في تصعيد خطير يعكس حجم الكراهية المنظمة التي تغذيها حكومة الاحتلال، أقدمت مليشيات المستوطنين المتطرفة، الليلة الماضية، على إحراق مسجد في قرية دوما جنوب شرق نابلس، في جريمة دينية استهدفت المقدسات الإسلامية في الضفة الغربية. ولم يكتف المستوطنون بإحراق المسجد، بل أضافوا إهانة إلى جريمتهم بكتابة شعارات عنصرية معادية على جدرانه، في تحدٍ صارخ لمشاعر الفلسطينيين وللمقدسات الإسلامية في مختلف أنحاء الضفة.
تأتي هذه الجريمة في سياق تصاعد غير مسبوق لاعتداءات المستوطنين المدعومين رسمياً من جيش الاحتلال، والذي يفترض أن مهمته حماية المواطنين لا توفير الغطاء الأمني للمعتدين.
اقتحامات شاملة في الضفة
لم تقتصر عمليات الاقتحام على منطقة واحدة، بل شملت الليلة الماضية وفجر اليوم الخميس، عدة مدن وبلدات في مختلف أنحاء الضفة الغربية، في حملة عسكرية واسعة النطاق. ففي ضاحية شويكة شمال مدينة طولكرم، اقتحمت قوات الاحتلال المنطقة وداهمت عدداً من المنازل، ونفذت حملة اعتقالات خلال اقتحامها المستمر الذي طال عدة أحياء سكنية. هذا الاقتحام يأتي ضمن سلسلة عمليات عسكرية تستهدف شمال الضفة بشكل خاص، في محاولة لكسر إرادة السكان ودفعهم إلى النزوح من مناطقهم.
عزون تحت القصف
في شرق قلقيلية، وسعت قوات الاحتلال دائرة استهدافها لبلدات الضفة باقتحام بلدة عزون، حيث داهمت عدة منازل داخل البلدة في عملية عسكرية استمرت لساعات. وخلال هذه العملية، اعتقلت قوات الاحتلال الشابين زياد علامة وسند حسين، ليرتفع عدد المعتقلين في الضفة خلال الـ 24 ساعة الماضية إلى أكثر من 10 مواطنين. وتشهد بلدة عزون في الضفة مواجهات شبه يومية مع قوات الاحتلال، التي تحاول فرض سيطرتها الكاملة على مداخل البلدة ومنع المواطنين من التنقل بحرية.
اعتقالات واسعة في جنوب نابلس
واصلت قوات الاحتلال استهدافها لبلدات جنوب نابلس في الضفة، حيث اقتحمت بلدة بيتا، وداهمت منازل المواطنين ونفذت حملة اعتقالات واسعة، بالتزامن مع اقتحام قرية عوريف المجاورة. وتعد بلدة بيتا في الضفة من المناطق التي تشهد مواجهات شبه يومية مع المستوطنين وقوات الاحتلال، خاصة بسبب موقعها الاستراتيجي قرب المستوطنات المقامة على أراضي المواطنين.
يعكس هذا الاقتحام المتزامن تنسيقاً عسكرياً إسرائيلياً لضرب عدة أهداف في وقت واحد، بهدف تشتيت المقاومة الشعبية في الضفة وإرباك سكانها.
دورا والخليل: اعتقال طفل (14 عاماً)
في جنوب الضفة الغربية، اقتحمت قوات الاحتلال مدينة دورا جنوب الخليل، وأطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع بشكل كثيف في الأحياء السكنية، مما تسبب في حالات اختناق واسعة بين المواطنين. وفي جريمة تكشف وحشية الاحتلال، اعتقلت قوات الاحتلال الطفل فجر منصور النتشة (14 عاماً) خلال اقتحام مدينة الخليل، ليضاف إلى مئات الأطفال الفلسطينيين المعتقلين في سجون الاحتلال والذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة لحقوقهم.
ويعكس استهداف الأطفال في الضفة سياسة ممنهجة لكسر المقاومة منذ الصغر، وحرمان الأجيال القادمة من حقها في طفولة آمنة.
وفي محافظة جنين شمال الضفة، واصلت قوات الاحتلال اقتحام قرية بير الباشا جنوب المدينة، وسط عمليات تفتيش ومداهمات مكثفة للمنازل. وتشهد منطقة جنين في الضفة تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً غير مسبوق منذ أشهر، حيث تتعرض المدن والمخيمات لاقتحامات شبه يومية تسفر عن استشهاد وإصابة العشرات، وتدمير واسع للبنية التحتية.

بيت لحم
لم يسلم جنوب الضفة من حملة الاقتحامات الواسعة، حيث اقتحمت قوات الاحتلال بلدة تقوع جنوب شرق بيت لحم، ضمن سلسلة الاقتحامات التي طالت عدة مناطق. بلدة تقوع في الضفة تتعرض لضغوط استيطانية متواصلة بسبب قربها من المستوطنات المقامة على أراضيها، حيث يحاول المستوطنون بمساعدة جيش الاحتلال فرض أمر واقع جديد يهدف إلى تهجير السكان والاستيلاء على المزيد من الأراضي.
1200 وحدة استيطانية جديدة
في تحدٍ صارخ للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، كشفت مصادر محلية في القدس المحتلة عن بدء سلطات الاحتلال أعمال بناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة في مستوطنة "هار هوماه" (جبل أبو غنيم) جنوب شرق القدس المحتلة. هذا التوسع الاستيطاني الضخم يأتي في وقت تواصل فيه قوات الاحتلال عدوانها على الضفة الغربية، مما يؤكد أن سياسة الاستيطان وتهويد الأرض تسير بالتوازي مع العمليات العسكرية.
وتشكل مستوطنة هار هوماه المقامة على أراضي المواطنين في بيت صفافا وأم ليسون والعيسوية وشرفات، حلقة رئيسية في سلسلة الاستيطان التي تهدف إلى عزل القدس عن محيطها الفلسطيني في الضفة وتقسيمها جغرافياً تمهيداً لتهويدها الكامل.
الضفة في دائرة النار: هل نشهد انتفاضة ثالثة؟
مع استمرار التصعيد الإسرائيلي في مختلف أنحاء الضفة، تتزايد التساؤلات حول إمكانية اندلاع انتفاضة شعبية ثالثة تعيد رسم المشهد السياسي والأمني في المنطقة. تؤكد المؤشرات الميدانية أن صبر الفلسطينيين في الضفة بدأ ينفد، خاصة مع تزامن جرائم المستوطنين اليومية مع الاقتحامات العسكرية المتواصلة. إحراق مسجد واعتقال طفل واقتحام عشرات المنازل يومياً، كلها عوامل تغذي الغضب الشعبي وتدفع باتجاه مواجهة شاملة قد تكون مختلفة عن سابقاتها، خاصة مع وجود مقاومة بدأت تظهر بشكل متزايد في مدن وقرى الضفة.
صمت عالمي يشجع الاحتلال على المضي في جرائمه
في الوقت الذي تتواصل فيه جرائم الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية، يبقى المجتمع الدولي متفرجاً صامتاً على هذه الانتهاكات اليومية لحقوق الإنسان والقانون الدولي. هذا الصمت الدولي المتواطئ يشجع حكومة الاحتلال على المضي قدماً في سياساتها القمعية، ويمنح المستوطنين الضوء الأخضر لمواصلة اعتداءاتهم على المواطنين ومقدساتهم.
وتطالب المؤسسات الحقوقية الفلسطينية المحكمة الجنائية الدولية بالتحرك العاجل لوقف جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل في الضفة، وملاحقة المسؤولين عنها أمام القضاء الدولي. لكن وسط هذا الصمت المطبق، يبقى الفلسطينيون في الضفة وحدهم في مواجهة آلة القتل والتهويد، مدعومين فقط بإيمانهم بعدالة قضيتهم واستعدادهم لتقديم المزيد من التضحيات من أجل الحرية والكرامة.










