ليست الحروبُ دائماً ما تُعلنه بياناتُها الأولى، ولا تُختصرُ أهدافُها بما يُقال في بداياتها. ما نشهده اليوم في مسار المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهةٍ أخرى، يكشف بوضوحٍ أنَّ العنوانَ المُعلَن كان مجرّدَ مدخل، أمّا الحقيقةُ فبدأت تتكشّف تدريجياً مع مرور الوقت.
في البداية، رُفِع شعار “البرنامج النووي الإيراني”، تحت عنوانٍ يبدو مشروعاً في منطق السياسة الدولية، منعُ امتلاكِ سلاحٍ نووي. لكن، وبعد أسابيع من التصعيد، تبيّن أنَّ الحسمَ ليس بهذه السهولة، وأنَّ الضربات لا تُسقطُ مشروعاً متجذّراً، بل تُعيدُ تشكيله وتدفعُه إلى مزيدٍ من التكيّف.
وهنا، بدأ التحوّل، لم تعد المعركةُ معركةَ أجهزة طردٍ مركزي، ولا منشآتٍ نوويةٍ تحت الأرض، بل أصبحت معركةَ ممرّاتٍ مائية، وشرايينَ طاقة، وتوازناتٍ اقتصادية عالمية. ومع إدخال مضيق هرمز إلى قلب الصراع، تغيّر كلّ شيء.
ليس مضيق هرمز مجرّد ممرٍّ بحري، بل هو عقدةُ الاقتصاد العالمي. من خلاله يمرّ نحو خُمس النفط العالمي، وأيّ تهديدٍ له لا يُصيب دولةً بعينها، بل يُربكُ النظام الدولي بأسره. هنا تحديداً، تنقل إيران المواجهة من جغرافياها إلى جغرافيا العالم.
إنّها معادلة واضحة، إذا كانت الضغوط تهدف إلى خنقها، فإنّ الردّ سيكون عبر تهديد شريان الطاقة الذي يتغذّى منه خصومها وحلفاؤهم معاً.
هذا التحوّل ليس تفصيلاً، بل هو انتقالٌ من مستوى إلى آخر: من حربٍ “تقنية” على برنامجٍ نووي، إلى حربٍ “استراتيجية” على الاقتصاد العالمي. وبذلك، لم تعد الدول الكبرى تراقب من بعيد، بل أصبحت معنيّة مباشرة. فـالصين، بوصفها أكبر مستوردٍ للطاقة، لا يمكنها تجاهل تهديد هرمز، وكذلك الهند، فيما يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام معادلةٍ دقيقة بين الأمن والاستقرار الاقتصادي.
ما تقوله طهران، دون أن تُعلنه صراحةً، هو الآتي، لن تكون الحرب علينا فقط، بل على كلّ من يعتمد على استقرار هذا الممرّ. وهنا تكمن خطورة المرحلة. فحين تتحوّل أدوات الصراع إلى أدواتٍ تمسّ النظام العالمي، يصبح أيّ تصعيدٍ خارجاً عن السيطرة التقليدية.
نحن أمام ثلاثة احتمالات كبرى...
أولاً، تفاهمٌ اضطراري يُعيد ضبط الصراع ويمنع الانفجار الكبير، دون أن يُنهي جذوره.
ثانياً، استنزافٌ طويل تبقى فيه المنطقة على حافة الانفجار، مع استمرار الضغوط والردود المتبادلة.
ثالثاً، انفجارٌ واسع، في حال تمّ فعلاً تعطيل الملاحة في هرمز، ما قد يدفع القوى الكبرى إلى التدخل المباشر أو غير المباشر.
في خضمّ هذا المشهد، يبقى لبنان الأكثر هشاشة. فبلدٌ يعاني من انقسامٍ داخلي وأزمةٍ اقتصادية خانقة، يجد نفسه في قلب منطقةٍ تغلي، دون أن يمتلك قرار الحرب أو السلم. والخطر هنا لا يقتصر على تداعيات الأسعار أو الأمن، بل يتجاوز ذلك إلى احتمال تحوّله ساحةً إضافية لتصفية الحسابات.
لم تعد الحربُ على “إيران النووية”، بل على من يتحكّم بمفاتيح الاقتصاد العالمي. ومن يمتلك القدرة على التأثير في هرمز، يمتلك ورقةً تتجاوز حدود الجغرافيا لتصل إلى قلب النظام الدولي.
في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال من سيربح الحرب؟
بل من سيتحمّل كلفتها عندما تتجاوز الجميع؟










