لم يعد ما حدث مجرد خبر صادم، بل مشهدًا يُعيد إنتاج سؤالٍ قديم بصيغة أكثر وحشية: كيف يُدفع الإنسان إلى أن يختبئ في الموت بحثًا عن الحياة؟
رجالٌ يُعثر عليهم داخل شاحنة نفايات، لا لأنهم فقدوا الاتجاه، بل لأن الاتجاهات كلها أُغلقت في وجوههم. لم يختاروا القاع، بل دُفعوا إليه دفعًا، خطوة بعد خطوة، حتى صار الاختناق أقل قسوة من البقاء.
وهنا لا يمكن الهروب من ظلّ غسان كنفاني وروايته “رجال في الشمس”.
لكن المفارقة اليوم أكثر إيلامًا: لم يعد الرجال في خزان شاحنة ماء تحت شمس الصحراء… بل في شاحنة نفايات داخل عالمٍ أكثر ازدحامًا، وأكثر صمتًا، وأكثر تواطؤًا.
في تلك الرواية، كان السؤال يصرخ في النهاية:
“لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟”
أما اليوم، فالسؤال تغيّر لكنه لم يصبح ألطف:
كم جدارًا دُقّ قبل أن يُغلق الباب الأخير؟
وكم مرة حاول هؤلاء أن يصرخوا قبل أن يتحول الصوت نفسه إلى رفاهية؟
إدانة هؤلاء سهلة. لكن الأصعب هو النظر إلى الخلف قليلًا: إلى سلسلة طويلة من الإغلاق البطيء للحياة. بطالة لا تنتهي، وأجور لا تكفي، وواقع اقتصادي يضغط حتى يُعيد تعريف معنى الكرامة. لم يعد الإنسان يختار “الأفضل”، بل يختار “الأقل موتًا”.
وفي الخلفية، هناك فجوة لا تُحتمل: العمل خلف الحدود، رغم قسوته ومخاطره، يبقى بالنسبة لكثيرين الفرق بين أسرة تبقى واقفة، وأخرى تنهار بصمت. هنا لا يعود الحديث عن رفاه أو طموح، بل عن بقاءٍ يوميٍّ خالص.
لكن القصة لا تنتهي عند الاقتصاد. هناك أبواب أُغلقت بوعيٍ كامل: تصاريح معقدة، قيود حركة خانقة، ومسارات قانونية تُقدَّم نظريًا بينما تُمنع عمليًا. وحين يُغلق “الممر الشرعي” بهذا الشكل، لا يُترك للناس سوى الممرات المظلمة.
وفي هذه الظلال، تنمو شبكات التهريب. لا تصنع اليأس، لكنها تتغذى عليه. تبيع للناس ما يشبه الأمل، ثم تتركهم في منتصف الطريق، كما تُرك رجال كنفاني داخل الخزان—لكن هذه المرة بلا شمس واضحة، بل في اختناقٍ أبرد وأكثر صمتًا.
الفارق الحقيقي اليوم أن المأساة لم تعد تحتاج إلى صحراء أو حرارة قاتلة. يكفي أن يُحاصر الإنسان داخل واقع بلا منافذ، حتى يصبح أي “مخرج”—حتى لو كان داخل القمامة—أقرب إلى الحياة من البقاء.
وهنا يتردد صدى “رجال في الشمس” لكن بصيغة أكثر قسوة:
لم يعد السؤال فقط لماذا لم يطرقوا الجدران…
بل لماذا بُنيت الجدران أصلًا بهذا الشكل، حتى صار الطرق بلا معنى؟
هؤلاء الرجال الذين وُجدوا داخل شاحنة النفايات ليسوا قصة فردية، بل نتيجة مسار طويل من الانسداد. ليسوا خطأهم وحدهم، بل انعكاس عالمٍ ضيّق الخيارات حتى جعل المستحيل يبدو خيارًا منطقيًا.
وحين يصبح الاختباء في النفايات وسيلة لعبور الحياة، فنحن لا نواجه حادثة… بل انهيارًا في فكرة الحياة نفسها.
في النهاية، هذه ليست قصة رجال ضاعوا في الطريق. بل قصة طرقٍ أُغلقت عمدًا أو بصمت، حتى لم يعد هناك طريق أصلًا—تمامًا كما في “رجال في الشمس”، لكن دون حتى صحراء واضحة نلومها… فقط عالمٌ كاملٌ يُحكم إغلاقه ثم يتظاهر بالدهشة.
والسؤال الذي يبقى معلقًا ليس عنهم… بل عن كل نظامٍ يجعل من القاع خيارًا، ثم يسأل: لماذا اخترتموه؟










