20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

النموذج الأمريكي الجديد في الفلبين: شراكة اقتصادية دفاعية أم فخ ترامب المقبل؟

أمريكا تغير قواعد اللعبة في آسيا وتراهن على الفلبين كبديل اقتصادي عن الصين في ظل حرب إيران

بقلم: عمرو المصري
١ مايو ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
9 مشاهدة
أعضاء مجموعة نقل، معظمهم من سائقي سيارات الجيبني، يرفعون قبضاتهم أثناء مسيرتهم احتجاجاً على ارتفاع أسعار النفط وسط الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، بالفلبين، 9 مارس 2026. (رويترز)

أعضاء مجموعة نقل، معظمهم من سائقي سيارات الجيبني، يرفعون قبضاتهم أثناء مسيرتهم احتجاجاً على ارتفاع أسعار النفط وسط الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، بالفلبين، 9 مارس 2026. (رويترز)

بينما يتجه معظم الاهتمام العالمي الآن نحو تداعيات الحرب المدمرة على إيران، التي أضرمت أسعار النفط وأربكت سلاسل التوريد العالمية وألقت بظلالها الثقيلة على آفاق الاقتصاد الدولي، يتشكل في صمت مريب نموذج جديد للتدخل الأمريكي في منطقة جنوب شرق آسيا، وتحديداً على جزيرة لوزون الفلبينية. 

وعندما عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025 ووضع العديد من آليات المساعدات الأمريكية على طاولة الإلغاء والدمج، كانت هناك توقعات قاتمة وكئيبة حول ما يعنيه ذلك بالنسبة للنفوذ الأمريكي في هذه المنطقة الحيوية التي كانت تعتبر ساحة تنافس محتدمة مع الصين. 

لذلك، قد يكون من المفاجئ لكثير من المراقبين أن ممر لوزون الاقتصادي، وهو مبادرة من عصر بايدن تهدف إلى الاستثمار في النقل والطاقة النظيفة وسلاسل توريد الرقائق الإلكترونية في الجزيرة، لا يزال حياً ينبض بل ينمو ويتوسع.

ويرى كيفن تشين، وهو باحث مشارك في برنامج الولايات المتحدة في مدرسة إس راجاراتنام للدراسات الدولية (RSIS) بجامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، أن هذا النموذج الفلبيني قد يكون بمثابة مخطط حيوي لكيفية نية واشنطن العمل مع شركائها في جنوب شرق آسيا في المرحلة القادمة.

لكن السؤال الأكبر والأكثر إلحاحاً، وفقاً للكاتب، هو ما إذا كانت هذه الاستراتيجية قابلة للاستمرار والثبات تحت إدارة أمريكية متقلبة ومتذبذبة وتتمتع بنزوات ترامب المعروفة، أم أنها مجرد واجهة جديدة لسياسات الحماية الأمريكية التي تخدم المصالح الأمريكية فقط على حساب شركائها الآسيويين.

16 عاماً من الأمن على حساب الاقتصاد

يكشف كيفن تشين، وهو خبير متخصص في السياسات الأمريكية تجاه آسيا، أن القوة الدافعة وراء العلاقات الأمريكية الفلبينية على مدى الـ16 عاماً الماضية كانت قضايا الدفاع والأمن في المقام الأول، حيث تسعى مانيلا للحصول على الدعم الأمريكي لمطالبها البحرية في بحر الصين الجنوبي، بينما تريد واشنطن ترتيبات ثنائية تمكنها من التدخل في حال حدوث أي طارئ يتعلق بتايوان. 

لكن المشكلة الجوهرية، كما يراها الكاتب، كانت أن هذا التركيز الكبير على الجانب الدفاعي والأمني جاء على حساب التكثيف الحقيقي للانخراط الاقتصادي الذي ينشده الفلبينيون ويحتاجونه لتحسين مستوى معيشتهم. ومع مرور السنين، ظل الشعب الفلبيني يستشعر أن العلاقة مع أمريكا هي علاقة حامٍ بمحمي، وليست علاقة شريكين متساويين في المصالح والتنمية.

وهذا التركيز الدفاعي لم يتراجع خلال العام الماضي فقط، بل ازداد وتيرته بشكل لافت، حيث كشف الجيش الأمريكي النقاب عن سلسلة جديدة من المنشآت العسكرية والاستثمارات الدفاعية في الفلبين. ومن أبرز هذه المشاريع العسكرية العملاقة: خطط لإنشاء منشأة لإصلاح السفن البحرية في بالاوان، ومنشأة لإنتاج الذخيرة والعتاد الحربي، ومستودع جديد للوقود ومواد التشحيم في مينداناو. 

ويرافق هذه المشاريع الضخمة طفرة هائلة في التمويل العسكري الأمريكي، شملت إعفاء الفلبين من التجميد الشامل للمساعدات الأمنية الأمريكية، والترخيص بما يصل إلى مليار دولار من المبيعات العسكرية للفلبين بموجب قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026. هذه الأرقام تعكس حجم الاهتمام العسكري الأمريكي بالفلبين، لكنها في نفس الوقت تسلط الضوء على الفجوة بين الوعود العسكرية والاحتياجات الاقتصادية.

نموذج جديد للانخراط

في هذا السياق المتوتر، تأتي مبادرة نيوكلاك سيتي الصناعية وانضمام الفلبين إلى تحالف "باكس سيليكا" كتطورين مرحب بهما وبشدة من قبل مانيلا. فالمدينة الصناعية الجديدة، التي تم الإعلان عنها في أبريل 2026، هي مجمع تكنولوجي عالٍ يمتد على مساحة أربعة آلاف فدان (أي حوالي 1620 هكتاراً) ويجري تطويره شمال مانيلا، ومن المتوقع أن يجذب استثمارات ضخمة في قطاع الرقائق الإلكترونية والتكنولوجيا المتقدمة. 

وبشكل منفصل، انضمت الفلبين في نفس الشهر إلى تحالف "باكس سيليكا" الذي تقوده أمريكا لتأمين سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي، وهو التحالف الذي تشارك فيه أيضاً سنغافورة. وتقول واشنطن إن هذا التحالف لا يهدف فقط إلى تعزيز الأمن الاقتصادي الأمريكي وتقليل الاعتماد على الصين، بل يعد أيضاً بمساعدة الدول الأعضاء على التسلق في سلسلة القيمة التكنولوجية وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.

وهذه المبادرات الاقتصادية، كما يوضح كيفن تشين، تحمل كل سمات المبادرات الاقتصادية الأمريكية في عهد ترامب، والتي لا تستند إلى الإيثار أو المساعدات المجانية، بل إلى فرص الأعمال المربحة والأمن الاقتصادي المتبادل. 

وهذا التحول في الخطاب الأمريكي قد يشكل تغييراً مرحباً به بالنسبة للفلبين التي كانت تشكو لعقود من أن المساعدات الاقتصادية الأمريكية تأتي بشروط سياسية وثقيلة ولا تركز على المصالح المتبادلة. وتوفر هذه المبادرات الاقتصادية فرصة مهمة للفلبين لدمج نفسها في سلاسل التوريد متعددة الجنسيات، وزيادة جاذبيتها كوجهة استثمارية، ودعم نمو صناعة أشباه الموصلات المحلية. 

وفي المقابل، تحصل الشركات الأمريكية على إمكانية الوصول إلى الموارد المعدنية الفلبينية (بما في ذلك النيكل والنحاس والكروميت والكوبالت) لاستخدامها في عملياتها داخل المجمع الصناعي وفي أمريكا نفسها.

الفلبين بين الإغراء الاقتصادي والنزوات الأمريكية

لكن السؤال الأكثر إشكالية والذي تطرحه دراسة كيفن تشين هو: ما مدى قرب أو عمق اندماج دول جنوب شرق آسيا في المبادرات التي تقودها الولايات المتحدة؟ فترامب وواشنطن تحت قيادته يمكن أن يكونا في نفس الوقت شريكاً واستفزازياً، حيث تقترن الفرص الاقتصادية بتهديدات حقيقية لا يمكن التغاضي عنها. 

فالرجل لم يتردد لحظة واحدة في فرض رسوم جمركية قاسية على أقرب الشركاء مثل كندا، واستخدام التعريفات الجمركية كورقة ضغط في قضايا لا علاقة لها بالتجارة، مثل قضايا الهجرة والاتجار بالمخدرات، وحتى لحل نزاعات دبلوماسية إقليمية مثل النزاع الحدودي التايلاندي الكمبودي. وهذا يعني أن أي دولة تقيم شراكة اقتصادية مع إدارة ترامب تخاطر في أي لحظة بأن تصبح هدفاً لسياساته الانتقامية والمتقلبة.

وإضافة إلى المخاطر السياسية، هناك أيضاً مخاطر اقتصادية جمة تتمثل في تعرض هذه الدول لحرب تجارية أو عقوبات أمريكية إذا ما قررت واشنطن في لحظة غضب أو نزوة معاقبة شريكها لأي سبب كان. 

ويذكر الكاتب أن الفلبين اضطرت إلى إعلان "حالة طوارئ وطنية للطاقة" لمدة عام كامل في مارس الماضي بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من منطقة الشرق الأوسط التي تشتعل فيها الحرب. ومع عدم تقديم واشنطن سوى إعفاءات من العقوبات تسمح للفلبين بشراء النفط من روسيا، بدلاً من أي مساعدات حقيقية لتعويض ارتفاع الأسعار، عبر السيناتور الفلبيني بانفيلو لاكسون عن غضبه الشديد، متهمًا ترامب بـ"سياسة حافة الهاوية" و"الغطرسة النرجسية" لجره بلاده إلى حرب مدمرة لم تختارها ولم ترغب فيها. حتى الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس جونيور نفسه صرخ قائلاً إن الفلبين هي "ضحية حرب لم نختارها أو نرغب فيها".

مأزق المنطقة أمام نموذج أمريكي هش

تعكس هذه المشاعر المختلطة التي تعصف بمانيلا المأزق الحقيقي الذي تواجهه الفلبين، وهو نفس المأزق الذي ستواجهه عواصم جنوب شرق آسيوية أخرى وهي تقرر حدود تعاونها مع واشنطن في المرحلة القادمة. فلا أحد يستطيع أن ينكر الفوائد الاقتصادية والأمنية المحتملة من الشراكة مع الولايات المتحدة، ولكن المخاطر المتعلقة بتقلب المزاج السياسي الأمريكي و"نزوات ترامب" المعروفة تجعل أي شراكة طويلة الأمد محفوفة بالمخاطر والتحديات. 

ولن تتبخر جهود التعاون مع واشنطن بين عشية وضحاها بسبب هذه التوترات، لكن الشركاء الأمريكيين من المحتمل أن يستكشفوا تدابير طوارئ وحلولاً احتياطية لحماية مصالحهم، بما في ذلك العمل مع الصين، اللاعب الكبير الآخر في المنطقة.

ويخلص كيفن تشين إلى أن واشنطن قد تكون بصدد صياغة نموذج جديد للتعاون مع شركائها في آسيا، نموذج يقوم على المصالح المتبادلة والأمن الاقتصادي أكثر من المساعدات المجانية. لكن في نفس الوقت، فإن شركاء أمريكا في المنطقة يعيدون هم أيضاً النظر في خياراتهم ويطورون نماذجهم الخاصة للتعامل مع هذا الواقع المعقد والمتغير، والذي يضم كلاً من أمريكا والصين كقطبين متنافسين. 

وبينما تستمر الحرب في إيران في جذب كل الأنظار، فإن التحركات الهادئة ولكن الحاسمة في جزيرة لوزون قد تكون هي المؤشر الحقيقي على شكل العلاقات الأمريكية الآسيوية للعقود القادمة. والأسابيع والأشهر القادمة وحدها كفيلة بإظهار ما إذا كانت هذه الشراكة الجديدة ستصمد أمام اختبار الزمن والنزوات السياسية، أم أنها ستنهار عند أول مواجهة حقيقية.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

النموذج الأمريكي الجديد في الفلبين: شراكة اقتصادية دفاعية أم فخ ترامب المقبل؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°