تعود رياح التوتر لتهب على مياه شمال الخليج العربي في فبراير 2026، حاملةً معها عبق الصراع القديم المتجدد حول السيادة البحرية. إن ما تعتبره الكويت اليوم "تجاوزاً" من قِبل بغداد بإيداع خرائطها لدى الأمم المتحدة، ليس في حقيقته إلا صرخة استعادة لوعي جغرافي عراقي سُلب في لحظات ضعف تاريخي ومناخات سياسية دولية جائرة. إن العراق، صاحب الساحل الأقصر والأكثر تعقيداً، يجد نفسه اليوم أمام استحقاق مصيري لفك القيد عن رئته البحرية الوحيدة التي ضاقت حتى كادت تخنقه.
صراع الوجود لا الحدود
تعد المناطق المغمورة، وفي مقدمتها "فشت العيج" و"فشت قيد"، حجر الزاوية في السيادة الملاحية العراقية. إن التمسك الكويتي بقرار مجلس الأمن رقم 833 كأنه نصٌ مقدس لا يأتيه الباطل، يتجاهل حقيقة أن الجغرافيا الحية لا تُصنع فقط في أروقة المنظمات الدولية بمداد "ليّ الذراع"، بل تفرضها الطبيعة والامتداد القاري لبلاد الرافدين. السيطرة على هذه النقاط المائية تعني عملياً التحكم في مفاتيح الاقتصاد العراقي وحركة موانئه السيادية، وهو ما لا يمكن لبغداد أن تقبله كواقع أبدي يكرس حصارها المائي.
استرداد الهوية الملاحية
إن إبطال المحكمة الاتحادية العراقية لاتفاقية عام 2013 لم يكن مجرد مناكفة سياسية عابرة، بل كان استرداداً لكرامة ملاحية أُهدرت في توقيتات مريبة. العراق اليوم لا يفتعل أزمة مع الجوار، بل يصحح مساراً مائلاً لضمان عدم تحويل ممراته المائية الدولية إلى ملكيات خاصة تضيق على سفنه. إن "خور عبد الله" هو شريان عراقي الهوية والروح، وأي محاولة لتطويقه بخرائط أحادية هي محاولة لتغيير معالم الطبيعة التي جعلت من العراق بوابة الشمال للخليج.
كما إن الموقف الكويتي المتشنج واستدعاء القائم بالأعمال يعكس خشية حقيقية من استعادة العراق لدوره الطبيعي كقوة بحرية فاعلة ومؤثرة. إن الثروات الطبيعية والممرات المائية التي تدافع عنها بغداد ليست هبات تُطلب، بل هي حقوق تاريخية وجغرافية فرضتها وحدة الأرض والمياه. كما أن إيداع الخرائط الجديدة هو رسالة للعالم أجمع بأن زمن التنازلات الصامتة قد ولى بلا رجعة، وأن السيادة على السواحل والمناطق المغمورة هي وحدة واحدة لا تقبل التجزئة أو المساومة تحت وطأة ضغوط الماضي.
مطالب لا تقبل التأجيل
بناءً على ما تقدم، وانطلاقاً من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، لم يعد كافياً الاكتفاء برفض الخرائط المقابلة، بل بات لزاماً على الإرادة العراقية أن تفرض محددات واضحة لإنهاء هذا الملف بما يضمن العدالة الجغرافية، وتتمثل في المطالب الآتية:
* أولاً: إعادة الترسيم وفق مبدأ "الإنصاف": المطالبة بإعادة ترسيم الحدود البحرية بعد "النقطة 162" استناداً إلى المادة 74 و83 من اتفاقية قانون البحار، التي توجب الوصول إلى "حل عادل" وليس مجرد خطوط هندسية تخنق السواحل العراقية وتمنعه من الوصول إلى أعالي البحار.
* ثانياً: السيادة على الجرف القاري: فرض السيادة الكاملة على "فشت العيج" و"فشت قيد" باعتبارهما نتوءات طبيعية تابعة للجرف القاري العراقي، ورفض اعتبارها "جزراً" تمنح حقوقاً بحرية للكويت على حساب السيادة العراقية.
* ثالثاً: الملاحة كحق سيادي غير مشروط: ضمان حرية الملاحة المطلقة في "خور عبد الله" كونه ممراً مائياً تاريخياً ومشتركاً، ورفض أي إجراءات كويتية أحادية الجانب تعيق حركة التجارة أو تفرض واقعاً جغرافياً جديداً.
* رابعاً: بطلان الاتفاقيات الجائرة: التمسك بقرار المحكمة الاتحادية كمرجعية قانونية وطنية عليا تلغي أي التزامات سابقة انتقصت من سيادة العراق المائية أو حرمته من ثرواته المغمورة في منطقته الاقتصادية الخالصة.
في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال حق العراق في سواحله وممراته ببيانات احتجاجية، فالتاريخ يشهد أن الأرض تعود دائماً لأصحابها مهما طال أمد الخرائط المفروضة قسراً. ستبقى مياه الخور والمنطقة المقسومة شاهداً على أن الحق العراقي في السيادة البحرية الكاملة هو الثابت الوحيد في معادلة التوازن بالخليج، وما سواه ليس إلا زبداً سياسياً يذهب جفاءً أمام إصرار بغداد على التنفس من رئتها المفقودة واستعادة هيبتها المائية كاملة غير منقوصة.









