بدأت الضربات.
إسرائيل بادرت، والولايات المتحدة لم تقف بعيدًا وإيران أمام اختبار لا يتعلق بالرد العسكري فقط، بل بوجودها الردعي في الإقليم.
في مثل هذه اللحظات، لا تحكم المشهد حسابات “التهدئة”، بل معادلة واحدة: من يفرض قواعد الاشتباك؟ حين تُقدم إسرائيل على الضرب، فهي لا تبحث عن جولة رمزية، بل عن إعادة رسم خطوط حمراء بالقوة.
الرسالة ليست تكتيكية، بل استراتيجية: نحن من نحدد سقف الاشتباك أما الولايات المتحدة، فوجودها في المشهد ليس تفصيلاً.
إنه إعلان أن المعركة ليست ثنائية، بل اختبار لمصداقية التحالفات الدولية.
وإيران؟
بالنسبة لها، المسألة ليست ضربة مقابل ضربة، بل سؤال: هل ستُترك لتُضرَب دون أن تُعيد تعريف الردع؟
في إدارة الأزمات، هناك لحظة تتحول فيها الأزمة من إدارة توتر إلى معركة على الهيبة. وعندما تدخل الهيبة على الخط، يصبح التراجع مكلفًا أكثر من التصعيد.
الحديث عن "ضبط النفس" في هذه المرحلة قد يبدو خطابًا نظريًا فالأنظمة حين تُختبر علنًا، لا تخشى الحرب بقدر ما تخشى صورة الضعف.
من جانب آخر فإسرائيل لا تستطيع أن تسمح بمعادلة الرد المتأخر وإيران لا تستطيع أن تقبل بمعادلة الضرب دون ثمن والولايات المتحدة لا تستطيع أن تبدو مترددة أمام حلفائها وخصومها معًا.
هنا يصبح التصعيد منطقًا ذاتيًا كل خطوة تُنتج خطوة مضادة و كل سقف يُكسَر يستدعي سقفًا أعلى المشكلة ليست في الرغبة بالحرب الشاملة، بل في تضاؤل الخيارات الوسيطة.
حين تُضرب أهداف سيادية، وحين يُعلن الفاعل مسؤوليته، وحين يُبث المشهد مباشرة إلى الرأي العام تتقلص مساحة المناورة إلى حدّها الأدنى وهنا الخطر الحقيقي:
الحرب لا تبدأ دائمًا بخطة كبرى، بل بسلسلة قرارات يعتبر كل طرف أنها ضرورية لحماية الردع.
فإذا ردّت إيران بقوة، ستقول إسرائيل إن أمنها الاستراتيجي مهدد. وإذا وسّعت إسرائيل الضربات، ستعتبر طهران أن وجودها الإقليمي مستهدف. وإذا انخرطت واشنطن أعمق، فإن المعادلة تنتقل من مواجهة إقليمية إلى اشتباك دولي محدود.. قابل للاتساع.
أما فلسطين؟
فهي ليست خارج المشهد، حتى لو لم تكن طرفًا مباشرًا.كل تصعيد إقليمي يعيد ترتيب الأولويات العسكرية الإسرائيلية. كل اشتباك واسع يخلق احتمالات فتح ساحات جانبية أو استخدام أوراق ضغط داخلية. وغزة تحديدًا تعرف أن الإقليم حين يهتزّ، ترتجف معه.
لهذا، السؤال ليس فقط: هل ستتوسع الحرب؟ بل: هل ما زال هناك سقف يمكن أن يَثبت؟
في علم إدارة الأزمات نقول: أخطر المراحل هي تلك التي يعتقد فيها كل طرف أنه ما زال يسيطر على الإيقاع، بينما الإيقاع في الحقيقة بدأ يخرج عن السيطرة.
عندما يُكسَر السقف الأول، يصبح كسر السقف الثاني أسهل. وعندما يُرفع مستوى النار، تحتاج العودة إلى ما قبلها إلى شجاعة سياسية قد لا تتوافر تحت الضغط.
لسنا أمام أزمة عابرة، بل أمام اختبار مفتوح لميزان الردع في الشرق الأوسط. وإن لم يُعاد ضبط الإيقاع سريعًا، فإن المنطقة قد تدخل في مرحلة لا تُدار فيها الأزمات.. بل تُدار فيها الحروب.
ضمن سلسلة: إدارة الأزمات في السياق الفلسطيني










