قدّم الخبير الاستراتيجي د. محمد خليل مصلح قراءة تحليلية لأزمة مضيق هرمز منذ بدء تطبيق الحصار الأمريكي في 13 أبريل 2026، مشيراً إلى أن ما يجري يتجاوز كونه تصعيداً عسكرياً تقليدياً، ليتحول إلى نموذج مركّب من “الاستنزاف الآلي” و”الحرب اللامتناظرة المعكوسة”، حيث تلعب العوامل العشوائية دوراً بنيوياً في مسار الأحداث.
وأوضح أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حصار شامل على المضيق لم يتطابق مع التطبيق العسكري الفعلي، إذ حددت القيادة المركزية الأمريكية نطاقاً أضيق يستهدف السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية فقط. هذا التباين، وفق التحليل، يعكس هامش مناورة متعمداً من المؤسسة العسكرية الأمريكية لتقليل الكلفة القانونية والدبلوماسية.
وأشار إلى أن المضيق لم يُغلق فعلياً من قبل إيران، بل جرى إخضاعه لنظام عبور مدفوع الرسوم، ما يجعل الهدف الحقيقي للحصار الأمريكي هو تجفيف الموارد المالية الإيرانية. وقد انعكست هذه التطورات سريعاً على الاقتصاد العالمي، مع ارتفاع أسعار النفط وتزايد الضغوط التضخمية داخل الولايات المتحدة.
منطق الأطراف
في تحليله لمعادلة الصراع، وصف مصلح إيران بأنها “دولة إشعال”، تمتلك القدرة على رفع كلفة الهيمنة الأمريكية دون أن تكون قوة عظمى تقليدية. وأكد أن طهران تعتمد على مزيج من الصبر الاستراتيجي وأدوات الضغط غير المتكافئة، مثل الطائرات المسيّرة والألغام البحرية والضغط النفسي على الأسواق.
وبيّن أن هذا النهج لا يعني غياب الضغوط الداخلية، إذ يواجه الاقتصاد الإيراني تحديات حقيقية، لكن النظام السياسي طوّر قدرة على التكيّف مع العقوبات، ما يمنحه هامش مناورة أطول. في المقابل، حذّر من أن هذا الصبر ليس بلا حدود، وأن استمرار الأزمة قد يفرض قيوداً داخلية متزايدة.
أما على الجانب الأمريكي، فرأى أن ترامب يتحرك ضمن معادلة معقدة تجمع بين الحاجة إلى “انتصار إعلامي” وضغوط داخلية متصاعدة. وأوضح أن الرئيس الأمريكي يسعى إلى تحقيق صورة نجاح سياسي حتى دون إنجاز فعلي كامل، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الانتقادات من الداخل.
معضلة نتنياهو
تطرق التحليل إلى موقع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو داخل هذه المعادلة، مشيراً إلى أن سلوكه لا يمكن فهمه ضمن منطق استراتيجي تقليدي، بل من خلال اعتبارات البقاء السياسي. فاستمرار الحرب، وفق مصلح، يمثل بالنسبة له ضرورة وجودية لتأجيل أزماته الداخلية.
وأوضح أن نتنياهو يعمل على تصعيد الجبهات، خصوصاً في لبنان، بهدف تعقيد أي تسوية محتملة، ما يضعه في تعارض موضوعي مع المسار التفاوضي الذي تسعى إليه واشنطن. هذه الاستراتيجية، رغم أنها تخدم بقاءه السياسي، تضيق في الوقت ذاته هامش المناورة أمام الإدارة الأمريكية.
وأشار إلى مفارقة لافتة تتمثل في أن نجاح نتنياهو في توسيع دائرة التصعيد قد يعرقل قدرة حليفه الأمريكي على الوصول إلى صفقة، ما يخلق تناقضاً داخل معسكر واحد. كما طرح احتمال أن يكون هذا “التصعيد الإسرائيلي” جزءاً من أدوات الضغط الأمريكية، وليس خروجاً عنها.
آليات التفاوض
يرى مصلح أن المفاوضات الجارية تخضع لمنطق “رفع السقف لتثبيت الأرضية”، حيث تطرح إيران مطالب كبرى لا بهدف تحقيقها بالكامل، بل لرفع مستوى التنازلات الممكنة. ومن بين هذه المطالب، السيطرة على مضيق هرمز والتعويضات والاعتراف بالدور الإقليمي.
وأوضح أن الهدف الحقيقي لهذه المطالب هو تحقيق اعتراف ضمني بإيران كقوة إقليمية، وتحويل موقعها من متهم إلى طرف تفاوضي ندّي. كما أشار إلى أن الزمن يُستخدم كسلاح تفاوضي، حيث تسعى طهران إلى إطالة أمد التفاوض لزيادة الضغط على واشنطن.
وفي هذا السياق، لفت إلى مفهوم “الاستنزاف الدبلوماسي”، الذي يقوم على إنهاك الخصم نفسياً وسياسياً عبر المماطلة المدروسة. هذا النهج، وفق التحليل، يتقاطع مع الضغوط الاقتصادية داخل الولايات المتحدة وتباينات المواقف داخل التحالف الغربي.
مضيق هرمز والاستنزاف البحري
تناول التحليل التهديدات الإيرانية باستخدام ما وصفه بـ”الدوامات المميتة” في مضيق هرمز، معتبراً أنها تمثل نموذجاً متقدماً للحرب غير المتكافئة. هذه المنظومة تجمع بين الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة والألغام الذكية ضمن بنية استنزاف منخفضة الكلفة.
وأوضح أن الهدف من هذه الاستراتيجية ليس تدمير الأسطول الأمريكي بشكل مباشر، بل خلق بيئة ضغط نفسي دائم ترفع كلفة العمليات البحرية. ويكفي، بحسب التحليل، التهديد باستخدام هذه الأدوات لتحقيق تأثير اقتصادي عبر رفع تكاليف التأمين البحري.
وأشار إلى أن هذا النوع من الحروب يعكس تحولاً في طبيعة الصراع، حيث لم تعد المواجهة تعتمد على الحسم العسكري المباشر، بل على القدرة على إطالة أمد الاستنزاف وإدارة التوتر.
السيناريوهات المحتملة
طرح مصلح ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الأزمة، أولها “تجميد متفاوض عليه” يُعد الأكثر ترجيحاً، حيث يستمر الحصار لفترة محدودة قبل التوصل إلى اتفاق إطار يسمح لكل طرف بإعلان مكاسب نسبية. هذا السيناريو يوازن بين حاجة واشنطن للإنجاز السياسي وحاجة طهران للتخفيف الاقتصادي.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في “تصعيد غير مقصود”، قد ينجم عن حادثة عسكرية مفاجئة تؤدي إلى انفجار واسع. وأكد أن العوامل العشوائية في بيئة مشحونة كهذه قد تكون أكثر تأثيراً من القرارات السياسية المدروسة.
في حين يتمثل السيناريو الثالث في “انسحاب أمريكي مبكر” نتيجة الضغوط الداخلية، وهو احتمال يرى التحليل أنه أعلى مما يُعلن، نظراً لتأثير الاقتصاد وأسعار الطاقة على القرار السياسي في واشنطن.
تحولات الردع
اختتم مصلح تحليله بطرح إطار نظري جديد سماه “ردع الضعفاء”، في مقابل نموذج “توازن الرعب” التقليدي. ويقوم هذا المفهوم على قدرة الطرف الأضعف على فرض كلفة مستمرة على الطرف الأقوى، دون الحاجة إلى تحقيق تدمير شامل.
وأوضح أن هذا النموذج يعكس تحولات عميقة في طبيعة النظام الدولي، حيث لم تعد الهيمنة العسكرية المباشرة كافية لضمان السيطرة. بل أصبح بالإمكان تحدي القوى الكبرى عبر استراتيجيات استنزاف طويلة الأمد.
وأشار إلى أن ما يجري في مضيق هرمز قد يمثل بداية اختبار عملي لهذا النموذج، في لحظة مفصلية قد تعيد تعريف قواعد الصراع في المنطقة، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوازنات غير التقليدية.









