19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

العالم يتغيّر… وفلسطين تبقى قلب الحكاية

لم يعد العالم كما كان. الخرائط السياسية تهتز، والتحالفات القديمة تتصدع، والقوى الكبرى تعيد ترتيب مواقعها في سباق مفتوح على النفوذ والمصالح.

بقلم: د. أسعد العويوي
١١ مايو ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
25 مشاهدة
الفضية الفلسطينية

الفضية الفلسطينية

لم يعد العالم كما كان. الخرائط السياسية تهتز، والتحالفات القديمة تتصدع، والقوى الكبرى تعيد ترتيب مواقعها في سباق مفتوح على النفوذ والمصالح. من أوكرانيا إلى الخليج، ومن بكين إلى واشنطن، يبدو أن العالم يقف أمام مرحلة انتقالية خطيرة قد تُنهي نظاماً دولياً كاملاً وتفتح الباب أمام ولادة نظام جديد أكثر توازناً… أو أكثر فوضى.

في أوروبا الشرقية، ما زالت الحرب الروسية الأوكرانية تفرض نفسها كأحد أخطر ملفات العالم. التوتر تصاعد بعد تصريحات أوكرانية اعتبرتها موسكو تهديداً مباشراً لاحتفالات “عيد النصر” الروسي، لترد روسيا برسائل عسكرية حادة تؤكد أنها لن تتردد في توجيه ضربات قاسية إذا تعرض أمنها أو رمزيتها للخطر.

لكن خلف لغة الصواريخ، كانت هناك لغة أخرى تتحرك بهدوء: لغة السياسة والمصالح. روسيا فتحت قنوات اتصال مع الصين والهند وحتى الولايات المتحدة، في محاولة لمنع انزلاق العالم إلى مواجهة أكبر لا يمكن لأحد توقع نتائجها. وبين التصعيد والتهدئة، ظهرت مبادرات لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، وكأن الجميع يدرك أن العالم أصبح قريباً جداً من حافة الانفجار.

وفي الشرق الأوسط، لا يبدو المشهد أقل تعقيداً. المنطقة بأكملها تعيش على وقع توتر دائم؛ لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي. مضيق هرمز بات ورقة ضغط عالمية، وإيران والولايات المتحدة تتبادلان الرسائل السياسية والعسكرية وسط مخاوف من اشتعال قد يعصف بالاقتصاد العالمي كله.

إيران ترى أن الوجود الأمريكي في الخليج هو أصل الأزمة، بينما تعتبر واشنطن أن أمن الملاحة والطاقة خط أحمر لا يمكن التهاون فيه. وبين الطرفين تقف دول المنطقة معلقة بين الخوف من الحرب والرغبة في النجاة من تبعاتها.

أما لبنان، فلا يزال يقف فوق فوهة بركان. إسرائيل تواصل عملياتها العسكرية جنوباً بذريعة مواجهة “حزب الله”، فيما يبقى خطر توسع المواجهة قائماً في أي لحظة. والأخطر أن هناك محاولة متزايدة لفصل لبنان الرسمي عن المقاومة، وكأن المطلوب إعادة تشكيل المشهد السياسي في المنطقة بالكامل بما يخدم توازنات جديدة.

لكن وسط كل هذه الملفات، تبقى فلسطين الحقيقة التي يحاول العالم تجاهلها، رغم أنها أصل التوتر وجذر الصراع في الشرق الأوسط.
فلا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي في المنطقة بينما يستمر الاحتلال، وتبقى الحقوق الفلسطينية معلقة، ويعيش الشعب الفلسطيني بين الحصار والتهجير والحروب المتكررة.

القضية الفلسطينية لم تعد مجرد ملف سياسي عالق، بل أصبحت اختباراً أخلاقياً للنظام العالمي كله. كيف يمكن لدول تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان والقانون الدولي أن تعجز عن حماية شعب بأكمله من الاحتلال والعنف؟ وكيف يمكن للعالم أن يتحدث عن العدالة والاستقرار بينما لا تزال القدس وغزة والضفة الغربية تعيش تحت ضغط دائم؟

الحقيقة التي بدأت تتكشف اليوم هي أن كثيراً من أزمات العالم مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بازدواجية المعايير الدولية. فحين يشعر الناس أن القانون يُطبّق على الضعفاء فقط، وأن القوة وحدها هي التي تصنع القرار، يصبح الحديث عن السلام مجرد شعارات فارغة.

وفي ظل هذا المشهد، تتحرك الصين وروسيا بثقة أكبر نحو طرح فكرة “النظام العالمي متعدد الأقطاب”، في مواجهة الهيمنة الغربية التقليدية. بكين لم تعد مجرد قوة اقتصادية، بل بدأت تقدم نفسها كوسيط دولي قادر على لعب أدوار سياسية كبرى، خصوصاً في ملفات الشرق الأوسط والطاقة.

أما الولايات المتحدة، فتبدو وكأنها تحاول إعادة ترتيب أولوياتها وتقليل خسائر سنوات طويلة من الحروب والتدخلات. حتى داخل واشنطن نفسها، هناك إدراك متزايد بأن العالم تغيّر، وأن إدارة الأزمات بالقوة العسكرية وحدها لم تعد كافية.

وربما لهذا السبب، تبدو المرحلة الحالية أخطر من مجرد صراع سياسي عابر؛ إنها لحظة إعادة تشكيل للنظام الدولي بأكمله. عالم جديد يولد ببطء، تتراجع فيه الهيمنة المطلقة، وتبحث فيه الدول عن توازنات مختلفة، بينما تحاول الشعوب الصغيرة النجاة من صراعات الكبار.

لكن مهما تغيّرت التحالفات وتبدّلت موازين القوى، ستبقى فلسطين القضية التي تكشف حقيقة هذا العالم. فإما أن ينجح المجتمع الدولي في فرض عدالة حقيقية تنهي الاحتلال وتمنح الفلسطينيين حقهم في دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وإما أن يبقى الشرق الأوسط مفتوحاً على مزيد من الغضب والانفجارات والحروب.

العالم يتغيّر بالفعل… لكن السلام الحقيقي لن يولد إلا حين تصبح العدالة قيمة واحدة للجميع، لا امتيازاً تمنحه القوة لمن تشاء وتحجبه عمّن تشاء.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير