4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: "قوت العراقيين" يحترق في عرض البحر

إن احتراق 2 مليون برميل من الخام، وما ترتب عليه من خسارة فورية بلغت 230 مليار دينار، يضعنا أمام تساؤلات وجودية حول أمان "الرئة" التي يتنفس منها العراقيون

بقلم: سارة جاسم
١٢ مارس ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
31 مشاهدة
احتراق 2 مليون برميل من الخام

احتراق 2 مليون برميل من الخام

في الثاني عشر من آذار 2026، استيقظ الواقع الاقتصادي العراقي على مشهد مرعب،وهو ألسنة اللهب التي تلتهم ناقلتي نفط في حادثة استهداف لم تكن مجرد خرق أمني، بل كانت طعنة في خاصرة المورد المالي الوحيد للبلاد.

 إن احتراق 2 مليون برميل من الخام، وما ترتب عليه من خسارة فورية بلغت 230 مليار دينار، يضعنا أمام تساؤلات وجودية حول أمان "الرئة" التي يتنفس منها العراقيون، ومدى قدرة الدولة على الصمود أمام اهتزازات هذا الشريان الحيوي.

فاتورة النار

لا تقتصر فاجعة استهداف الناقلتين على القيمة المالية المفقودة فحسب، بل تمتد آثارها لتخلق موجات ارتدادية في السوق العالمي والمحلي، ففقدان شحنة بهذا الحجم يعني حرمان الموازنة العامة من سيولة نقدية كانت كفيلة بسد ثغرات خدمية كبرى، والأخطر من ذلك هو ما يتبع هذه الحوادث من "أضرار صامتة" حيث ترتفع على الفور أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على كافة السفن المتوجهة للموانئ العراقية، مما يقلص من صافي الأرباح ويجعل النفط العراقي "أغلى كلفة" في التصدير وأقل جاذبية للمشترين الدوليين، ناهيك عن التهديد البيئي الكارثي الذي قد يطال مياه الخليج ويؤثر على محطات تحلية المياه والثروة السمكية.

أفق مجهول

إذا ما استمر هذا المشهد التصعيدي دون رادع أمني أو استقرار سياسي، فإن التوقعات المستقبلية تميل نحو القتامة. ففي ظل الاعتماد الكلي على التصدير البحري، قد تضطر شركات الشحن العالمية إلى تعليق رحلاتها إلى البصرة، مما يعني "شلاً تدريجياً" في تدفقات العملة الصعبة. هذا الارتباك سيؤدي حتماً إلى تذبذب حاد في سعر صرف الدينار مقابل الدولار، نتيجة الخوف من نقص الاحتياطي النقدي، وهو ما سينعكس فوراً على أسعار السلع في الأسواق المحلية، ليدفع المواطن البسيط ضريبة نيران لم يضرمها، في ظل موازنة تعجز عن المناورة نتيجة فقدان عوائدها الرئيسية.

مأزق "الريع" وحتمية التحول
إن هذه الحادثة هي تذكير قاسي بأن العراق يعيش في فخ "الاقتصاد الأحادي" حيث نصدر النفط لنشتري كل شيء آخر. هذه الدورة الاقتصادية تجعل الدولة في وضع "المتلقي السلبي" لكل الصدمات الخارجية. فنحن في الحقيقة لا نصدّر مادة خاماً بقدر ما نصدر "أمننا القومي"، ثم نستورده مرة أخرى على شكل بضائع استهلاكية ومواد غذائية وأدوية.


إن استمرار هذا الخلل في الميزان التجاري، حيث تطغى الاستيرادات على كل ما هو محلي، يعني أن أي حريق في ناقلة نفط هو في الواقع حريق في مخازن الغذاء ومستودعات الدواء داخل المدن العراقية.

 

في الاقتصاد، يقولون "إذا عطس النفط، أصيب السوق العراقي بالحمى" واليوم النفط لا يعطس بل يحترق، مما يتطلب استراتيجية فورية لتأمين "طرق بديلة" لكسر حدة هذا الارتباط القاتل.


لقد آن الأوان بتحرير لقمة العيش من "ارتهان الناقلة" وإن التحول نحو تفعيل القطاعات الإنتاجية (الزراعة والصناعة) لم يعد ترفاً فكرياً أو شعاراً انتخابياً، بل هو ضرورة قصوى لتقليل الاعتماد على الاستيراد المفرط الذي يستنزف الدولارات النفطية. إن قوة الاقتصاد يجب أن تُبنى على تنوع الصادرات وقوة الإنتاج المحلي، بحيث إذا توقفت الناقلات يوماً، لا تتوقف معها حياة الناس. 


إن الدرس الذي تتركه نيران آذار 2026 هو أن "الاقتصاد الذي لا ينتج، هو اقتصاد ينتظر الكارثة"، وأن تأمين طرق الملاحة يجب أن يتزامن مع بناء اقتصاد صلب لا تهزه الرياح السياسية أو الاستهدافات العسكرية.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سارة جاسم تكتب: "قوت العراقيين" يحترق في عرض البحر - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°