20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

مشروع الحرية أم اختبار نار؟ واشنطن تقترب من الخط الأحمر في هرمز

ما يجري في مضيق هرمز لا يبدو بداية لتحول جذري بقدر ما هو محاولة لإدارة التوتر ومنع انفلاته. التحرك الذي طرحه الرئيس ترامب هو قد يحقق مكاسب محدودة: تخفيف اختناق مؤقت، وإعادة قدر من الردع.

بقلم: د. أسعد العويوي
٦ مايو ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
12 مشاهدة
ترامب ومضيق هرمز - أرشيفية

ترامب ومضيق هرمز - أرشيفية

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ما أسماه “مشروع الحرية”، وهو عملية عسكرية تهدف إلى تأمين عبور السفن التجارية العالقة في مضيق هرمز، في خطوة قدمها على أنها مبادرة إنسانية لحماية أطقم السفن وتخفيف الاختناق البحري. وبحسب تصريحاته، فإن هذه العملية تأتي استجابة لنداءات دول متضررة طلبت مساعدة واشنطن لإخراج سفنها بأمان من الممرات المائية المتوترة.

ورغم الطابع الإنساني الذي حاول ترامب إضفاءه على المبادرة، فإنها تثير تساؤلات عميقة حول أهدافها الحقيقية وإمكانية نجاحها. فالولايات المتحدة تمتلك بلا شك قدرات عسكرية كبيرة، تشمل أسطولًا بحريًا متقدمًا، وتغطية جوية كثيفة، وإمكانيات استطلاع ومراقبة متطورة. لكن التحدي لا يكمن في حجم القوة، بل في طبيعة البيئة العملياتية المعقدة، حيث يمكن لأي حادث محدود ،كزرع ألغام أو هجوم بزوارق مسيرة—أن يقلب المعادلة بالكامل.

في هذا السياق، تبدو العملية أقرب إلى “اختبار إرادات” منها إلى مهمة لوجستية بحتة. فمن جهة، قد تنجح واشنطن في تأمين ممر ضيق ومؤقت يسمح بعبور بعض السفن، ما يخفف الضغط الاقتصادي ويمنح الإدارة الأمريكية هامشًا لادعاء تحقيق إنجاز. ومن جهة أخرى، فإن أي رد إيراني لو كان محسوبًا قد يجر المنطقة إلى تصعيد جديد، ويضع الولايات المتحدة أمام خيارين أحلاهما مر: الرد العسكري والتصعيد، أو ضبط النفس وتحمل كلفة تراجع الهيبة.

اللافت أن الخطاب الأمريكي نفسه يعكس هذا الحذر، إذ تم استخدام تعبير “إرشاد السفن” بدلًا من “إعادة فتح المضيق”، وهو فارق دلالي مهم يشير إلى إدراك محدودية القدرة على فرض واقع جديد بشكل كامل.

في المقابل، تبدو إيران أمام خيارين استراتيجيين: إما السماح بمرور محدود للسفن، بما يفتح الباب لمسار تفاوضي ويحفظ التوازن القائم، أو اختبار العملية ميدانيًا، وهو ما قد يؤدي إلى انفجار أوسع في المنطقة. وفي كلا الحالتين، يبقى القرار الإيراني عنصرًا حاسمًا في تحديد مآلات هذه المبادرة.

أما على المستوى السياسي، فإن ترامب يمتلك قدرة معروفة على إعادة صياغة الوقائع وتسويق النتائج. فحتى إن لم تحقق العملية أهدافها الكاملة، يمكن تقديمها داخليًا كنجاح جزئي أو خطوة إنسانية مهمة. لكن “النصر الحقيقي” لن يتحقق عبر العمليات العسكرية المحدودة، بل من خلال اختراق دبلوماسي كبير، كالتوصل إلى اتفاق شامل يعالج الملفات العالقة ويعيد الاستقرار إلى الممرات الحيوية.

غير أن هذا المسار يواجه تحديات كبيرة، في ظل انعدام الثقة، وتشابك المصالح الإقليمية، وتعقيدات الداخل السياسي لدى جميع الأطراف. لذلك، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين تهدئة حذرة وتصعيد غير محسوب.

في المحصلة، ما يجري في مضيق هرمز لا يبدو بداية لتحول جذري بقدر ما هو محاولة لإدارة التوتر ومنع انفلاته. التحرك الذي طرحه الرئيس ترامب هو قد يحقق مكاسب محدودة: تخفيف اختناق مؤقت، وإعادة قدر من الردع، وربما تسجيل نقطة سياسية. لكنه يبقى محكومًا بسقف واضح تفرضه طبيعة الصراع نفسه.

المعادلة هنا دقيقة: كل طرف يمتلك ما يكفي لتعطيل الآخر، لكن ليس بما يكفي لفرض حسم نهائي دون كلفة عالية. لذلك، سيظل السلوك الأقرب هو “التصعيد المنضبط”—خطوات محسوبة تختبر الحدود دون كسرها. وهذا يعني أن أي نجاح ميداني لن يكون إلا مؤقتًا، وقابلًا للتآكل مع أول احتكاك جدي.

بعبارة أخرى، البحر قد يُدار بالقوة، لكن الاستقرار لا يُصنع بها. من دون مسار سياسي يخفف من تضارب المصالح ويعيد تعريف قواعد الاشتباك، ستبقى كل العمليات مهما بدت حاسمة مجرد أدوات لشراء الوقت، لا لتغيير المعادلة.

لهذا، النهاية المنطقية ليست نصرًا حاسمًا ولا هزيمة واضحة، بل استمرار حالة التوازن الهش: لا انفجار كبير، ولا تسوية حقيقية… فقط أزمة مؤجلة، تُعاد صياغتها مع كل جولة جديدة.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير