في ظلِّ التَّصعيدِ المُتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، وبينما تتكاثفُ لغةُ التهديد، وتُحشَدُ القوّات، وتُرفَعُ درجاتُ الجهوزيّة، يعود سؤالٌ جوهريٌّ إلى واجهة المشهد السياسي: هل نحن أمام حربٍ شاملة لا مفرّ منها، أم أمام تسويةٍ مفاجئة تُعيد ترتيب التوازنات وتؤجّل الانفجار؟
تاريخُ الصراعات الدولية، ولا سيّما في الشرق الأوسط، يُثبت أنّ أخطرَ لحظات التوتّر كثيراً ما شكّلت مدخلاً لتفاهمات غير متوقّعة، وُلدت في الغرف المغلقة، وأُعلِنت فجأة أمام الرأي العام، بعد أن بدا للعالم أنّ الحرب باتت حتمية.
في منطق العلاقات الدولية، لا تُخاض الحروب الكبرى بدافع الانفعال أو الشعارات، بل وفق حسابات دقيقة للربح والخسارة. وأيّ مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران تعني اضطراباً في أسواق الطاقة، واهتزازاً في النظام المالي العالمي، وتوسّعاً في رقعة الصراع، واستنزافاً سياسياً واقتصادياً للطرفين. لذلك، تبقى الحرب الشاملة خياراً بالغ الكلفة، يدفع صانعي القرار إلى البحث الدائم عن بدائل أقلّ خطورة.
التصعيد الحالي لا يمكن فصله عن سياسة «حافة الهاوية»، حيث يقترب الخصوم من المواجهة من دون السقوط فيها، بهدف تحسين شروط التفاوض، وانتزاع تنازلات، وتعزيز المواقع الداخلية، وفرض وقائع جديدة. في هذا السياق، يصبح التهديد أداة ضغط سياسية، لا إعلاناً نهائياً للحرب.
ورغم الضجيج الإعلامي والتصريحات النارية، لا تتوقف الاتصالات غير المعلنة بين الأطراف المتخاصمة. فالدبلوماسية الصامتة تعمل في الخفاء عبر قنوات أمنية وسياسية، ورسائل غير مباشرة، وتفاهمات مرحلية، وضمانات متبادلة. وغالباً ما تنضج التسويات الكبرى بعيداً عن الأضواء، ثم تُقدَّم للرأي العام على أنها اختراق مفاجئ.
وإذا ما حصلت تسوية في هذا السياق، فلن تكون سلاماً دائماً، بل هدنة سياسية مؤقتة تقوم على تجميد جزئي للملف النووي، وتخفيف محدود للعقوبات، وضبط الساحات الإقليمية، وتبادل تنازلات محسوبة. أي أننا سنكون أمام إدارة أزمة مرحلية، لا معالجة جذرية لأسباب الصراع.
التجارب السابقة تؤكد أن هذا النوع من التسويات لا يُمهَّد له إعلامياً، بل يُفرَض عندما ترتفع كلفة التصعيد، ويشتدّ ضغط الحلفاء، وتهتزّ الأسواق، ويخشى الجميع من الانفلات، ويقترب المشهد من نقطة اللاعودة. عندها، يصبح الاتفاق مخرجاً ضرورياً لحفظ المصالح والوجوه في آنٍ واحد.
في المقابل، تتراجع فرص التفاهم عندما يسقط عدد كبير من الضحايا، أو تُستهدف مواقع استراتيجية، أو يتعرّض القادة لإحراج داخلي حاد، أو يتوسّع النزاع بدخول أطراف جديدة، أو تُغلَق قنوات الوساطة. في هذه الحالات، يتحوّل التراجع إلى هزيمة سياسية يصعب تحمّلها، فتُدفَع الأطراف نحو المواجهة.
أما لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتشابكاته السياسية والأمنية، فيبقى من أكثر الدول تأثّراً بأي تطوّر في العلاقة الأميركية–الإيرانية. فالتسوية تعني تخفيفاً في منسوب التوتر، وتهدئة للجبهة الجنوبية، وفرصة محدودة لالتقاط الأنفاس اقتصادياً. أما الحرب، فتعني مزيداً من الانهيار، واتساع دائرة المخاطر، وإدخال البلاد في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
إنّ الصراع الأميركي–الإيراني لم يكن يوماً صراع إبادة، بل صراع نفوذ وتوازنات ومصالح متشابكة. وفي مثل هذه الصراعات، لا يكون السلاح دائماً هو الكلمة الفصل، بل غالباً ما تُعلَّق البنادق عندما تنضج الصفقات وتُعاد صياغة التفاهمات.
نحن اليوم أمام لحظة دقيقة، تتقاطع فيها لغة التهديد مع دبلوماسية الظلّ، ويتعايش فيها التصعيد مع التفاوض غير المعلن. ورغم ارتفاع منسوب القلق في المنطقة، تبقى التسوية المفاجئة احتمالاً قائماً، بل مرجّحاً، ما لم تقع حادثة كبرى تقلب الطاولة وتطيح بكل الجهود.
بين الحرب والتسوية، تقف المنطقة على حافة القرار. وبين منطق العقل ومنطق الدمار، يبقى الرهان على أن تنتصر الحكمة السياسية، لأن كلفة الانهيار الشامل لم تعد تحتملها الشعوب، ولا الأنظمة، ولا الاقتصاد العالمي










