بدأ رئيس الوزراء العراقي المكلف علي فالح الزيدي، صباح يوم الأربعاء الموافق 29 أبريل 2026، أولى تحركاته الرسمية المكثفة لحشد الدعم السياسي لحكومته المرتقبة، وذلك في إطار مساعيه المعلنة لتجاوز العقبات التي تعترض طريق تشكيل الوزارة الجديدة.
وأجرى الزيدي، في خطوة تعكس إدراكه المبكر لحجم التحديات، لقاءات انفرادية مع ثلاثة من أبرز القادة السياسيين الشيعة في البلاد، وهم رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، والأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري، ورئيس تيار الحكمة الوطني عمار الحكيم، وذلك وفقاً لثلاثة بيانات رسمية صدرت عن مكتب رئيس الوزراء العراقي.
وجاءت هذه اللقاءات الثلاثة بعد يومين فقط من تكليف الرئيس العراقي نزار آميدي، يوم الاثنين الماضي، للزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة، عقب توافق "الإطار التنسيقي" (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) على ترشيحه بالإجماع لمنصب رئيس الوزراء.
ويسعى الزيدي، عبر هذه المشاورات العاجلة التي أجراها مع قادة الإطار، إلى تأمين 61 صوتاً برلمانياً أولياً تمثل ما نسبته 37 بالمئة من النصاب القانوني المطلوب لنيل ثقة مجلس النواب والذي يبلغ 165 صوتاً من أصل 329 مقعداً. ويأمل الزيدي أن تشكل هذه الأصوات نواة صلبة يمكنه البناء عليها لكسب أصوات القوى السنية والكردية والمستقلة للوصول إلى النصاب المطلوب في جلسة التصويت على الحكومة.
من المالكي إلى الحكيم في جولة عاجلة
في لقائه مع نوري المالكي، رئيس ائتلاف دولة القانون الذي يمتلك 29 مقعداً برلمانياً، شدد رئيس الوزراء المكلف على "ضرورة تضافر جهود كل القوى السياسية للإسراع في تشكيل حكومة وطنية تلبي تطلعات العراقيين في عموم البلد"، وفقاً لما نقلته بيانات مكتبه الرسمي.
ويُعد ائتلاف دولة القانون، بزعامة المالكي الذي شغل منصب رئيس الوزراء لفترتين متتاليتين بين عامي 2006 و2014، ركيزة أساسية في هذه المشاورات، إذ يحتل المرتبة الثانية داخل مظلة "الإطار التنسيقي" من حيث الثقل الانتخابي، خلف "ائتلاف إعمار وتنمية" الذي يتصدر المشهد بـ 46 مقعداً وهو التحالف الذي يقوده رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني.
وتوجه الزيدي بعد هذا اللقاء إلى هادي العامري، الأمين العام لمنظمة بدر، الذي يمتلك تحالفه 18 مقعداً برلمانياً، حيث بحث الجانبان وفق البيان الرسمي "أهمية تعزيز عمل جميع القوى السياسية والسعي الحثيث لتشكيل حكومة وطنية".
وتعد منظمة بدر، بزعامة العامري القيادي البارز في الحشد الشعبي، وزناً ترجيحيماً مهماً في المعادلة السياسية العراقية، ليس فقط بسبب مقاعدها البرلمانية ولكن أيضاً بسبب ثقلها العسكري والشعبي في الشارع العراقي. وتشير المصادر إلى أن العامري أبدى دعمه المبدئي للزيدي، لكنه طلب ضمانات حول تمثيل قوى المقاومة في الحكومة الجديدة والحفاظ على مكتسبات الحشد في المناطق المحررة.
أما اللقاء الثالث، فجمع الزيدي بعمار الحكيم، رئيس تيار الحكمة الوطني الذي يشغل 14 مقعداً في البرلمان الحالي، حيث ناقش الجانبان "ضرورة تكثيف جميع القوى السياسية لجهودها من أجل سرعة تشكيل حكومة وطنية تعمل على تلبية متطلبات العراقيين في مختلف مناطق العراق".
ويعرف عن الحكيم أنه من القادة السياسيين الأكثر انفتاحاً على العلاقات الإقليمية والدولية، وهو ما قد يسهل مهمة الزيدي في الحصول على دعم دولي لحكومته خاصة من دول الخليج. ويضيف الحكيم بوزنه السياسي المعتدل توازناً للائتلاف الحكومي الذي قد يضم أطرافاً ذات توجهات أكثر تشدداً، مما يسهل على الزيدي تمرير أجندته في البرلمان.
الإطار التنسيقي: 193 مقعداً خلف مرشح واحد
يُعد "الإطار التنسيقي" المظلة السياسية الجامعة للقوى الشيعية الرئيسية في العراق، باستثناء التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، وقد تأسس عقب انتخابات عام 2021 بهدف ضمان التوازن السياسي ومنع انفراد أي طرف بالقرار الوطني.
ويضم الإطار في عضويته ائتلافات وازنة ذات ثقل برلماني وشعبي كبير، يتصدرها "ائتلاف دولة القانون" بزعامة نوري المالكي (29 مقعداً)، و"تحالف الفتح" بزعامة هادي العامري (18 مقعداً)، إلى جانب "قوى الدولة" برئاسة عمار الحكيم (14 مقعداً)، و"ائتلاف إعمار وتنمية" بزعامة رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني (46 مقعداً). ويبلغ مجموع مقاعد الإطار التنسيقي 46 + 29 + 18 + 14 = 107 مقعداً، مع إضافة مقاعد أحزاب وقوى شيعية أصغر داخل الإطار ليصبح المجموع الكلي حوالي 193 مقعداً من أصل 329 في البرلمان العراقي.
وبهذا الثقل البرلماني، يستطيع الإطار التنسيقي لوحده تحقيق النصاب اللازم لتمرير الحكومة الجديدة (165 مقعداً)، شريطة أن يصوت جميع أعضائه لصالح الحكومة في جلسة التصويت العامة. لكن الواقع السياسي أكثر تعقيداً من هذه الحسابات العددية البسيطة، فهناك خلافات داخلية حول توزيع الحقائب الوزارية، وخصوصاً وزارات النفط والداخلية والدفاع والمالية.
كما أن بعض القوى داخل الإطار تريد الاحتفاظ بوزرائها الحاليين، بينما تطالب قوى أخرى بتغيير جذري في التشكيلة الوزارية، وهو ما جعل مهمة الزيدي أصعب مما تبدو عليه في الأرقام. ورغم هذه الخلافات، فإن البيان الصادر عن الإطار التنسيقي بحق التكليف كان واضحاً في تأييده للزيدي، وهو ما يمنحه غطاءً سياسياً واسعاً للتشاور مع بقية الكتل البرلمانية خارج الإطار.
مباركة واشنطن في خطوة محسوبة
في تطور لافت وله دلالات واضحة على الدور الأمريكي المستمر في الشأن العراقي، أعلنت الولايات المتحدة، مساء الأربعاء، دعمها العلني لرئيس الوزراء العراقي المكلف علي فالح الزيدي، داعية في بيان رسمي إلى صون سيادة العراق وتعزيز أمنه واستقراره.
وكتبت سفارة واشنطن لدى بغداد، عبر منصة "إكس" (تويتر سابقاً)، رسالة باردة المضمون حملت "أطيب التمنيات إلى رئيس الوزراء المكلّف علي الزيدي، في مساعيه لتشكيل حكومة قادرة على تحقيق تطلعات جميع العراقيين لدعم مستقبل أكثر إشراقاً وسلاماً".
وأضافت السفارة في بيانها: "نُعلن تضامننا مع الشعب العراقي الساعي إلى تحقيق الأهداف المشتركة المتمثلة في صون سيادة العراق، وتعزيز الأمن لدحر الإرهاب، وبناء مستقبل مزدهر يحقق فوائد ملموسة للأمريكيين والعراقيين".
ويقرأ المراقبون السياسيون هذا الدعم الأمريكي العلني كرسالة مزدوجة المعنى، أولها رسالة طمأنة للقوى السياسية العراقية (وخصوصاً السنية والكردية) بأن الزيدي شخص مقبول من قبل الإدارة الأمريكية، مما قد يسهل مهمته في كسب تأييدها.
أما الرسالة الثانية، فهي تحذير غير مباشر للإطار التنسيقي من أن واشنطن تراقب عن كثب مسار تشكيل الحكومة، ولن تسمح بتهميش دور القوى السنية والكردية أو تجاوز التوافقات الوطنية.
واللافت في بيان السفارة الأمريكية أنه لم يذكر كلمة "إيران" أو "المقاومة" أو "الحشد الشعبي"، في إشارة إلى أن واشنطن تحاول تجنب أي مواجهة مباشرة مع طهران في بغداد، لكنها في المقابل تؤكد على ضرورة احترام "السيادة العراقية" التي تعتبرها إيران وأذرعها في العراق أداة لمواجهة النفوذ الأمريكي.
ويتساءل المحللون عن سرعة الموقف الأمريكي هذا، الذي جاء بعد أقل من 48 ساعة من تكليف الزيدي، وهو ما يعني أن واشنطن كانت على علم مسبق بالترشيح وأنه تم بالتنسيق مع أطراف إقليمية ودولية. وتشير المصادر إلى أن الزيدي، الذي كان يشغل منصب محافظ البنك المركزي العراقي قبل تكليفه، يحظى بعلاقات جيدة مع المؤسسات المالية الدولية ومع واشنطن، وهو ما يجعله مريحاً للولايات المتحدة في ملفات الاقتصاد ومكافحة الفساد.
لكن في المقابل، لم يصدر حتى الآن أي بيان دعم إيراني رسمي للزيدي، مما قد يشير إلى أن طهران تتحفظ على شخصه أو تسعى للحصول على تنازلات قبل إعلان دعمها العلني، وهو ما قد يشكل عقبة أمام الزيدي الذي يحتاج إلى دعم قوى الإطار التنسيقي المقربة من إيران.
نظام المحاصصة بين القوى الثلاث
وفقاً للنظام السياسي العراقي القائم على المحاصصة الطائفية والقومية، فإن منصب رئيس الجمهورية هو من حصة المكون الكردي، ويتولاه حالياً نزار آميدي، وهو شخصية كردية معروفة بتوازنها بين الحزبين الكرديين الرئيسيين (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني).
أما منصب رئيس الوزراء، فهو من حصة المكون الشيعي، ويتسابق عليه حالياً علي فالح الزيدي بعد توافق الإطار التنسيقي عليه. وأخيراً، منصب رئيس مجلس النواب هو من حصة المكون السني، ويشغله هيبت الحلبوسي منذ سنوات، وهو قائد تحالف السيادة الذي يعد أكبر كتلة سنية في البرلمان.
هذا التوازن الدقيق بين القوى الثلاث يعكس طبيعة النظام العراقي الهش بعد عام 2003، حيث لا يمكن لأي مكون بمفرده تشكيل حكومة دون موافقة الآخرين، وهو ما يجعل عملية تشكيل الحكومة معقدة وطويلة في معظم الأحيان.
ويحتاج الزيدي، بصفته مرشح الشيعة، إلى دعم الأكراد والسنة لتأمين 165 صوتاً، وهو ما يدفعه إلى تقديم تنازلات سياسية ووزارية لهم في مقابل أصواتهم. وأبرز هذه التنازلات تتعلق بمنصب وزير النفط الذي تطمح به القوى الكردية، ومنصب وزير الدفاع الذي تطمح به القوى السنية، وهما حقيبتان سياديتان لا يمكن تمرير حكومة بدونهما.
بين المطرقة الأمريكية والسندان الإيراني
يواجه رئيس الوزراء المكلف علي فالح الزيدي مجموعة من التحديات الجسيمة التي قد تعرقل مساعيه لتشكيل الحكومة في الوقت المناسب، أولها الخلافات الداخلية داخل الإطار التنسيقي نفسه حول توزيع الحقائب الوزارية. فائتلاف "إعمار وتنمية" بزعامة السوداني يريد أن يبقي على أغلب وزرائه الحاليين، بينما تطالب قوى أخرى مثل "دولة القانون" بزعامة المالكي بحصة أكبر في الحكومة الجديدة.
ثاني هذه التحديات هو الموقف الإيراني المتوقع، فطهران لديها خطوط حمراء معروفة بشأن السياسات العراقية، وخصوصاً فيما يتعلق بعلاقات بغداد مع أمريكا والحفاظ على مكتسبات المقاومة والحشد الشعبي. ثالثاً، الضغوط الأمريكية التي قد تدفع الزيدي إلى تبني سياسات اقتصادية تخدم المصالح الأمريكية على حساب المصالح الوطنية العراقية.
أما التحدي الرابع والأهم فهو الحاجة الملحة إلى معالجة الأزمات الاقتصادية والخدمية المتفاقمة في العراق، والتي أدت إلى احتجاجات شعبية متكررة خلال السنوات الأخيرة. فالعراق يعاني من بطالة مرتفعة إلى 15 بالمئة، وفساد مستشري في مفاصل الدولة، وانهيار في الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والصرف الصحي.
وإذا فشل الزيدي في تشكيل حكومة قادرة على معالجة هذه الملفات بسرعة، فقد يواجه موجة غضب شعبي جديدة تعيد إنتاج سيناريو احتجاجات تشرين 2019 التي أودت بحياة المئات وأطاحت بحكومة عادل عبد المهدي. ويبقى التحدي الأكبر هو القدرة على إرضاء جميع القوى السياسية مع الحفاظ على تماسك الحكومة وقدرتها على العمل، وهو ما قد يدفع الزيدي إلى تشكيل حكومة من 30 وزيراً أو أكثر، وهو رقم سيزيد من أعباء الدولة ويقلل من كفاءة العمل الحكومي.
سباق محفوف بالمخاطر
في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق، يقف علي فالح الزيدي على أبواب تحدي تشكيل حكومة جديدة في بلد يعاني من تداعيات حرب إقليمية وإرث سياسي واقتصادي مثقل بالفساد والديون.
وبينما يحظى الزيدي بدعم أمريكي يريده البعض بطاقة عبور نحو بر الأمان، فإنه في المقابل يحتاج إلى استرضاء القوى القريبة من إيران التي تريد الحفاظ على مكتسباتها داخل الدولة العراقية. ومع تحصيل 61 صوتاً أولياً من أصل 165، لا يزال أمام الزيدي طريق طويل ومليء بالعقبات، أبرزها توزيع الحقائب الوزارية السيادية، وكسب ود القوى السنية والكردية، وتأمين الظهير الشعبي الذي يضمن له الاستقرار بعد تشكيل الحكومة.
ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه المحللون والمراقبون الآن: هل سينجح الزيدي في تشكيل حكومته خلال المهلة الدستورية (30 يوماً) أم أن العراق مقبل على مرحلة جديدة من التعقيد السياسي وإعادة التكليف؟










