19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. أسعد العويوي يكتب: كنز الذاكرة الفلسطينية.. وليد الخالدي الذي حرس التاريخ من النسيان

في زمن تتصارع فيه الروايات بقدر ما تتصارع فيه الجيوش، برز اسم المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي بوصفه أحد أبرز حراس الذاكرة الفلسطينية. لم يكن مجرد أكاديمي يدوّن الأحداث في كتب التاريخ.

بقلم: د. أسعد العويوي
٩ مارس ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
33 مشاهدة
المؤرخ وليد الخالدي

المؤرخ وليد الخالدي

في زمن تتصارع فيه الروايات بقدر ما تتصارع فيه الجيوش، برز اسم المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي بوصفه أحد أبرز حراس الذاكرة الفلسطينية. لم يكن مجرد أكاديمي يدوّن الأحداث في كتب التاريخ، بل كان شاهدًا على مرحلة مفصلية من تاريخ شعبه، ومهندسًا لذاكرة جماعية حافظت على ما حاولت التحولات السياسية طمسه أو تهميشه.

ولد الخالدي عام 1925 في القدس، في مدينة تختزل في حجارتها قرونًا من التاريخ والتنوع الثقافي. هناك تشكّلت ملامح وعيه الأول، قبل أن تفتح له أبواب الدراسة في جامعة أكسفورد آفاقًا أكاديمية واسعة.

لكن التحول الأكبر في مسيرته جاء مع أحداث النكبة عام 1948، التي غيّرت مصير فلسطين وأبنائها، ودفعته إلى تكريس حياته لتوثيق ما جرى وحفظه من الضياع.

منذ ذلك الحين، أدرك الخالدي أن المعركة ليست سياسية أو عسكرية فحسب، بل هي أيضًا معركة على الذاكرة والتاريخ. لذلك كرّس جهده للبحث والتوثيق، مستندًا إلى الوثائق والخرائط والشهادات التاريخية، ليقدّم رواية فلسطينية رصينة قادرة على مخاطبة العالم بلغة العلم والمنهج الأكاديمي.

في عام 1963، شارك الخالدي في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية، التي تحولت مع الزمن إلى واحدة من أهم المؤسسات البحثية المتخصصة في دراسة القضية الفلسطينية والصراع في الشرق الأوسط. وقد لعبت المؤسسة دورًا محوريًا في نشر الدراسات والوثائق التي أصبحت مرجعًا للباحثين والجامعات حول العالم.

غير أن أبرز ما رسّخ اسم وليد الخالدي في الذاكرة الفكرية العربية والعالمية كان كتابه الشهير كي لا ننسى، الذي وثّق مئات القرى الفلسطينية التي دُمّرت أو هُجّر أهلها عام 1948. لم يكن الكتاب مجرد سجل جغرافي أو تاريخي، بل كان بمثابة خريطة للذاكرة الفلسطينية، أعاد من خلالها أسماء القرى والبلدات إلى الوعي الجمعي، بعدما حاولت السنوات طمسها.

امتاز الخالدي بقدرة فريدة على الجمع بين الصرامة الأكاديمية والالتزام الوطني. فقد عمل أستاذًا وباحثًا في جامعات مرموقة، وكتب دراسات باللغتين العربية والإنجليزية، ما أتاح للرواية الفلسطينية أن تجد مكانًا في النقاش الأكاديمي الدولي.

اليوم، ومع رحيله، يشعر كثير من المثقفين الفلسطينيين بأنهم فقدوا أحد أهم العقول التي كرّست حياتها لخدمة الحقيقة التاريخية. غير أن إرثه الفكري ما زال حاضرًا في الكتب والدراسات والوثائق التي تركها، والتي ستظل مرجعًا للأجيال القادمة.

لقد أدرك وليد الخالدي مبكرًا أن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءًا من هويتها. لذلك اختار أن يكون حارسًا للذاكرة، مؤمنًا بأن التاريخ إذا كُتب بصدق ودقة، فإنه يصبح أقوى من محاولات النسيان.

وهكذا يبقى اسم وليد الخالدي محفورًا في سجل الفكر العربي، ليس فقط كمؤرخ كبير، بل كأحد الذين حمل ذاكرة شعبهم وحفظوها للأجيال .

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي يكتب: كنز الذاكرة الفلسطينية.. وليد الخالدي الذي حرس التاريخ من النسيان - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°