الانهيار
ووضع المحلل محمد مصطفى شاهين تقييماً متشائماً لمستقبل اتفاق أكتوبر 2025، حيث رجح وصول احتمالية انهياره إلى نسبة 80% في حال استمرت الوتيرة الحالية للانتهاكات فالاتفاق الذي وُصف بـ "الهش" من قبل خبراء دوليين، يعاني من انسداد في كافة المسارات، ليس فقط عسكرياً بل وإنسانياً أيضاً، حيث لم تسمح إسرائيل بدخول سوى 43% من المساعدات المقررة، مع استمرار منع دخول المستلزمات الإيوائية والمنازل المتنقلة، مما يحول حياة النازحين إلى جحيم مستمر وسط الركام والدمار.
ويرى شاهين أن التاريخ يعيد نفسه، فكما انهارت هدنة عام 2009 واتفاقات 2014 تحت وطأة الخروقات الإسرائيلية، فإن المشهد الحالي يتجه نحو الانفجار الكبير وإن الانهيار الوشيك لن يكون مجرد عودة للعمليات العسكرية، بل قد يكون شرارة لتوحيد الجبهات الفلسطينية بشكل غير مسبوق، تماماً كما حدث في انتفاضة الأقصى. ويخلص شاهين إلى أن السلام الحقيقي في غزة لا يمكن أن يتحقق عبر اتفاقات أمنية تقيس الأمن بمقياس الاحتلال فقط، بل بفرض العدالة الدولية ووقف سياسة الإفلات من العقاب التي تمنح إسرائيل الضوء الأخضر لمواصلة جرائمها خلف ستار التهدئة.










