على مدى عقود، اتسمت سياسة الاحتلال الاسرائيلي تجاه الأراضي الفلسطينية بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع»؛ أي إبقاء النزاع تحت السيطرة الأمنية دون الوصول إلى تسوية نهائية. غير أنّ السنوات الأخيرة تشهد تحوّلًا لافتًا في الخطاب والممارسة، بات يُقرأ على أنه انتقال تدريجي نحو «فرض السيادة» وخلق واقع دائم على الأرض.
منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية عام 1967، اعتمدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مقاربة تقوم على ضبط الأوضاع أمنيًا، مع ترك قضايا الحل النهائي للمفاوضات. وقد مثّلت اتفاقيات أوسلو الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في تسعينيات القرن الماضي ذروة هذا المسار؛ إذ أُنشئت السلطة الفلسطينية وقُسّمت الضفة الغربية إلى مناطق (أ، ب، ج)، على أن تُستكمل المفاوضات لاحقًا حول القضايا الجوهرية مثل القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات.
لكن مسار «الإدارة» لم يكن جامدًا. فقد تواصل التوسع الاستيطاني، خاصة في المنطقة (ج) التي تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة. ومع مرور الوقت، تعمّق حضور المستوطنات في المشهد الجغرافي والسياسي، ما جعل فكرة الفصل الإقليمي بين دولتين أكثر تعقيدًا أو شبه مستحيل.
التحول الأبرز برز خلال حكومات اليمين الديني الاستيطاني بقيادة بنيامين نتنياهو، حيث طُرحت صراحةً خطط لضم أجزاء من الضفة الغربية، لا سيما منطقة الأغوار. وفي عام 2020، جاء الحديث عن الضم في سياق خطة سلام رعتها إدارة دونالد ترامب، قبل أن يتم تعليق الخطوة رسميًا. غير أن مراقبين يرون أن السياسات الميدانية – من توسيع المستوطنات إلى منح صلاحيات مدنية أوسع لوزراء يمينيين داخل الإدارة العسكرية – تعكس توجهًا عمليًا نحو تكريس سيادة فعلية حتى دون إعلان قانوني شامل.
القدس الشرقية تُعدّ المثال الأوضح على هذا النهج. فقد أعلنت إسرائيل ضمها عام 1980 عبر «قانون أساس: القدس عاصمة إسرائيل»، وهو إجراء لا يحظى باعتراف المجتمع الدولي، الذي يعتبر القدس الشرقية أرضًا محتلة وفق قرارات الأمم المتحدة. ومنذ ذلك الحين، شكّلت المدينة محورًا مركزيًا في الصراع، سياسيًا ودينيًا وديمغرافيًا. والموقف الفلسطيني يستند إلى ان جوهر الصراع هو القدس واللاجئين ومفهوم الدوله.
على الصعيد الدولي، لا يزال الإجماع الواسع يعتبر الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية أراضي محتلة، ويرى في الاستيطان مخالفة للقانون الدولي، استنادًا إلى اتفاقية جنيف الرابعة. في المقابل، ترفض الحكومات الاحتلاليه الإسرائيلية هذا التوصيف، وتستند إلى اعتبارات أمنية وتاريخية وقانونية خاصة بها.
الانتقال من «إدارة الصراع» إلى «فرض السيادة» لا يعني فقط تغييرًا في المصطلحات، بل يعكس تحوّلًا في الرؤية الاستراتيجية: من إبقاء النزاع مفتوحًا بانتظار تسوية تفاوضية، إلى محاولة حسمه عبر تثبيت وقائع دائمة على الأرض. وبين هذين المسارين، يبقى السؤال مفتوحًا حول مستقبل حل الدولتين، وإمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات تواصل جغرافي وسيادة حقيقية.
في ظل استمرار التوترات الميدانية والتجاذبات السياسية، يبدو أن الصراع يدخل مرحلة جديدة، تتراجع فيها مساحة الانتظار لصالح خطوات أحادية من قبل حكومة اليمين الاحتلالي قد تعيد رسم معالمه لسنوات طويلة قادمة









