قالت رنا هديب، المحامية والباحثة القانونية ومدير الدائرة القانونية في الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، إن إسرائيل تسعى عبر إقرار قانون إعدام الأسرى لترسيخ وصف الإرهاب على الفعل النضالي الفلسطيني. وأضافت أن إقرار القانون يعد نسفا مباشرا وجوهريا لمنظومة الحماية الدولية وذلك لعدة أسباب.
وأوضحت "هديب"، في حوار مع "180 تحقيقات"، أن هذا القانون هو يفتح الباب قانونياً وسياسياً لتنفيذ إعدامات واسعة النطاق، من خلال أولاً توسيع التعريفات لأنه غالباً هذه القوانين تصاغ بعبارات فضفاضة، وتدرج أنشطة كثيرة تحت بند الإرهاب وهو ما يجعل مئات الأسرى عرضة لهذا الحكم.
وأكدت "هديب" أن ملف الأسرى هو عصب المجتمع الفلسطيني وتأثيره يتجاوز سجون الاحتلال. وأشارت إلى أن الأطفال في سجون الاحتلال الإسرائيلي لا يتم استثنائهم للأسف من الأنماط العاملة التنكيل، بل إنهم يتعرضون لانتهاكات خاصة.
بعد إقرار قانون إعدام الأسرى، هل ينسف هذا القانون بشكل مباشر منظومة الحماية التي وفرتها اتفاقيات جنيف للأسرى؟ وكيف؟
يعتبر إقرار قانون إعدام الأسرى نسف مباشر وجوهري لمنظومة الحماية الدولية وذلك لعدة أسباب. أولاً فيما يخص اتفاقية جينف الثالثة، وتحديداً النقطة 13 التي تلزم الدولة الحاجزة بمعاملة الأسرى معاملة إنسانية، وتحظر أي فعل يسبب موتهم أو يعرض صحتهم للخطر الشديد، وهذا يتنافى مع قانون إعدام الأسرى.
كما أن المادة الثالثة المشتركة والتي تحظر صراحة إصدار الأحكام وتنفيذ عقوبات بدون وجود محاكمة سابقة، تشكلت هذه المحاكمة بشكل قانوني وكان فيها كفالة لجميع الضمانات القضائية. وهذا أيضاً يتنافى مع قانون إعدام الأسرى الذي لا يوجد فيه أي ضمانات كافية أو أي ضمانات قضائية عادلة.
اقرأ أيضا: الأسير المحرر عماد الإفرنجي: كنت في قبر للأحياء.. وعيون طفلي كانت سلاحي في مواجهة السجن
كما أن قانون إعدام الأسرى يسعى لتحويل الأسرة من مقاتلين شرعيين أو أشخاص محميين لمجرمين جنائيين، يعني جماعة إرهابية، وهو ما ينفي عنهم صفة الحماية التي أقرتها الاتفاقيات الدولية كحقوق غير قابلة للتصرف.
إلى أي مدى يفتح هذا القانون الباب لتنفيذ إعدامات جماعية مستقبلًا؟
هذا القانون يفتح الباب قانونياً وسياسياً لتنفيذ إعدامات واسعة النطاق، من خلال أولاً توسيع التعريفات لأنه غالباً هذه القوانين تصاغ بعبارات فضفاضة، وتدرج أنشطة كثيرة تحت بند الإرهاب وهو ما يجعل مئات الأسرى عرضة لهذا الحكم.
كما أنه عندما يصبح الإعدام سياسة دولة مشرعنة -كما في قانون إعدام الأسرى- وسياسة للاحتلال الإسرائيلي، فهو يتحول من عقوبة قضائية استثنائية إلى أداة تصفية سياسية، وهذا طبعاً يمهد الطريق لتنفيذ أحكام جماعية بناء على انتماءات تنظيمية أو المشاركة في أعمال مقاومة. وهذا يفتح المجال أمام الاحتلال الإسرائيلي ويفتح باب المراوغة من قبل الاحتلال الإسرائيلي لتنفيذ إعدامات أكثر.
إذا تم تنفيذ أول حكم إعدام، كيف سيغير ذلك قواعد الاشتباك سياسيًا وقانونيًا؟
إسرائيل تسعى عبر إقرار قانون إعدام الأسرى لترسيخ وصف الإرهاب على الفعل النضالي الفلسطيني. وبذلك، قانونياً إذا نفذ هذا الإعدام فإن إسرائيل تضرب بعرض الحائط كافة القوانين الدولية والبروتوكول الذي يعترف بحركات التحرر الوطني ويمنح مقاتلها صفة أسير الحرب.
وبالتالي، النتيجة أن ذلك سيؤدي إلى انفجار قانوني في المحافل الدولية. السلطة الوطنية الفلسطينية والمنظمات الحقوقية ستجبر حينها على نقل الملف من مطالبة بتحسين ظروف الأسر إلى المطالبة بحماية دولية عاجلة تحت بند الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
اقرأ أيضا: ياسمين قاسم: قانون إعدام الأسرى جريمة حرب مقننة.. والاحتلال اعتقل مليون فلسطيني منذ 1967
أما بالنسبة سياسياً وميدانياً، فقواعد الاشتباك داخل السجون سوف تتغير. هي قائمة حالياً على توازن ما بين الحركة الأسيرة وإدارة السجون، وقائمة على الإضرابات عن الطعام والاحتجاجات السلمية.
وبالتالي تنفيذ أول إعدام سيعني ذلك انتهاء عصر الهدوء الاحتجاجي. ستنتقل الحركة الأسيرة من إضرابات عن الطعام واحتجاجات سلمية إلى مواجهة مباشرة ومفتوحة، لأن الأسير حينها سيشعر أنه لم يعد لديه ما يخسره.
أما بالنسبة سياسياً، فدولة الاحتلال تعتمد غالباً على وسطاء مثل مصر وقطر لإدارة ملفات التبادل والهدوء. وتنفيذ أول إعدام للأسرى باعتقادي سيؤدي لإنهيار أي فرص للتفاوض أو صفقات للتبادل. وهذا سيضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع حلفائها الذين يخشون من أن تؤدي هذه الخطوة إلى فوضى شاملة في المنطقة لا يمكن احتوائها.
كيف يتم التعامل مع شهادات الأسرى في ظل الخوف من الانتقام أو منعهم من الحديث؟
التعامل مع شهادات الأسرى في ظل إرهاب دولة منظم كما إسرائيل، يواجه عوائق قانونية ضخمة. وهذا طبعاً هو سابق لإقرار قانون إعدام الأسرى، فما بالك اليوم بعد إقرار هذا القانون؟ أي شهادة تأخذ تحت تهديد الإعدام أو تحت التعذيب هي بالتأكيد باطلة قانوناً بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب.
كذلك المنظمات الدولية مثل الصليب الأحمر تعتمد على مقابلات انفرادية، لكن في ظل القوانين القمعية مثل قوانين إسرائيل، فعادة يتم منع هذه الزيارات أو مراقبتها، وهذا يجعل الصمت وسيلة وحيدة للبقاء. وطبعاً بهذه الحالة المجتمع الدولي يفقد أدوات الرقابة.
ما أوضاع الأطفال الأسرى داخل السجون، وهل يتعرضون لنفس أنماط التعذيب؟
الأطفال في السجون الاحتلال الإسرائيلي لا يتم استثنائهم للأسف من الأنماط العاملة التنكيل، إنما حتى يتعرضون لانتهاكات خاصة. نتحدث عن تعذيب نفسي، وعزل الأطفال عن ذويهم، واستخدام التهديد بالاعتقال الإداري الطويل.
كما يتعرض الأطفال لتعذيب جسدي بنفس أساليب التحقيق التي يتعرض لها الكبار، مثل الضرب، والحرمان من النوم، وهذا يخالف اتفاقية حقوق الطفل التي تؤكد أن اعتقال أطفال يجب أن يكون هو الملاذ الأخير ولأقصر فترة ممكنة.
كما يتم دائماً حرمانهم من حقوقهم الأساسية من النمو والتطور الطبيعي وهذا بطبيعة الحال يترك آثار مستديمة على الطفل.
كيف يؤثر ملف الأسرى على المجتمع الفلسطيني ككل، خاصة عائلات الأسرى؟
ملف الأسرى هو عصب المجتمع الفلسطيني وتأثيره يتجاوز سجون الاحتلال. نتحدث عن عائلات للأسرى تعيش حالة من الانتظار المعلق والقلق الدائم، بالإضافة طبعاً إلى الأعباء النفسية والمادية والمالية المتراكمة على هذه العائلات من مصاريف بالنسبة للمحاميين أو حتى مصاريف شخصية لهؤلاء الأسرى (كانتين وإلى آخره). طبعاً هذا في حال وافقت إدارة السجون على زيارة أهالي الأسرة لهؤلاء الأسرى.
وغالباً ما يتم ربط اعتقال الأسير بعقوبات جماعية تفرض على عائلة هذا الأسير، مثل هدم منزل عائلته أو حتى سحب تصريح العمل. بالتالي، هذا يجعل المجتمع ككل هو رهينة لسياسات السجن.
ما أخطر ما يواجهه الأسرى اليوم: السجن نفسه أم ما يجري داخله؟
من الناحية القانونية والإنسانية، ما يجري داخل السجن من سياسات ومنهجات طبعاً هو الأخطر. فالسجن بحد ذاته هو سلب للحرية. أما إذا ما تحدثنا عن ما بداخل هذا السجن فهو عقوبة جسدية ونفسية مستمرة. نتحدث عن إهمال طبي متعمد، وعزل انفرادي طويل، وحرمان من التواصل البشري.
إن الخطورة تكمن في تحويل السجن من مكان احتجاز إلى مختبر للتنكيل يهدف إلى تحطيم إرادة الإنسان وليس فقط تقييد حركته. وبالتالي، السجن وما بداخله مرتبطان ببعضهم البعض، والإثنان كما تحدثنا يهدفان إلى تحطيم إرادة الإنسان وإرادة الأسير بشكل عام والفلسطيني.










