20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

فلسطين في عيد العمال: 80% بطالة و550 ألف عاطل وانخفاض الناتج المحلي االإجمالي 84%

كشفت "حشد" في بيان بمناسبة عيد العمال، انهيار غير مسبوق في سوق العمل الفلسطيني نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر، حيث ارتفع معدل البطالة إلى نحو 80% في قطاع غزة، بينما بلغ 34% في الضفة الغربية.

بقلم: عمرو المصري
١ مايو ٢٠٢٦
11 دقائق قراءة
12 مشاهدة
عيدالعمال وفلسطين

عيدالعمال وفلسطين

أكدت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، في بيان صحفي أصدرته بمناسبة عيد العمال العالمي في الأول من مايو، أن حلول هذا العام يأتي في ظل ظروف استثنائية وقاسية يمر بها الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، بعد أكثر من عامين ونصف العام على حرب الإبادة الجماعية التي استهدفت الإنسان الفلسطيني ومقدراته الاقتصادية والإنتاجية. 

وأشارت الهيئة إلى أن الحرب ألقت بظلالها الثقيلة على الطبقة العاملة التي شكّلت عبر التاريخ ركيزة الصمود والبناء، لتجد نفسها اليوم أمام واقع كارثي غير مسبوق تتداخل فيه الحرب مع الحصار والانهيار الاقتصادي الشامل الذي طال كل مفاصل الحياة. وأوضحت "حشد" أن العامل الفلسطيني تكبّد أثماناً باهظة نتيجة العدوان المستمر من الاحتلال الإسرائيلي، حيث لم تقتصر معاناته على فقدان فرص العمل ومصادر الدخل، بل امتدت لتشمل الاستهداف المباشر لحياته وسلامته وتدمير أماكن عمله، في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات حقوق الإنسان التي تكفل حماية المدنيين والعاملين أثناء النزاعات المسلحة.

وشددت الهيئة الدولية على أن ما يتعرض له عمال قطاع غزة يمثل نموذجاً صارخاً لكارثة إنسانية مركبة، حيث أدت حرب الإبادة الإسرائيلية إلى استشهاد وإصابة آلاف العمال، وتدمير شبه كامل للقطاعات الاقتصادية والزراعية والتجارية والخدمية، وتشريد أكثر من مليون ونصف المليون مواطن، بمن فيهم عشرات الآلاف من العمال وأسرهم، الذين باتوا يعيشون في خيام النزوح ومراكز الإيواء في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية، مع تفشي الفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية. 

وأكدت "حشد" أن قطاع العمل في غزة انتقل من حالة البطالة الهيكلية إلى مرحلة الشلل الاقتصادي الشامل، في ظل توقف معظم المنشآت والمؤسسات الإنتاجية والخدمية، وتعطل سلاسل الإنتاج، واستمرار الحصار وإغلاق المعابر، ومنع إدخال المواد الخام اللازمة لإعادة تشغيل القطاعات الاقتصادية، ما عمّق من حالة الانهيار الاقتصادي والمعيشي الذي لم تشهد له المنطقة نظيراً منذ عقود.

انهيار سوق العمل

كشفت الهيئة الدولية "حشد"، استناداً إلى مؤشرات سوق العمل الموثقة، عن انهيار غير مسبوق في سوق العمل الفلسطيني نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر، حيث ارتفع معدل البطالة إلى نحو 80 بالمئة في قطاع غزة وحدها، بينما بلغ 34 بالمئة في الضفة الغربية، وهو ما يعادل إجمالي نحو 550 ألف عاطل عن العمل من أبناء الشعب الفلسطيني. 

وأشارت الهيئة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي سجل انخفاضاً حاداً تجاوز 84 بالمئة، بينما تراجعت الأنشطة الاقتصادية بنسب تراوحت بين 83 و98 بالمئة حسب القطاع، وانخفضت المشاركة في القوى العاملة إلى نحو 38 بالمئة فقط، وهو أدنى مستوى تسجله الأراضي الفلسطينية منذ عقود طويلة. وارتفعت معدلات الفقر إلى أكثر من 93 بالمئة في قطاع غزة، مع انعدام الأمن الغذائي الحاد لأكثر من 75 بالمئة من السكان، وفقدان أكثر من 250 ألف عامل لوظائفهم بشكل دائم نتيجة تدمير أماكن عملهم أو خروجها عن الخدمة تماماً.

ولفتت الهيئة إلى أن القيود المفروضة على عمل المنظمات الإنسانية والإغاثية أدت إلى تفاقم الأزمة المعيشية بشكل كبير، حيث بات أكثر من 95 بالمئة من السكان في قطاع غزة يعتمدون بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية المحدودة، بما في ذلك شريحة واسعة من العمال الذين فقدوا مصادر دخلهم الأصلية بشكل نهائي. 

وأكدت "حشد" أن هذا الاعتماد المفرط على المساعدات لا يشكل حلاً مستداماً، بل يعمق حالة التبعية ويزيد من معاناة العمال الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للاقتصاد الفلسطيني. وأضافت أن انهيار الخدمات الصحية والتعليمية والبنية التحتية زاد من صعوبة عودة العمال إلى أي نشاط اقتصادي، حيث فقدت معظم المؤسسات والشركات مقراتها ومعداتها ومخزونها الإنتاجي في الهجمات الإسرائيلية المتكررة.

أكثر من 90% من المنشآت دُمرت

أكدت الهيئة الدولية "حشد" أن المشهد الكارثي الذي يعيشه العمال الفلسطينيون لا يمكن فصله عن سياق الانتهاكات الجسيمة والمنهجية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي منذ أكثر من عامين ونصف، وفي مقدمتها تدمير أكثر من 90 بالمئة من مباني ومنشآت قطاع غزة والبنية التحتية الملحقة بها. 

وشمل التدمير المنهجي المستشفيات والمدارس والمصانع والمخابز والمزارع ومحطات المياه والكهرباء، وهي كلها منشآت كانت توفر فرص العمل للآلاف من العمال الفلسطينيين قبل العدوان. وأشارت "حشد" إلى أن استمرار جرائم التهجير القسري والحصار الشامل والعقوبات الجماعية أدت إلى سقوط عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، وفاقمت من معاناة السكان الذين باتوا يعتمدون على المساعدات أو على أعمال هامشية وخطرة لتأمين الحد الأدنى من سبل العيش لأسرهم.

وأوضحت الهيئة أن الانهيار الاقتصادي لم يقتصر على تدمير المنشآت والمباني فقط، بل امتد إلى تعطيل سلاسل الإنتاج والتوزيع بشكل كامل، حيث أصبح من المستحيل نقل البضائع أو المواد الخام بين المناطق المختلفة بسبب تدمير الطرق والجسور واستمرار إغلاق المعابر العسكرية. وأضافت أن العمال الذين تمكنوا من البقاء على قيد الحياة يواجهون تحديات هائلة في الوصول إلى أي فرصة عمل، فإما أن تكون أماكن عملهم قد دمرت بالكامل، أو أن الطرق إليها أصبحت محفوفة بالمخاطر جراء القصف المتواصل والطائرات المسيرة التي تستهدف أي حركة في الشوارع. 

وأكدت "حشد" أن العامل الفلسطيني لم يعد يفكر اليوم في تحسين ظروف عمله أو البحث عن فرصة أفضل، بل أصبح همه الوحيد هو تأمين لقمة العيش لأطفاله وزوجته في ظل انعدام شبه تام في المواد الغذائية الأساسية.

احتجاز 4 مليارات دولار وقيود مشددة

لفتت الهيئة الدولية "حشد" الانتباه إلى أن سياسات الاحتلال الإسرائيلي الممنهجة، بما في ذلك احتجاز عائدات الضرائب الفلسطينية (المقاصة) التي تتجاوز قيمتها 4 مليارات دولار أمريكي، إلى جانب القيود المشددة والممنهجة على عمل وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، وقطع التمويل عن المؤسسات الأهلية والتنموية، قد أدت جميعها إلى عجز مالي حاد في الميزانية الفلسطينية. 

وأدى هذا العجز إلى تسريح آلاف العمال من وظائفهم في القطاع العام والخاص على حد سواء، وتراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين، بما عمّق دائرة الفقر والبطالة وأضعف قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود في وجه العدوان. وأكدت "حشد" أن هذه السياسات الإسرائيلية تمثل انتهاكاً صارخاً للاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، وتحديداً بروتوكول باريس الاقتصادي الذي يلزم إسرائيل بتحويل هذه العائدات بانتظام.

وشددت الهيئة على أن هذه الانتهاكات المتراكمة تمثل خرقاً جسيماً ومركباً لقواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وأنها ترقى بكل المقاييس إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وأوضحت "حشد" أن استهداف البنية الاقتصادية ومصادر الرزق بصورة مباشرة يمثل انتهاكاً صارخاً لمبدأي التمييز والتناسب اللذين يشكلان حجر الزاوية في القانون الدولي الإنساني، كما أن التدمير الواسع للممتلكات المدنية دون وجود ضرورة عسكرية ملحة يُعد جريمة حرب يعاقب عليها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. 

وأضافت أن الحصار الشامل المفروض على قطاع غزة منذ سنوات، والذي اشتد بشكل غير مسبوق بعد حرب الإبادة، وإغلاق المعابر ومنع دخول حتى المواد الغذائية الأساسية والدواء، يشكل عقاباً جماعياً محظوراً بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، ويعكس سياسات إفقار متعمدة تستهدف تجويع المدنيين وكسر إرادتهم.

حماية دولية ومحاسبة فورية وفتح المعابر

وجهت الهيئة الدولية "حشد" في بيانها سلسلة من المطالب العاجلة والملحة إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومؤسساتها، داعية إياهم إلى تجاوز حالة الصمت والعجز المخزية التي استمرت لأكثر من عامين، والاضطلاع بمسؤولياتهم القانونية والأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني. وطالبت الهيئة بتوفير حماية دولية فورية وفعالة للشعب الفلسطيني، والعمل بجدية لوقف العدوان الإسرائيلي ورفع الحصار بشكل فوري ودون أي شروط سياسية، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية إلى جميع أنحاء قطاع غزة دون عوائق. 

كما دعت إلى دعم جهود الإغاثة وإعادة الإعمار بشكل عاجل، مع التأكيد على ضرورة أن يتم هذا الدعم دون أي شروط سياسية تنتقص من حقوق الشعب الفلسطيني أو تفرض عليه وصاية من أي جهة كانت.

وطالبت "حشد" بفتح المعابر بشكل دائم وغير مشروط، وضمان حرية الحركة والتنقل للأفراد والبضائع، والسماح بإدخال المواد الخام والمعدات الثقيلة والآليات اللازمة لإعادة تشغيل عجلة الإنتاج بشكل تدريجي. كما دعت إلى إطلاق خطة وطنية شاملة وعاجلة للإعمار تقوم على مبادئ العدالة والشفافية والمساءلة، وتكفل حق جميع المتضررين في السكن والعمل والتعليم والرعاية الصحية دون أي تمييز على أسس سياسية أو حزبية أو جغرافية. 

وأكدت ضرورة تمكين البلديات والمؤسسات المحلية ولجنة إدارة غزة من القيام بدورها الفاعل في إزالة الركام وتعزيز الاستجابة الإنسانية والتعافي الاقتصادي والاجتماعي، مع توفير التمويل الكافي لهذه المؤسسات لتنفيذ مهامها.

محاسبة المسؤولين ودعم النقابات

دعت الهيئة الدولية "حشد" إلى محاسبة المسؤولين الإسرائيليين الذين خططوا ونفذوا هذه الجرائم والانتهاكات الجسيمة أمام مؤسسات العدالة الدولية، وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية. كما طالبت بتفعيل كافة أدوات الضغط الدولي المتاحة، بما في ذلك حملات المقاطعة الاقتصادية والأكاديمية والثقافية الشاملة، وفرض عقوبات اقتصادية وسياسية رادعة على إسرائيل، بهدف وقف الجرائم والانتهاكات الجسيمة بحق العمال والمدنيين الفلسطينيين بشكل فوري ودون إبطاء. 

وشددت "حشد" على أن غياب المحاسبة حتى الآن شجع إسرائيل على الاستمرار في جرائمها وتوسيع نطاق عدوانها، وأنه لا بد من كسر دائرة الإفلات من العقاب التي تتمتع بها إسرائيل منذ عقود.

وفي جانب آخر من بيانها، وجهت الهيئة الدولية نداءً عاجلاً وواضحاً إلى الحركة النقابية والعمالية العربية والدولية، داعية إياها إلى الانتقال من مرحلة التضامن اللفظي والتعبيرات الرمزية إلى الفعل المؤثر والملموس على الأرض. 

وطالبت "حشد" بتنظيم التحركات الاحتجاجية الواسعة والإضرابات العامة في مختلف دول العالم، وممارسة ضغط حقيقي وفعال على الحكومات لوقف العدوان ورفع الحصار، وتقديم الدعم المادي والمعنوي لعمال فلسطين ونقاباتهم العمالية. كما دعت إلى تبني مبادرات دولية طموحة تعزز صمود العمال الفلسطينيين وتوفر لهم بدائل اقتصادية تمكنهم من تجاوز هذه المحنة القاسية بأقل الخسائر الممكنة.

كارثة إنسانية مركبة

في ختام بيانها، أكدت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد" أن ما يتعرض له عمال فلسطين، وفي مقدمتهم عمال قطاع غزة، ليس مجرد أزمة عابرة أو مشكلة اقتصادية يمكن حلها ببعض المساعدات، بل هو كارثة إنسانية مركبة ومتشابكة الأبعاد تتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً وقوياً على كل المستويات. 

وشددت على أن استمرار هذا الواقع الكارثي يعكس إخلالاً واضحاً وفاضحاً بالتزامات المجتمع الدولي في ضمان احترام قواعد القانون الدولي وتحقيق العدالة للشعوب المظلومة، كما يعكس عجزاً أخلاقياً وسياسياً لا يمكن التغاضي عنه. وأكدت "حشد" أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية القانونية الكاملة والأخلاقية عن هذه الجرائم كافة، بصفته القوة القائمة بالاحتلال والمُلزمة بموجب القانون الدولي بحماية السكان المدنيين وتأمين احتياجاتهم الأساسية، وليس تدميرها واستهدافها كما يفعل حالياً. 

كما شددت الهيئة في الوقت ذاته على مسؤولية الجهات الفلسطينية الرسمية عن ضرورة تبني سياسات عاجلة وشفافة لحماية العمال وتعزيز صمودهم، وتوفير شبكات أمان اجتماعي حقيقية تحد من تفاقم الأزمة وتخفف من معاناة الملايين. ويبقى السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه بقوة في هذا العيد العالمي للعمال: كم عاماً آخر سيمر على عمال فلسطين وهم يعيشون هذه المأساة قبل أن يتحرك العالم لإنقاذهم؟

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال