4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

الشرق الأوسط على حافة الردع المفقود: مواجهة الواقع الخطير

يقف الشرق الأوسط اليوم على شفير صراع لا يرغب فيه أحد تقريبًا، نتيجة عقد كامل فقد فيه التهديد العسكري الأمريكي مصداقيته، في ظل استراتيجية إيران التي اكتشفت إمكانية كسب الوقت

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٥ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
12 مشاهدة
حروب الشرق الأوسط

حروب الشرق الأوسط

يقف الشرق الأوسط اليوم على شفير صراع لا يرغب فيه أحد تقريبًا، نتيجة عقد كامل فقد فيه التهديد العسكري الأمريكي مصداقيته، في ظل استراتيجية إيران التي اكتشفت إمكانية كسب الوقت دائمًا بينما ينتظر الغرب أن يستسلم. تواجه إسرائيل تهديدًا وجوديًا حقيقيًا، حيث إن أي اتفاق نووي محتمل لن يُعالج جذريًا المخاطر الحقيقية التي تحيط بها. الهدف العسكري ليس مجرد تغيير النظام، بل إلحاق أضرار جسيمة بالقدرات الإيرانية لإعادة بناء الردع المفقود.

وفي مقال لـ إيال تسير كوهين بـ "معهد بحوث الأمن القومي بجامعة تل أبيب، المفارقة الكبرى هي أن الواقع الحالي يعكس تراجع الردع في منطقة الشرق الأوسط؛ فطرفان لا يرغبان في الحرب يقتربان منها ليس بدافع الرغبة في القتال، بل بسبب عدم وجود خيار آخر. تظهر جهود الولايات المتحدة المكثفة مؤخرًا للتوصل إلى اتفاق مع إيران، ولو كان مقتصرًا على الملف النووي، لكنها لم تؤتِ ثمارها. فإيران من جهتها لا تسعى للقتال، لكنها تماطل بوعي لكسب الوقت، متجاهلة الإنذارات النهائية، مستمرة في المقامرة على مبدأ تحويل الوقت إلى سلاح، وهو ما أثبت نجاحه على مدار سنوات.

تهديد الشرق الأوسط

هذا هو جوهر المشكلة: فقدت الولايات المتحدة في العقد الأخير مصداقيتها كقوة ردعية، وأصبح كل تهديد عسكري في الشرق الأوسط يُنظر إليه على أنه غير موثوق حتى لحظة تنفيذه. إيران تجد صعوبة في تصديق أن الوضع مختلف هذه المرة، إذ إن تجاربها المتعددة في ابتكار صيغ جديدة وفتح قنوات تفاوضية متكررة أعطتها الثقة بأن المفاوضات ستستمر مهما كانت الظروف. وتراهن طهران على الحياد العربي المحيط بها، معتبرة أن دول الجوار ومنطقة الشرق الأوسط ستظل متفرجة بدل أن تتحرك لحماية نفسها. للأسف، في الشرق الأوسط عام 2026، لا يُنظر إلى التهديد العسكري على أنه فعلي إلا بعد توجيه الضربة الأولى.

خيبة أمل إسرائيل وأمريكا

أدت السنوات الأخيرة إلى طريق مسدود، حيث استُندت التقديرات على افتراضات لم تتحقق على الأرض. اعتمد مستشارو الرئيس ترامب على فكرة أن زيادة الحشد العسكري الأمريكي في الخليج والضغط على إيران قد يدفّع الشعب الإيراني إلى الشوارع. لكن التأثير المتوقع للقوات البرية الإيرانية لم يحدث، ما أطلق سؤال "اليوم التالي": من سيكون البديل للنظام الإيراني، وهل سيكون أكثر اعتدالًا واستقرارًا؟

من منظور أمريكي، قد يشكل انهيار نظام آيات الله فرصة تاريخية، لكنه مقامرة بالغة الخطورة، لا سيما أن إيران تحدها دول سبق وأن أثرت أحداثها في الذاكرة الأمريكية: أفغانستان وباكستان. ليس الإسلام السني في المنطقة ضمانًا للسلام، ولا وجود لشيء يشير إلى تحول ديني يبعث على الطمأنينة. بالنسبة لإسرائيل، يمثل هذا واقعًا مقلقًا للغاية، إذ لم تجدي المفاوضات التي جرت في عُمان نفعًا، وبرزت هشاشة الدولة بشكل مباشر، كما أظهرت عمليات مثل "الأسد الصاعد" مدى التأثير النفسي والاقتصادي لأي صاروخ يسقط داخل البلاد.

حتى مع منظومة دفاع جوي قوية، تظل إسرائيل معرضة لهجمات متكررة قد تشل الحياة الوطنية تدريجيًا. ما يغيب عن الأنظار أحيانًا هو أن التعامل مع منظومة الصواريخ الإيرانية شكل نقطة خلاف مستمرة بين إسرائيل وأجهزة الاستخبارات الأمريكية. إسرائيل ركزت على الصواريخ الباليستية طويلة المدى التي تهدد الأراضي مباشرة، بينما كانت الولايات المتحدة مهتمة بحماية قواعدها وجنودها في منطقة الشرق الأوسط، ما يجعل التداخل في المصالح جزئيًا، وأحيانًا متناقضًا.

واقع الردع العسكري

في الشرق الأوسط عام 2026، لا يمكن لإسرائيل التخلي عن أي مفاوضات نووية تهدف لتخفيف التوتر، رغم استمرار الخطر الصاروخي. إسرائيل لا تحمل أخبارًا عن نجاح تلك المفاوضات، ويظل واقع الردع ناقصًا، فيما إيران تواصل التحدي بثبات. التفكير في تغيير النظام الإيراني يظل أمنية بعيدة المنال، إذ إن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع فرض تسلسل سياسي واضح يحقق هذا الهدف. حرب غزة علمت الجميع درسًا مشابهًا: إسقاط نظام لا يرضى عنه أحد لا يعني استبداله بنظام قابل للتنبؤ والاستقرار، بل هو عملية محفوفة بالمخاطر.

إيران أكبر من إسرائيل بنحو سبعين ضعفًا، لذا لا توجد خطة عسكرية تضمن الربط المباشر بين الفعل والنتيجة على المستوى السياسي. هنا، ينبغي استخدام القوة العسكرية لهدف محدد: إلحاق أضرار بالقدرات، تقويض نظم الردع، وتقليص قدرة النظام على التسبب بالضرر. معظم القوات المنتشرة في الخليج كانت موجهة لمواجهة قدرة إيران على مهاجمة الغرب، وليس بالضرورة للرد على تهديدها الداخلي. إيران لا تسعى للنصر، لكنها تسعى للبقاء وإلحاق أضرار كافية لتبرير موقفها الحازم ضد الغرب حتى يتراجع الأخير.

درس الردع المفقود

التاريخ القريب يعلمنا درسًا واضحًا: عندما يغيب الردع، يبدأ العد التنازلي تلقائيًا. المسؤولون الإيرانيون لا يترددون في تحميل المواطن العادي تكلفة أي صراع، بينما تبقى النخبة بمنأى عن التبعات. أي أمل في المرحلة المقبلة لا يرتبط بإسقاط النظام بشكل مخطط، بل في توجيه ضربات موجعة لقدراته العسكرية تُضعف، تُنهك، وتُحبط النظام، وتعيده إلى وضعه السابق. في غياب الردع، تصبح المنطقة أكثر هشاشة، ومخاطر التصعيد متواصلة، بما يجعل الشرق الأوسط على شفا صراع لم يعد أحد قادرًا على تجنبه بسهولة.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

الشرق الأوسط على حافة الردع المفقود: مواجهة الواقع الخطير - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°