21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: هدنةٌ تُخفي العاصفة... المنطقة بين الترقّب والانفجار

برز دور إسلام آباد كوسيطٍ فاعلٍ ساهم في فتح نافذة تهدئة، عبر الدفع نحو هدنةٍ محدودة بخمسة عشر يوماً. هذا التدخل لم يكن تفصيلاً عابراً، بل مؤشراً على دخول أطراف إقليمية على خط إدارة الأزمة

بقلم: د. ليون سيوفي
٨ أبريل ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
22 مشاهدة
د. ليون سيوفي يكتب: هدنةٌ تُخفي العاصفة... المنطقة بين الترقّب والانفجار

د. ليون سيوفي يكتب: هدنةٌ تُخفي العاصفة... المنطقة بين الترقّب والانفجار

تعيشُ المنطقةُ اليوم لحظةً دقيقةً تتداخلُ فيها التهدئةُ مع التهديد، وتُدارُ فيها الأزمةُ بأدواتٍ مركّبة تتجاوزُ منطق الحرب التقليدية. فالتراجعُ الظاهر في حدّة المواجهة بين واشنطن وطهران لا يعكسُ نهاية الصراع، بل يُعبّر عن انتقالٍ محسوبٍ إلى مرحلةٍ جديدة عنوانها: إدارة التوتّر لا حسمه.

في هذا الإطار، برز دور إسلام آباد كوسيطٍ فاعلٍ ساهم في فتح نافذة تهدئة، عبر الدفع نحو هدنةٍ محدودة بخمسة عشر يوماً. هذا التدخل لم يكن تفصيلاً عابراً، بل مؤشراً على دخول أطراف إقليمية على خط إدارة الأزمة، في محاولة لمنع الانزلاق إلى مواجهةٍ واسعة لا يمكن ضبطها. غير أنّ هذه الهدنة، رغم أهميتها، تبقى مجرّد مهلة اختبار، لا أكثر.

وقد اعتبرت طهران هذه الهدنة إنجازاً سياسياً، بل قدّمتها في خطابها الداخلي والخارجي على أنّها شكلٌ من أشكال الانتصار، باعتبار أنّها جاءت من موقع الصمود لا التراجع، ومن موقع فرض الشروط لا القبول بها. ولم يقتصر الأمر على الخطاب الرسمي، بل انعكس أيضاً في الشارع، حيث عمت شوارع طهران مظاهر فرحٍ عفوي، في مشهدٍ أرادت من خلاله السلطة تثبيت صورة “الانتصار” في الوعي العام، رغم أنّ الواقع لا يزال مفتوحاً على احتمالات متناقضة.

وفي المقابل، وعلى مستوى القراءة الأعمق للمشهد، يُنظر داخل إيران إلى هذه المرحلة على أنّها لحظة فرضت فيها طهران إيقاعها التفاوضي، حيث بدا أنّ واشنطن مضطرة للتعامل مع شروطٍ كانت ترفضها سابقاً، أو على الأقل تأجيل حسمها. هذا التحوّل لا يُعبّر بالضرورة عن رضوخٍ كامل، بقدر ما يعكس انتقالاً إلى توازنٍ جديد، تراجعت فيه القدرة على فرض الإملاءات الأحادية، لصالح معادلة أكثر تعقيداً تقوم على الأخذ والرد.

وفي موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل حالة القلق المتصاعدة لدى إسرائيل، التي تنظر إلى أي اتفاق أو هدنة بين واشنطن وطهران على أنّه قد يمنح إيران هامشاً أوسع للتحرّك، ويُعيد تثبيت موقعها الإقليمي. هذا القلق لا يرتبط فقط بالملف النووي، بل يتجاوز ذلك إلى خشية من تحوّل التهدئة إلى غطاء لإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة على حسابها.

فالهدنةُ المؤقتة تُخفّف منسوب التوتر، لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف القلق، لأنّها تُخفي خلفها صراعاً لم تُحلّ جذوره. طهران لا تتعامل مع المرحلة بوصفها تراجعاً، بل كفرصة لفرض شروطها ضمن أي مسار تفاوضي مقبل.

وفي هذا السياق، طرحت إيران ما يُشبه سلّة مطالب أو عشرة بنود أساسية، يمكن تلخيص أبرزها في الآتي:  
- تثبيت حقّها في تخصيب اليورانيوم دون قيود جوهرية  
- رفع تدريجي وشامل للعقوبات الاقتصادية  
- ضمانات بعدم الانسحاب من أي اتفاق مستقبلي  
- الاعتراف بدورها الإقليمي كقوة مؤثرة  
- وقف الضغوط العسكرية المباشرة وغير المباشرة  
- تحييد منشآتها الحيوية عن أي استهداف  
- تنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز بما يخدم سيادتها  
- الإفراج عن الأصول المالية المجمّدة  
- فتح قنوات تعاون اقتصادي دولي  
- تثبيت معادلة ردع متبادل تمنع أي اعتداء مستقبلي  

هذه البنود تعكس سقفاً تفاوضياً مرتفعاً، وتُظهر أنّ طهران تسعى إلى تحويل الهدنة إلى نقطة انطلاق نحو إعادة صياغة موقعها الإقليمي والدولي، لا مجرّد وقف مؤقت للعمليات.

في هذا المشهد، يتحوّل مضيق هرمز إلى محور الصراع غير المعلن. فهو لم يُغلق، لكنّه لم يَعُد آمناً بالكامل. وخلال فترة الهدنة، يصبح المؤشر الأكثر حساسية: أي توتر فيه قد يُنذر بانهيار التهدئة، وأي هدوء نسبي قد يُعطي إشارات حذرة نحو استمرار المسار السياسي.

على الأرض، يشهد التصعيد نمطاً مختلفاً: ضربات محدودة، تحرّكات مدروسة، واستعراضات قوة محسوبة بدقة. كل ذلك يجري ضمن سقفٍ يمنع الانزلاق إلى حربٍ شاملة، لكنه يُبقي المنطقة في حالة توتر دائم، خصوصاً مع مهلة زمنية قصيرة قد لا تكفي لتقريب وجهات النظر.

في العمق، لم يعد الصراع تقنياً أو موضعياً، بل أصبح صراعاً على النفوذ والدور. إيران تسعى إلى تثبيت نفسها كقوة لا يمكن تجاوزها، فيما تعمل واشنطن على إعادة ضبط التوازن بما يحفظ نفوذها ويمنع خصومها من تحقيق مكاسب كاملة.

أما لبنان، فيبقى الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فهو يتأثر بكل التحولات دون أن يمتلك أدوات التأثير. حزب الله قد يتحوّل إلى ورقة ضغط في لحظة تصعيد، أو يُترك في هامش التهدئة حين تقتضي التسويات ذلك، ما يضع البلاد في موقعٍ شديد الهشاشة.

وهنا يبرز سؤالٌ جوهري: هل تشمل هدنة الأيام الخمسة عشر الساحة اللبنانية؟  
الواقع أنّ هذه الهدنة، رغم تأثيرها الإقليمي، لا تُطبّق تلقائياً على جبهة لبنان. لكنها قد تنعكس بشكل غير مباشر عبر خفض مستوى التصعيد وضبط إيقاع المواجهة. ومع ذلك، يبقى احتمال بقاء التوتر المحدود قائماً، بل وحتى خطر التصعيد المنفصل، ما يجعل لبنان معلّقاً بين التهدئة المشروطة والانفجار المحتمل.

إنّ أخطر ما في هذه المرحلة ليس الحرب بحدّ ذاتها، بل الاعتياد على التوتر. وحين تتحوّل الهدن المؤقتة إلى فواصل زمنية بين جولات التصعيد، يصبح الاستقرار وهماً مؤجلاً.

لذلك، فإنّ المنطقة لا تتجه نحو تسوية نهائية في المدى القريب، بل نحو مرحلة طويلة من التوازن الهش، حيث تُدار الصراعات بدقة، وتُؤجَّل الانفجارات دون أن تُلغى أسبابها  امام هدنة الأيام الخمسة عشر، وتدخل باكستان فيها، فقد يكونان الفرصة الأخيرة لتأجيل الانفجار… لا منعه

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير