قال الباحث التركي في شؤون الشرق الأوسط، الدكتور بكير أتاجان، في قراءة لمستجدات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إنه لا يبدو أننا أمام خداع مباشر بقدر ما نحن إزاء إدارة دقيقة لتوازن هش، يسعى فيه كل طرف إلى كسب الوقت دون أن يظهر بمظهر المتراجع.
وأوضح "أتاجان"، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أن السؤال الحقيقي لا يكمن في وجود تهدئة من عدمه، بل في: من سيتمكن من استثمار هذه المهلة بذكاء أكبر قبل انتهائها؟
وأشار "أتاجان" إلى أن ما يُطرح تحت عنوان “التهدئة” أقرب إلى كونه إعادة ضبط لإيقاع الأزمة، لا مسارًا جديًا نحو خفض التصعيد. وأضاف: "ففي غضون أقل من 48 ساعة، تحوّل المشهد من تهديد أمريكي بضرب منشآت الكهرباء داخل إيران، إلى رد إيراني استهدف بنى تحتية في الخليج، ثم إلى تراجع أمريكي مصحوب بمنح مهلة زمنية".
وبين "أتاجان" أن هذا التسلسل، رغم ما يوحي به من انفتاح تفاوضي، يعكس في جوهره أداة تكتيكية لإدارة التصعيد أكثر منه تحولًا استراتيجيًا حقيقيًا.
الفجوة بين خطابي إيران وترامب
وشدد الباحث التركي على أن جوهر التحركات لا يتمثل في الوساطة بحد ذاتها، بل في كيفية توظيفها. فالقنوات التي يُقال إنها تنشط عبر تركيا ومصر وباكستان لا تؤكد وجود عملية تفاوضية متماسكة، بقدر ما تشير إلى استخدام هذه المسارات لنقل الرسائل، وشراء الوقت، واحتواء ارتدادات الأسواق، وربما التغطية على استعدادات ميدانية أوسع. وتعدد الوسطاء في هذا السياق لا يعكس قوة المسار، بل قد يكشف عن هشاشته، خاصة في ظل غياب مؤشرات ملموسة يمكن الاستناد إليها.
كما نوّه "أتاجان" أن الحديث عن “تقدم” في هذه الوساطات، الصادر عن مصادر أمريكية مجهولة، يندرج غالبًا ضمن إدارة التوقعات لا تثبيت الوقائع. وفي المقابل، يواصل الجانب الإيراني نفي وجود أي مفاوضات، ما يعمّق الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.

وأردف: "ضمن هذا الإطار، تكتسب التحليلات التي تشكك في جدية المهلة المطروحة أهمية خاصة، إذ تُقرأ هذه المهلة كأداة لتهدئة الأسواق وإعادة ترتيب وتيرة التصعيد، وهو ما ظهر بالفعل في تحسن المؤشرات فور الإعلان عنها. بل إن بعض التقديرات تذهب إلى أن هذه الفترة قد تكون مجرد مرحلة انتقالية تسبق استئناف العمليات في توقيت مدروس لا يربك الاقتصاد العالمي".
تناقض جوهري
في المقابل، رأى "أتاجان" أن استمرار الضربات الإسرائيلية بوتيرة متواصلة، يسلط الضوء على التناقض الجوهري في المشهد: حديث عن تهدئة يجري فوق أرضية صراع لم يهدأ أصلًا.
بناءً على ذلك، لا يعتبر "أتاجان" ما يجري مسارًا تفاوضيًا واضحًا، ولا هدنة حقيقية، بل حالة ضبابية تُدار بعناية: وساطات غير مكتملة، تصريحات متناقضة، ومهلة زمنية مفتوحة على أكثر من تفسير—هل هي لبناء اتفاق، أم للتحضير لتصعيد أشد، أم مجرد وسيلة لشراء الوقت؟
وأكد "أتاجان" أن ما نشهده ليس سعيًا حقيقيًا لإنهاء الحرب، بل إدارة محسوبة لمساراتها. جميع السيناريوهات تبقى قائمة: إما أن تتحول هذه القنوات إلى مفاوضات فعلية، أو تنكشف كغطاء لمرحلة تصعيد جديدة. وفي النهاية، لن يكون الحسم لما يُقال عن التهدئة، بل لما سيحدث فعليًا عند انقضاء المهلة.
وختم تصريحه بالقول: "يبقى السؤال الأعمق: عندما تفرض لحظة التفاوض نفسها، هل يمتلك أي طرف الحد الأدنى من الثقة في الآخر للاستمرار؟"










