22 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سيكوسياسية توظيف التاريخ وأسطورة الحرب غير الضرورية

إننا نُطالع الصُحف والمواقع الأجنبية ومقالاتها التي تُسقط الحرب العالمية الثانية على كل أزمة معاصرة تبدو أحياناً مثيرة للعاطفة، لكنها غالبا تقع في فخ التبسيط التاريخي والتضليل السياسي، ومن لا يقرأ الت

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
١٦ مايو ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
34 مشاهدة
سيكوسياسية توظيف التاريخ وأسطورة الحرب غير الضرورية

سيكوسياسية توظيف التاريخ وأسطورة الحرب غير الضرورية

إننا نُطالع الصُحف والمواقع الأجنبية ومقالاتها التي تُسقط الحرب العالمية الثانية على كل أزمة معاصرة تبدو أحياناً مثيرة للعاطفة، لكنها غالبا تقع في فخ التبسيط التاريخي والتضليل السياسي، ومن لا يقرأ التاريخ بعين البصيرة، يظل حبيساً لسراب يتوهمه حقيقة، ففي السياسة الدولية، أكبر الأخطاء تبدأ حين تتحول المخاوف إلى عقائد، والعقائد إلى حروب، فالتاريخ ليس قالباً جاهزاً نُعيد استعماله لتبرير مواقف أيديولوجية، بل حقل معقد من المصالح والبنى الاقتصادية والتحولات النفسية والاجتماعية.

وفي فخ الاختزال التاريخي، يطل علينا بعض الكُتّاب بطروحات تفتقر إلى العُمق المنهجي، معتمدين على "قشور" القراءات التاريخية لتمرير أجندات سياسية معاصرة. فمحاولة إسقاط تجربة الحرب العالمية الثانية على الملف الإيراني  ولست مدافعاً عنها- لكني هاهنا أسرد التعصب وذلك الاختزال التاريخي، بتبسيط مخلٍّ لا يعدو كونه نوعاً من "الاستلاب الفكري" الذي يخدم قوى الهيمنة، وبتشريح مثل هذه الأطروحات عبر عدسة النقد العلمي والواقع الإحصائي. ومن هنا، فإن تصوير أي تسوية دبلوماسية باعتبارها "استرضاءً شبيهاً بميونيخ 1938"، أو تشبيه إيران اليوم بألمانيا النازية، هو في كثير من الأحيان استخدام انتقائي للتاريخ أكثر منه تحليلاً علمياً متماسكاً، يستند الكاتب فيه بوصفه للحرب العالمية الثانية بأنها "حرب غير ضرورية" ومقدمة وينستون تشرشل الشهيرة في مذكراته، فيزعم الكاتب أن الفشل في فهم "طبيعة هتلر" هو السبب الوحيد لاندلاعها، وهو ما يمثل تبسيطاً مفرطاً ينسف تعقيدات التاريخ.

أولاً: هل كانت الحرب العالمية الثانية "حرباً غير ضرورية"؟

. إن وصف الحرب العالمية الثانية بذلك يعود جزئياً إلى بعض الأطروحات الغربية التي رأت أن الحرب كان يمكن تجنبها لو تم التعامل مبكراً مع أدولف هتلر بصرامة أكبر، أو لو فُهمت طبيعة المشروع النازي قبل أن يتحول إلى تهديد عالمي. لكن هذا الطرح، يبقى اختزالياً إذا قُدم باعتباره تفسيراً نهائيا،. فالحرب العالمية الثانية لم تنشأ فقط لأن الغرب "فشل في فهم هتلر"، بل بسبب شبكة كاملة من العوامل منها (المشاكل التي حدثت عام 1919 والتي أذلت ألمانيا سياسيا واقتصاديا، ثُم الانهيار الاقتصادي العالمي عام 1929، حيث تجاوزت البطالة في ألمانيا 30% ، وتصاعدية قومية متطرفة في أوروبا، والصراع بين الرأسمالية الغربية والشيوعية، وضعف عصبة الأمم، وأخيراً التمييز الاستعماري بين القوى الكبرى أي الخوف الغربي من الشيوعية السوفيتية أكثر من الخوف من النازية في البداية).

ثانياً- ماذا لو فهموا هتلر؟

إن اختزال كل ذلك في فكرة "لو فهموا هتلر لما وقعت الحرب" يشبه اختزال مرض معقد في عرض واحد فقط، فهتلر لم يصعد في فراغ؛ لقد صعد لأن النظام الدولي نفسه كان مأزوماً، واستخدام هذا الدرس التاريخي لتبرير سياسات عدوانية معاصرة يحمل خطراً كبيراً، لأن كل زعيم يمكن أن يُصوَّر باعتباره "هتلر جديداً"، وكل حرب يمكن أن تُسوَّق باعتبارها "حرباً وقائية أخلاقية"، وهنا تكمن الكارثة الفكرية، ولا نني أن الولايات المتحدة استخدمت هذا المنطق في حرب العراق عندما رُبط صدام حسين بأسلحة الدمار الشامل والنازية السياسية، ثم تبيّن لاحقاً أن الذرائع الأساسية للحرب كانت مضللة أو كاذبة. وكانت النتيجة خسائر قُدرت (مقتل أكثر من 200 ألف عراقي، خسائر أمريكية تجاوزت 2 تريليون دولار، وانهيار الدولة العراقية، وتزايد تنظيمات متطرفة مثل داعش، عدم استقرار المنطقة لعقدينمن هنا تجلّى عدم تحويل "درس ميونيخ" إلى العقيدة السياسية؛ لأن العالم ليس نسخة جديدة من عام 1938.

ثالثا: هل تشبه إيران الرايخ الثالث؟

إن المقارنة بين إيران وألمانيا النازية تعاني من ضعف تحليلي واضح، فالرايخ الثالث كان مشروعاً توسعياً عالمياً قائماً على (التفوق العرقي واحتلال أوروبا بالقوة المباشرة ثُم إبادة جماعية منظمة فاقتصاد حرب صناعي ضخم). أما إيران، رغم سياساتها الإقليمية العدوانية ودعمها لجماعات مسلحة في المنطقة، فهي دولة إقليمية ذات قدرات محدودة نسبياً، محاصرة اقتصادياً، وتعاني من أزمات داخلية حادة، وهذا لا يعني تبرئة النظام الإيراني، بل يعني رفض المقارنة السطحية.

فالخطاب الذي يصور إيران كتهديد وجودي عالمي شبيه بالنازية يخدم غالباً أجندات سياسية أكثر مما يخدم الحقيقة، وهنا يظهر الدور الدعائي لخطابات ترمب والكذاب الأشر نتنياهو، الذي بنى جزءاً كبيراً من شرعيته السياسية على تضخيم "الخطر الإيراني".

رابعًا: السؤال الأهم.. هل فشلت الدبلوماسية بالكامل مع إيران؟. الجواب: لا.

لأن اتفاق عام 2015 النووي (JCPOA) لم يكن مثالياً، لكنه حقق نتائج فعلية وفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بخفض مخزون اليورانيوم المخصب وتقليص أجهزة الطرد المركزي وتوسيع عمليات التفتيش الدولية مع إبطاء الزمن اللازم لإنتاج سلاح نووي محتمل. وقد شهدت إيران بعد الاتفاق تحسناً اقتصادياً نسبياً، مع ارتفاع صادرات النفط إلى قرابة 2.5 مليون برميل يومياً بعد أن كانت قد انهارت سابقاً، غير أن انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق سنة 2018 أعاد التصعيد. لكن المفارقة المهمة أن سياسة "الضغط الأقصى" لم تُنهِ البرنامج النووي الإيراني، بل دفعت إيران لاحقاً إلى رفع نسب التخصيب بصورة أكبر، لتظهر المُشكلة الجوهرية في التحليل التبسيطي أن: (العقوبات والضغط قد يضعفان اقتصاد دولة، لكنهما لا يضمنان تغيير سلوكها السياسي أو الأمني).

خامسا: أنصار النهج الصارم الماسوني: فنقد نهج ترامب ونتنياهو

 في رأي أنصارهما أن: (إيران تستغل الدبلوماسية لكسب الوقت، وأن العقوبات ضرورية لردع المشروع النووي، وأي تراخٍ يشجع التوسع الإقليمي الإيراني)، وكُلها ليست حججاً عديمة الأساس بالكامل، لكن المشكلة أن هذا المعسكر يتجاهل تكلفة سياساته أيضاً إذ خلق ذلك: (توتراً إقليمياً غير مسبوق، سباق تسلح متصاعد، انهيار الثقة بالاتفاقات الدولية، تعميق الكراهية الشعبية للسياسات الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسطكما أن صورة "المنقذين الحازمين" التي يُراد تسويقها لهذين الزعيمين تتناقض مع واقع سياسي مضطرب داخلياً وخارجياً.

ففي عهد ترمب شهدت الولايات المتحدة استقطاباً داخلياً حاداً، وارتفاع للدين العام الأمريكي بشكل ضخم، ووقوع احتجاجات واسعة، كما تعرضت المؤسسات الديمقراطية الأمريكية لهزات خطيرة. أما حكومة نتنياهو فقد واجهت: (احتجاجات داخلية ضخمة، واتهامات بالفساد وانقسامات اجتماعية عميقة وانتقادات دولية متزايدة بسبب الحرب في غزة). ولذلك فإن تصويرهما باعتبارهما بطلين أو "طبيبين يعالجان العالم" هو سردية سياسية دعائية، بينما يرى كثيرون أنهما ساهمَا في إنتاج مزيد من الفوضى الإقليمية وهو ما تؤكده أفعالهما قبل أقوالهما.. في العراق ولبنان وسوريا وأفغانستان وليبيا.. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل المطلوب ردع إيران أم تدمير المنطقة كلها لمنع احتمال مستقبلي؟. المقاربة الأكثر اتزاناً ليست الاسترضاء المطلق، ولا الحرب المفتوحة، بل: (ردع ذكي، دبلوماسية مشروطة، رقابة دولية صارمة، منع التصعيد الإقليمي، معالجة جذور الأزمات السياسية والاقتصادية. فالمنطقة العربية دفعت أثماناً هائلة بسبب الصراعات الدولية.

وأخيراً: إن الحروب تبدأ حين يعتقد كل طرف أنه يملك الحقيقة المطلقة، وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الكاتب السياسي هو تحويل التاريخ إلى سلاح أيديولوجي، فالتاريخ ليس محكمة جاهزة لإدانة الخصوم، بل مرآة معقدة تكشف أخطاء الجميع. فليس كل خصم "هتلر جديد"، وليس كل اتفاقية "استرضاءً"، وليس كل حرب "إنقاذاً للعالم، بمعنى أن إيران ليست ألمانيا النازية، والغرب ليس ملاكاً أخلاقياً، وترامب ونتنياهو ليسا منقذين للعالم، لكن النظام الإيراني أيضاً ليس مشروع سلام بريئاً. والحكمة السياسية الحقيقية تبدأ حين نغادر منطق "الخير المطلق والشر المطلق"، وندرك أن العلاقات الدولية تُدار بالمصالح والقوة والتوازن، لا بالشعارات وحدها.

وقفة: "إن الطغاة يشبهون بعضهم في كل العصور؛ يظنون أنهم يكتبون التاريخ بدم الأخريين، فيكتشفون في النهاية أن التاريخ لم يذكرهم إلا في صفحات الخزي والعار."

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال