20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

بين شرعية التاريخ وقلق المستقبل: الرئيس عباس يفتتح المؤتمر الثامن لفتح بخطاب المرحلة الحرجة

هكذا بدا خطاب الرئيس محمود عباس أمام المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح؛ خطابًا يتجاوز حدود التنظيم الداخلي ليعكس مأزق مرحلة فلسطينية كاملة.

بقلم: د. أسعد العويوي
١٤ مايو ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
31 مشاهدة
المؤتمر الثامن لحركة فتح

المؤتمر الثامن لحركة فتح

في القاعات الكبرى للحركات التاريخية، لا تكون الكلمات مجرد خطابات بروتوكولية، بل رسائل قلق، ومحاولات لإعادة تعريف اللحظة السياسية قبل أن تسبقها الأحداث. هكذا بدا خطاب الرئيس محمود عباس أمام المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح؛ خطابًا يتجاوز حدود التنظيم الداخلي ليعكس مأزق مرحلة فلسطينية كاملة.

لم يكن الرئيس عباس يتحدث هذه المرة بصفته رئيسًا يدير مؤتمرًا حزبيًا، بل باعتباره آخر ممثلي جيل سياسي قاد المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة، ويحاول الآن حماية ما تبقى من تماسك النظام السياسي الفلسطيني في لحظة تبدو فيها الأرض أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

الخطاب، في جوهره، كان محاولة واضحة لإعادة تثبيت ثلاث ركائز أساسية: شرعية فتح، ومركزية منظمة التحرير الفلسطينية، واستمرار النهج السياسي الذي قادته القيادة الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو وحتى اليوم. لكن المفارقة أن هذه الركائز نفسها أصبحت موضع جدل واسع داخل الشارع الفلسطيني، وخصوصًا بعد الحرب على غزة وما خلّفته من تحولات عميقة في الوعي الشعبي.

لهذا بدا الخطاب، في كثير من لحظاته، أقرب إلى خطاب دفاع سياسي طويل أكثر من كونه إعلانًا عن مرحلة جديدة.

لغة الدولة في زمن الغضب

ما يميز خطاب الرئيس عباس دائمًا هو تمسكه الصارم بفكرة “الدولة” وبالشرعية الدولية باعتبارهما الطريق الوحيد الممكن لحماية القضية الفلسطينية. هذه القناعة ظهرت مجددًا بوضوح في المؤتمر الثامن، حيث أعاد الرئيس عباس التأكيد على الثوابت السياسية ورفض أي محاولات لتجاوز التمثيل الرسمي الفلسطيني.

لكن المشكلة أن الشارع الفلسطيني اليوم يتحرك في اتجاه نفسي وسياسي مختلف تمامًا. فسنوات الجمود السياسي، وتراجع عملية السلام، وتوسع الاستيطان، والانقسام الداخلي، ثم الحرب الأخيرة على غزة، كلها دفعت قطاعات واسعة من الفلسطينيين إلى إعادة النظر في جدوى المسار السياسي التقليدي كله.

وهنا تحديدًا ظهرت الفجوة الواضحة بين لغة القيادة ولغة الشارع.

فالقيادة ما زالت تتحدث بمنطق “إدارة الممكن”، بينما يعيش جزء كبير من الفلسطينيين حالة غضب ترى أن الممكن نفسه أصبح ضيقًا إلى حد الاختناق.

المؤتمر الثامن… مؤتمر الخوف من الفراغ

ورغم أن المؤتمر يحمل عناوين تنظيمية وانتخابية، فإن القضية الأكثر حضورًا — وإن لم تُذكر مباشرة — هي سؤال المستقبل السياسي بعد الرئيس عباس.

داخل فتح، كما داخل النظام الفلسطيني عمومًا، هناك إدراك متزايد بأن المرحلة المقبلة قد تكون الأكثر حساسية منذ تأسيس السلطة الفلسطينية. ولذلك بدا واضحًا أن المؤتمر ليس مجرد مناسبة لترتيب البيت التنظيمي، بل محاولة استباقية لمنع أي فراغ سياسي أو انفجار داخلي محتمل.

لهذا ركز الرئيس عباس في خطابه على فكرة “الوحدة والانضباط والاستمرار”، لأن القيادة تدرك أن أي تصدع داخلي في هذه اللحظة قد يتحول سريعًا إلى أزمة وطنية أوسع.

أزمة فتح الحقيقية

لكن الأزمة التي تواجه فتح اليوم لا تبدو أزمة تنظيمية فقط، بل أزمة علاقة مع الزمن الفلسطيني الجديد.

هناك جيل فلسطيني كامل لم يعش سنوات الثورة الأولى، ولا يحمل الارتباط العاطفي ذاته بالتجربة التاريخية للحركة. هذا الجيل يقيس الشرعية بمعايير مختلفة:

  • الكفاءة
  • الشفافية
  • الحضور الميداني
  • والقدرة على إنتاج أفق سياسي حقيقي

ومن هنا تبدو مهمة المؤتمر الثامن أكثر تعقيدًا من مجرد انتخاب قيادات جديدة. فالتحدي الحقيقي هو: هل تستطيع فتح إعادة إنتاج نفسها كحركة قادرة على مخاطبة المستقبل، لا الاكتفاء بحراسة الماضي؟

ما الذي لم يقله الخطاب؟

ربما كانت أكثر لحظات الخطاب أهمية هي تلك الأسئلة التي بقيت معلقة دون إجابات واضحة:

  • كيف ستتعامل فتح مع التحولات الكبرى بعد الحرب؟
  • ما شكل العلاقة المقبلة بين السلطة والمقاومة؟
  • كيف ستُستعاد ثقة الشارع الفلسطيني؟
  • وهل هناك استعداد فعلي لتجديد النظام السياسي الفلسطيني؟

هذه الأسئلة لا يمكن تجاوزها بخطابات تعبئة أو استدعاء الذاكرة الوطنية فقط، لأن الأزمة الحالية أعمق من أن تُحل باللغة التقليدية وحدها.

ما بعد التصفيق

قد ينجح المؤتمر الثامن في إعادة ترتيب موازين القوى داخل فتح، وقد ينجح في تأجيل الخلافات الداخلية لبعض الوقت. لكن نجاحه الحقيقي لن يُقاس بما سيحدث داخل القاعة، بل بما إذا كانت الحركة قادرة على استعادة ثقة الفلسطينيين خارجها.

ذلك أن الحركات التاريخية لا تسقط حين تخسر السلطة فقط، بل حين تفقد قدرتها على إقناع الناس بأنها ما زالت تمتلك مشروعًا للمستقبل.

ولهذا، فإن خطاب الرئيس عباس — رغم ثقله السياسي والتنظيمي — بدا في النهاية كأنه محاولة لتثبيت شرعية تاريخية تواجه اليوم أصعب اختباراتها، في زمن فلسطيني تتغير فيه الأسئلة أسرع من قدرة القيادات التقليدية على تقديم الإجابات.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

بين شرعية التاريخ وقلق المستقبل: الرئيس عباس يفتتح المؤتمر الثامن لفتح بخطاب المرحلة الحرجة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°