20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: حين يصبح "الذهب الأسود" قيداً على معصم العراقيين

في الوقت الذي تقفز فيه أسعار النفط العالمية لتتجاوز حاجز المائة دولار للبرميل، نتيجة اشتعال التوترات في مضيق هرمز وتعطل الملاحة الدولية

بقلم: سارة جاسم
١٦ مارس ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
25 مشاهدة
eff066b1-a37a-47ba-b2e1-6460d0546983

eff066b1-a37a-47ba-b2e1-6460d0546983

في الوقت الذي تقفز فيه أسعار النفط العالمية لتتجاوز حاجز المائة دولار للبرميل، نتيجة اشتعال التوترات في مضيق هرمز وتعطل الملاحة الدولية، كان من المفترض أن تعيش العواصم النفطية حالة من الانتعاش الاقتصادي، لكن المشهد في بغداد يبدو مختلفاً تماماً، حيث يطغى الخوف من "الجوع" على بريق أرقام البورصات العالمية. نحن اليوم أمام مفارقة تاريخية كبرى؛ فالعراق الذي يمتلك واحدة من أغلى ثروات الأرض، يجد نفسه عاجزاً عن إيصالها إلى المشترين، وعاجزاً في الوقت ذاته عن تأمين قوت مواطنيه إذا ما استمر "خنق" الممرات المائية التي تشكل رئة البلاد الوحيدة.

"هرمز" رئتنا الوحيدة

إن اعتماد العراق على موانئ البصرة المطلة على الخليج العربي لتصدير أكثر من 90% من نفطه جعل من مضيق هرمز شريان الحياة والموت في آن واحد، ومع إغلاق هذا الممر الحيوي، تحول النفط من ثروة وطنية إلى "خزين مكدس" لا قيمة له في موازنة الدولة، ليصبح سعر المائة دولار مجرد رقم وهمي لا يطعم جائعاً ما دام النفط حبيس الأنابيب والخزانات، في ظل عجز حكومي تام عن توفير بدائل حقيقية للتصدير. وبينما تئن الأسواق من وطأة هذا القلق، يطل علينا من خلف الشاشات خطاب سياسي بائس يحاول تسويق "فلسفة الصمود" مروجاً لأسطورة المقايضة بين الكرامة ورغيف الخبز، وهو نوع من "هراء التجويع" الذي يطرحه بعض السياسيين أو التابعين لهم للهروب من استحقاقات الفشل الإداري الذريع. فالدولة القوية هي التي تحفظ كرامة إنسانها بتأمين استقراره المعيشي، لا التي تطلب منه التضحية بلقمة عيشه لتعويض عجزها عن حماية ممر مائي أو بناء أنبوب بديل، إذ إن محاولة تصوير الفشل في التخطيط كأنه "ضريبة للكرامة" ليست سوى إهانة لوعي الشارع الذي يدرك أن الكرامة الحقيقية تبدأ من وطن لا يرتجف فيه رب الأسرة عند سماع خبر أمني عابر.

خطيئة الحكومات

هذه الأزمة الحالية ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج عقدين من "التخدير" وغياب الرؤية الاستراتيجية لدى الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003، فبالرغم من التحذيرات المتكررة من مغبة حصر البيض العراقي في سلة واحدة، لم تنجح أي سلطة في تأمين خطة طوارئ حقيقية، حيث ظل مشروع أنبوب العقبة حبيس الأدراج والمناكفات السياسية، وبقي خط الشمال باتجاه جيهان معطلاً بفعل الخلافات الفنية والسياسية مع إقليم كردستان وتركيا، يرافق كل ذلك إهمال متعمد لقطاعي الصناعة والزراعة، ما حول العراق إلى دولة ريعية بامتياز، تبيع النفط لتشتري كل ما تأكله من الخارج.

من موازنة الانفجار إلى عجز الرواتب

إن هذا التراجع في القدرة على التصدير يضع الدولة أمام انتحار مالي وشيك، خاصة وأن موازنة عام 2026 المثقلة بالنفقات التشغيلية والرواتب تعتمد كلياً على التدفق النقدي اليومي، وتوقف هذا التدفق يعني حتماً العجز عن دفع مستحقات ملايين الموظفين والمتقاعدين، مما يهدد بانهيار القدرة الشرائية للسواد الأعظم من الشعب. وسيكون البنك المركزي مضطراً حينها لاستنزاف الاحتياطي النقدي لسد الفجوة، وهو ما قد يقود مجدداً لدوامة خفض قيمة الدينار، تزامناً مع قفزات جنونية في أسعار المواد الأساسية التي تعبر الموانئ المتوقفة حالياً نتيجة تعطل الملاحة في الجنوب.

اليوم، لا يهتم المواطن العراقي بتحليلات الخبراء الدوليين، بقدر ما يراقب بقلق سعر "الزيت والطحين" في الأسواق المحلية، شاعراً بأنه بات "مكشوفاً" تماماً أمام أي هزة إقليمية. إن أزمة عام 2026 الحالية يجب أن تكون الجرس الأخير الذي ينبه الجميع إلى أن بناء اقتصاد لا يرهن مصير ملايين البشر بممر مائي واحد ليس مجرد خيار فني، بل هو مسألة وجود، فبدون تنويع حقيقي لمصادر الدخل ومنافذ التصدير، سيبقى العراق دائماً على بعد رصاصة واحدة أو لغم بحري واحد من الانهيار الشامل، وستبقى شعارات الصمود الزائفة مجرد صدى لا يغني من جوع ولا يحمي مستقبلاً.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير