تحولت منصة تليجرام خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين القوى المتصارعة، لكنها في العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران بلغت ذروة غير مسبوقة من التوظيف السياسي والأمني. فمع تصاعد العدوان منذ فبراير 2026، لم تعد المعركة مقتصرة على السماء أو الأرض، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من إدارة الصراع. ويعود ذلك إلى طبيعة المنصة نفسها، التي توفر قنوات واسعة الانتشار، ومجموعات ضخمة، وأدوات تواصل مشفرة، دون رقابة صارمة.
هذا الواقع منح الجهات المرتبطة بالدول، إلى جانب مجموعات القرصنة غير الرسمية، مساحة شبه مفتوحة لإدارة عمليات التأثير والتضليل والتنسيق. فالقنوات تحولت إلى منصات بث دعائي، والمجموعات إلى غرف عمليات، بينما أصبحت البرمجيات الآلية أدوات لجمع البيانات أو شن الهجمات الرقمية. وبذلك، لم يعد التنافس على السيطرة العسكرية فقط، بل على التحكم في الرواية والمعلومة.
وفي ظل غياب ضوابط فعالة، تداخلت الحدود بين النشاط الرسمي وغير الرسمي، حيث بات من الصعب التمييز بين ما هو تابع للدولة وما هو نشاط مستقل. هذا الغموض عزز من تعقيد المشهد، وخلق بيئة خصبة لحرب نفسية مستمرة تستهدف المدنيين بقدر ما تستهدف المؤسسات.
حرب هجينة مفتوحة
لم تعد المواجهة الرقمية بين إيران وإسرائيل تقليدية كما في الهجمات السيبرانية الكلاسيكية، بل أصبحت نموذجًا لحرب هجينة تجمع بين العلن والسرية، وبين العمليات التقنية والتأثير النفسي. فالمشهد اليوم يتسم بتدفق مستمر من الادعاءات والهجمات المتبادلة، تشمل تعطيل مواقع، وتسريب بيانات، ونشر مقاطع مفبركة.
اقرأ أيضا: كيف كشف تطبيق رياضي موقع الحاملة شارل ديجول وفضح ثغرات الأمن العسكري؟
تعتمد هذه الحرب على السرعة والكثافة، حيث يتم نشر المعلومات – الصحيحة والمزيفة – في وقت واحد، ما يخلق حالة من الضباب المعلوماتي. هذه الحالة لا تستهدف فقط إرباك الخصم، بل أيضًا التأثير على الرأي العام الداخلي والخارجي، ودفعه إلى تبني تصورات معينة عن مجريات الصراع.
كما أن استخدام أدوات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي في إنتاج مقاطع وصور مزيفة، جعل من الصعب التحقق من صحة المحتوى المتداول. وهو ما أدى إلى تآكل الثقة بالمصادر التقليدية، وتحول المنصات الرقمية إلى ساحة صراع على الوعي قبل أن تكون ساحة صراع على النفوذ.

تليجرام والاستراتيجية الإيرانية
تعتمد إيران في هذه الحرب الرقمية على مبدأ الكثافة، حيث توظف عددًا كبيرًا من المجموعات المرتبطة بها بشكل مباشر أو غير مباشر. وقد ظهرت خلال العدوان الأخير عشرات التشكيلات الرقمية التي تنسق عبر تليجرام ضمن ما يشبه “غرفة عمليات إلكترونية”، تتولى توزيع الأدوار وإدارة الهجمات.
تركز هذه الاستراتيجية على نشر كميات ضخمة من المحتوى الدعائي. ويتم استخدام مقاطع الفيديو، إلى جانب محتوى مولد تقنيًا، لإظهار الإنجازات الميدانية. وتُضخ هذه المواد عبر قنوات متعددة، ما يمنحها انتشارًا واسعًا.
إلى جانب ذلك، تلعب مجموعات القرصنة دورًا محوريًا في هذه المنظومة، حيث تعلن عن اختراقات وتسريبات بشكل مستمر. ورغم أن بعض هذه التسريبات قد يكون مبالغًا فيه، فإن تأثيرها النفسي يبقى كبيرًا، خاصة عندما يتعلق الأمر ببيانات مدنية أو مؤسسات حساسة.
التكتيك الإسرائيلي على تليجرام
في المقابل، تتبنى إسرائيل نهجًا أكثر انتقائية في استخدام الفضاء الرقمي، حيث تركز على عمليات التضليل والتأثير الموجهة بدلًا من الإغراق المعلوماتي. وقد أطلقت أجهزة استخباراتها قنوات موجهة باللغة الفارسية، تستهدف الجمهور الإيراني مباشرة، في محاولة لإثارة الفتنة الداخلية وزعزعة الثقة الشعبية بالنظام.
تعتمد هذه الاستراتيجية على مخاطبة الداخل الإيراني، عبر دعوات للتواصل ومحاولات التأثير والتحريض على الدولة الإيرانية، أو من خلال رسائل نفسية تستهدف شرعية السلطة. كما تتكامل هذه الجهود مع عمليات تقنية، مثل اختراق وسائل إعلام أو تطبيقات محلية، لبث رسائل موجهة.
في الوقت نفسه، تعمل إسرائيل على الحد من تأثير الهجمات المضادة، عبر الضغط لإغلاق القنوات التي تنشر تسريبات حساسة، أو من خلال تنفيذ عمليات مضادة تستهدف البنية الرقمية للخصم. ويعكس هذا النهج محاولة لتحقيق توازن بين الهجوم والدفاع في الفضاء الرقمي.
التصعيد الزمني
شهدت منصة تليجرام تصاعدًا تدريجيًا في دورها منذ عام 2023، لكن التحول الأكبر جاء مع تصاعد الحرب في 2025 و2026. ففي أعقاب العدوان، يتم تفعيل الشبكات الرقمية خلال ساعات، حيث تبدأ المجموعات في نشر البيانات والتنسيق للهجمات.
وخلال الأشهر الأخيرة، أصبحت المنصة مركزًا رئيسيًا لإدارة العمليات الرقمية، حيث تُستخدم للإعلان عن الهجمات، ونشر الأدلة المزعومة، وتوجيه الأنصار. كما شهدت الفترة نفسها زيادة في حجم التسريبات والعمليات النفسية، ما يعكس تطورًا في طبيعة الصراع.
هذا التصعيد لم يكن فقط في الحجم، بل أيضًا في التعقيد، حيث باتت العمليات تجمع بين الاختراق والتضليل والتأثير الإعلامي في آن واحد. وهو ما يجعل من تليجرام ساحة مركزية لفهم ديناميكيات الحرب الحديثة.
التأثيرات الميدانية
لم تعد هذه الحرب الرقمية مجرد نشاط افتراضي، بل لها انعكاسات مباشرة على الواقع. فالتسريبات قد تعرض أفرادًا للخطر، والهجمات على البنية التحتية الرقمية قد تؤدي إلى تعطيل خدمات حيوية، بينما تسهم المعلومات المضللة في نشر الذعر بين السكان.
كما أن استهداف القطاعات الاقتصادية عبر الهجمات أو التسريبات يؤدي إلى اضطراب الأسواق، ويزيد من كلفة الصراع. وفي هذا السياق، تصبح الحرب الرقمية أداة ضغط موازية للعمليات العسكرية، تسهم في استنزاف الخصم بوسائل غير تقليدية.
إلى جانب ذلك، تؤدي هذه الحرب إلى تآكل الثقة بالمعلومات، حيث يصبح من الصعب على الأفراد التمييز بين الحقيقة والدعاية. وهو ما يخلق بيئة خصبة للتلاعب بالرأي العام، ويزيد من تعقيد إدارة الأزمات.
مستقبل المواجهة
تشير المعطيات إلى أن تليجرام سيظل ساحة رئيسية لهذه المواجهة في المستقبل، خاصة مع استمرار الصراع وتطور أدواته. فمن المتوقع أن تتوسع العمليات لتشمل استخدامًا أكبر للتقنيات الحديثة، وزيادة التنسيق بين المنصات المختلفة.
كما أن سهولة الوصول إلى أدوات الهجوم الرقمي ستؤدي إلى دخول أطراف جديدة في هذا الصراع، ما يزيد من تعقيده ويجعله أكثر انتشارًا. وفي ظل غياب قواعد واضحة، ستبقى هذه الحرب مفتوحة على جميع الاحتمالات.
في هذا السياق، لم يعد الانتصار يقاس بالسيطرة على الأرض فقط، بل بالقدرة على التحكم في السردية، والتأثير على المعنويات، وإدارة تدفق المعلومات. وهنا، يتحول تليجرام من مجرد تطبيق تواصل إلى ميدان معركة حقيقي، تُدار فيه حرب بلا حدود واضحة، ولا نهاية قريبة.










