19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

تحالف المستحيل بين أنقرة وتل أبيب: حدود الواقعية حين تصطدم بالجغرافيا السياسية

قال د. بكير أتاجان إن الطروحات المتجددة حول إمكانية تقارب أو تنسيق استراتيجي بين أنقرة وتل أبيب تعكس تحولات إقليمية تتقدم فيها المصالح على الشعارات، لكنها تصطدم بواقع أكثر صلابة.

بقلم: عمرو المصري
٢١ أبريل ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
20 مشاهدة
خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي، اعتبر توم باراك أن تخفيف التوتر بين الطرفين—وربما تقاربهما—قد يشكّل مدخلاً لاستقرار إقليمي أوسع

خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي، اعتبر توم باراك أن تخفيف التوتر بين الطرفين—وربما تقاربهما—قد يشكّل مدخلاً لاستقرار إقليمي أوسع

قال الباحث التركي في شؤون الشرق الأوسط الدكتور بكير أتاجان إن الطروحات المتجددة حول إمكانية تقارب أو تنسيق استراتيجي بين أنقرة وتل أبيب تعكس تحولات إقليمية تتقدم فيها المصالح على الشعارات، لكنها تصطدم بواقع أكثر صلابة يتمثل في تناقض بنيوي عميق يحكم العلاقة بين الطرفين.

وأوضح أتاجان، في تصريحات لـ،"180 تحقيقات"، أن هذا الطرح عاد إلى الواجهة خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي، اعتبر السفير الأمريكي لدى أنقرة والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم باراك، أن تخفيف التوتر بين الطرفين—وربما تقاربهما—قد يشكّل مدخلاً لاستقرار إقليمي أوسع، غير أن هذا التصور يتجاهل جذور الصراع المركّبة.

وأشار إلى أن الخلاف بين تركيا وإسرائيل لا يمكن اختزاله في أزمة سياسية عابرة، بل يمتد إلى مستويات أمنية وميدانية وسياسية واستراتيجية متداخلة، تجعل من أي تقارب حقيقي أمراً بالغ التعقيد، خاصة في ظل تضارب المصالح في ملفات حساسة مثل سوريا وغزة وشرق المتوسط.

أنقرة وتل أبيب.. صراع متعدد المستويات

وبيّن أتاجان أن البعد الأمني للصراع يتمثل في تحرك تركيا كقوة إقليمية ذات عمق جيوسياسي واسع، في مقابل رؤية إسرائيل لأي تمدد منافس باعتباره تهديداً يجب احتواؤه. وأضاف أن هذا التباين ينعكس ميدانياً في الساحة السورية، حيث تعمل كل دولة ضمن ترتيبات أمنية متعارضة، خصوصاً في الشمال السوري.

وفي السياق السياسي، لفت إلى أن ملف غزة يمثل نقطة اشتباك دائمة يصعب احتواؤها براغماتياً، نظراً لارتباطه بالشرعية والخطاب السياسي للطرفين، بينما يتجلى الصراع الاستراتيجي بوضوح في شرق المتوسط، حيث تتقاطع مصالح الطاقة والنفوذ البحري ضمن معادلة أقرب إلى “اللعبة الصفرية” منها إلى التسويات.

معركة الإدراك السياسي

وأوضح أن الصراع لا يقتصر على الأرض، بل يمتد إلى ما وصفه بـ“الخرائط الذهنية”، حيث تُصوَّر تركيا داخل إسرائيل كقوة ذات نزعة توسعية، فيما تُقدَّم إسرائيل في الخطاب التركي كفاعل يسعى لتطويق النفوذ الإقليمي. واعتبر أن هذه السرديات لا تخلق الصراع بقدر ما تعيد إنتاجه وتضخّمه، ما يجعل أي تقارب محتمل مكلفاً داخلياً قبل أن يكون معقداً خارجياً.

وأضاف أن هذا البعد الإدراكي يُشكّل أحد أبرز العوائق أمام بناء ثقة متبادلة، إذ تتحول الصورة الذهنية إلى عامل ضغط على صناع القرار، يقيّد هامش المناورة السياسية ويُبقي العلاقة ضمن دائرة التوتر المُدار.

الإدارة الأمريكية للتناقض

وأشار أتاجان إلى أن المقاربة الأمريكية لا تستهدف إقامة تحالف حقيقي بين الطرفين، بل تسعى إلى إدارة التناقض بينهما ومنع تحوله إلى صدام مفتوح. وأوضح أن واشنطن تعمل على احتواء الخلاف ضمن قنوات يمكن التحكم بها، بما يحافظ على توازن إقليمي يمنع الانفجار دون أن يفرض شراكة قسرية.

WhatsApp Image 2026-04-21 at 7.46.47 PM.jpeg


 

وأكد أن هذا التوجه يعكس واقعية سياسية في إدارة الأزمات، لكنه في الوقت ذاته يعكس محدودية القدرة على إعادة تشكيل التحالفات في المنطقة، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك المصالح.

حدود الواقعية السياسية

وشدد على أن إمكانية تجاوز التوتر بين أنقرة وتل أبيب تبقى محصورة في حدود تكتيكية ضيقة، ولا يمكن ترجمتها إلى شراكة استراتيجية مستدامة. كما اعتبر أن الحديث عن إعادة تشكيل التحالفات في المنطقة لا يعني بالضرورة نشوء محور تركي–إسرائيلي، بل يعكس تحولات أوسع في بنية التوازنات الإقليمية.

وأضاف أن ملفات مثل سوريا وغزة تظل العائق الأكثر صلابة أمام أي تقارب، في حين يمثل شرق المتوسط عقدة الصراع الأساسية، وليس مفتاح الحل كما يُروَّج أحياناً.

معادلة التنافس المُدار

واختتم الباحث تحليله بالتأكيد على أن المعادلة الواقعية التي تحكم العلاقة بين تركيا وإسرائيل ليست “تحالفاً أو قطيعة”، بل “تنافساً مُداراً ضمن سقف محسوب”، يهدف إلى منع الانفجار دون إنهاء جذور الصراع. وأوضح أن الرهان على شراكة استراتيجية بين الطرفين يبقى تصوراً نظرياً يصطدم ببنية الصراع ذاتها، التي تقوم على تعارض عميق في المصالح والرؤى.

وبيّن أن المستفيد من استمرار هذا التوتر هو كل طرف يفضل بقاء التوازنات الإقليمية في حالة ضعف نسبي، بينما تظل إيران أحد الأطراف التي تتأثر مباشرة بمستوى هذا التوتر، إذ يشكل أي تقارب تهديداً لها، في حين يمنحها استمرار الخلاف هامشاً أوسع للحركة.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

تحالف المستحيل بين أنقرة وتل أبيب: حدود الواقعية حين تصطدم بالجغرافيا السياسية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°