لماذا لم أكتب يوم إعلان النتائج؟ ولماذا "الترميدور"؟ حين انتهت أعمال المؤتمر الثامن لحركة فتح، وأُعلنت أسماء الفائزين بعضوية اللجنة المركزية، لم أهرع إلى لوحة المفاتيح لأكتب. ليس تردداً ولا تلبّساً لدور المتفرج، بل لأن ما جرى في ذلك المؤتمر لم يكن حدثاً إخبارياً عابراً يمكن اختزاله في قوائم الفائزين والخاسرين. كان زلزالاً صامتاً يحتاج من يقرأ الهزات الارتدادية، لا من يصف الغبار المتطاير.
ما كنتُ أسعى إليه لم يكن سبقاً صحفياً خالياً من تصورات المرحلة المقبلة. كنتُ - وما زلتُ - أبحث في الظل الأبعد: ماذا ستفعل هذه التوليفة التي نجحت؟ كيف يمكن أن تكون رافعة فعلٍ تعيد الثقة لجمهور فتح، ذلك الجمهور الذي أظهرته استطلاعات الرأي المتواترة والمستقلة في حالة تراجع وانكفاء؟ وما الذي يمكن أن تقدّمه قيادةٌ جديدةٌ لحركةٍ تُواجه انسحاباً عربياً متسارعاً نحو الاصطفافات الإبراهيمية، وتواطؤاً أميركياً بالتراجع عن مبدأ حل الدولتين، فيما ينقضّ الكيان على الاتفاقيات الموقعة بموافقة أو سكوت دولي، مانعاً أي أفق لقيام دولة فلسطينية؟ النتيجة واحدة في كل المسارات المطروحة إن لم تُنتج فتح من داخلها مشروعاً وطنياً هجومياً يستعيد زمام المبادرة، فإنها ستُستنزف حتى تذوب.
ولعل المصطلح الأكثر دقة لوصف ما تمر به فتح اليوم هو "الترميدور". فما الذي نعنيه به؟
الترميدور (Thermidor) ليس مجرد كلمة من التاريخ الفرنسي، بل أصبح في العلوم السياسية نموذجاً تحليلياً معروفاً. أصله يعود إلى شهر "ترميدور" في التقويم الثوري الفرنسي، حين حدث انقلاب 9 ترميدور عام 1794، الذي أطاح بروبسبير وجناحه الراديكالي، منهياً ما عُرف بـ"عهد الإرهاب". لكن الأهم من الانقلاب نفسه هو ما مثّله من تحول جذري تراجع الخطاب الثوري العالي لصالح البراغماتية، إحلال نخب الإدارة والتكنوقراط محل رموز الثورة الأولى، وإعادة تعريف الأولويات من "استكمال الثورة" إلى "إدارة الواقع". الثورة لم تُقمع من الخارج، بل أعادت إنتاج نفسها من الداخل على نحو بدّل وجهها.
هذا بالضبط ما نراه في فتح اليوم: الكاريزما التاريخية لرجال المرحلة الأولى لم تعد كافية، الخطاب الناري لم يعد مناسباً، والتوازنات الداخلية والخارجية تعيد تشكيل مراكز القوة وفق حسابات باردة لا تشبه حرارة البدايات. إنها لحظة الترميدور الفلسطيني، التي تستحق أن تُقرأ بعيداً عن التهنئة والتعزية، وبعيداً عن لغة "لم يحالفه الحظ".
ولكن، على عكس ترميدور الثورات الكبرى التي أُنجزت فيها الدولة، يأتي الترميدور الفتحاوي في ظل غياب الدولة، وفي وجه إعصار إقليمي ودولي يبتلع ما تبقى من القضية. وهنا مربط الفرس هل تكون هذه التوليفة مجرد مديري أزمة، أم تستطيع أن تتحول إلى رافعة فعلٍ يستعيد الثورة من فم الترميدور؟
هذا هو السؤال الذي يحاول المقال أن يفتحه، لا أن يغلقه.
بدايات حركة فتح صمود الهوية
في مطلع الستينيات، حين كانت القضية الفلسطينية مجرد ملف في أدراج الجامعة العربية، وحين كان الفلسطيني لاجئاً يحمل مفتاحاً صدئاً وينتظر ما تقرره العواصم العربية نيابة عنه، خرجت مجموعة من الشباب من قلب المخيمات والجامعات لتفعل ما كان مستحيلاً أن تخلق من العدم حركة وطنية فلسطينية خالصة، لا وصي عليها إلا أبناؤها.
لم تكن "فتح" منذ لحظتها الأولى مجرد تنظيم سياسي، بل كانت إعلاناً وجودياً. إعلاناً أن الفلسطيني موجود، وله صوت، وله بندقية، وله قرار. كان هذا التحدي صارخاً لمشروع تصفية الهوية الفلسطينية الذي بدأ منذ النكبة، واستمر عبر محاولات دمج الفلسطينيين في دول الشتات العربي ، أو تحويلهم إلى بطاقة لجوء دائمة تحت رحمة الأونروا، أو تذويبهم في مشاريع قومية عربية لا ترى في فلسطين إلا قضية حدود، لا شعباً وهوية.
خاضت "فتح" منذ ولادتها عام 1964 معارك وجودية متعددة الجبهات: ضد الاحتلال الإسرائيلي بالكفاح المسلح، وضد محاولات الوصاية العربية التي رأت في الحركة الوليدة تهديداً لاحتكارها تمثيل الفلسطينيين، وضد التذويب في المشاريع الإقليمية. تعرضت لضغوط هائلة كي تكون أداة في يد هذا النظام العربي أو ذاك؛ حاول جمال عبد الناصر احتواءها، وضغطت سوريا لاختراقها، ودفع العراق ثمناً لشراء قياداتها، وسعت الأردن إلى تدجينها ثم إلى سحقها. وفي كل مرة، كان الجواب الفتحاوي واحداً: "القرار الفلسطيني المستقل" ليس شعاراً، بل خط أحمر.
هذا الإصرار على استقلالية القرار هو الذي جعل "فتح" قادرة على قيادة منظمة التحرير، وإعلان الدولة، وخوض أوسلو، وبناء السلطة. وهو نفسه الذي يضعها اليوم أمام سؤالها الوجودي الأصعب: هل ما زالت "فتح" تحافظ على هذا الجوهر الاستقلالي، أم أن إدارة الحكم اليومي، وتعقيدات التنسيق الأمني، وإكراهات التمويل، أعادت إنتاج شكل جديد من الوصاية، هذه المرة من "الأمر الواقع" الذي يفرضه الاحتلال والعجز الدولي، مدعوماً بانسحاب عربي نحو مسارات التطبيع التي تتجاوز الحقوق الفلسطينية؟ هذا السؤال ليس أكاديمياً، بل هو مفتاح فهم كل ما جرى في مؤتمرها الثامن.
الزعيم الذي لم يعد يشبه المرحلة
في المطبخ الخلفي للثورات الكبرى، حيث تُطهى التحولات على نار هادئة، وحيث تسقط الأسماء الثقيلة ليس بالرصاص بل بصناديق الاقتراع أو بصمت الغرف المغلقة، تتشابه الحكايات إلى حد التطابق تقريباً. ما جرى لعباس زكي في مؤتمر فتح الثامن ليس مجرد تفاصيل داخلية لحركة فلسطينية، بل هو فصل جديد من كتابٍ عريض بدأت كتابته الثورات المتعاقبة منذ زمن.
في الحركات الثورية الكبرى، لا يسقط الرجال الكبار فجأة، ولا تغادر الأسماء الثقيلة المشهد التنظيمي صدفة. فخلف كل غيابٍ كبير حكايةٌ أعقد من مجرد أرقام في صندوق اقتراع. وحين نتحدث عن غياب اسمٍ بحجم عباس زكي عن اللجنة المركزية لحركة فتح، فنحن لا نتحدث عن كادر عادي، بل عن أحد الوجوه التي ارتبطت طويلاً بالخطاب الثوري التقليدي للحركة، وعن شخصية شكلت لسنوات جزءاً من الذاكرة السياسية والإعلامية والتنظيمية لفتح. الرجل الذي عُرف بخطابه الناري، وبحضوره الإعلامي الصاخب، وجد نفسه هذه المرة خارج دائرة القرار الأعلى.
الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها، أن حركة فتح تعيش اليوم واحدةً من أعقد مراحل إعادة تشكيل مراكز القوة داخلها. فالحركة التي قامت على إرث الثورة والكاريزما التاريخية، باتت اليوم تتحرك وفق حسابات أكثر براغماتية، وأكثر ارتباطاً بطبيعة المرحلة السياسية المقبلة، وبالاصطفافات الداخلية، والتوازنات الإقليمية، وشكل القيادة التي يُراد لها أن تدير المرحلة القادمة. وفي هذا المشهد، بدا عباس زكي وكأنه ينتمي - ولو جزئياً - إلى "المدرسة القديمة" في فتح؛ مدرسة الخطاب الثوري العالي، والحضور العاطفي، واللغة التي تُلهب الجماهير أكثر مما تُرضي غرف الحسابات السياسية الباردة.
لكن السياسة داخل التنظيمات الكبرى لا تُدار بالعاطفة وحدها. ثمة من كان يرى أن الرجل لم يعد منسجماً بالكامل مع إيقاع القيادة الجديدة، وأن تصريحاته المتكررة، وخروجه أحياناً عن اللغة السياسية المنضبطة، خلقا حالة من القلق لدى بعض مراكز النفوذ. ولعل النقطة الأكثر حساسية كانت في طبيعة خطابه خلال السنوات الأخيرة؛ فلم يكن صدامياً بالكامل تجاه حماس كما أراد البعض، ولم يكن جزءاً من خطاب التخوين الحاد الذي ساد في مراحل الانقسام، بل ظهر أحياناً بلغة أكثر مرونة، الأمر الذي فُسّر داخل بعض الأوساط التنظيمية باعتباره خروجاً عن النسق السياسي المطلوب.
كما أن بعض تصريحاته التي فُهم منها وجود تقاطعات غير مباشرة مع شخصيات خلافية مثل محمد دحلان، جعلت الرجل عرضةً لحالة مراقبة داخلية صامتة. وفي التنظيمات الكبيرة، لا تتم المحاسبة دائماً على الوقائع فقط، بل أحياناً على "الانطباعات"، وعلى شكل التموضع السياسي، وعلى الرسائل غير المباشرة التي يلتقطها أصحاب القرار.
لكن هل كان أعضاء المؤتمر وحدهم وراء سقوطه؟ ربما يكون ذلك جزءاً من الحقيقة وليس الحقيقة كلها. فالانتخابات داخل الحركات الكبرى ليست معزولة عن المزاج القيادي العام، ولا عن شبكات التأثير، ولا عن الرغبة في إعادة هندسة المشهد الداخلي لضمان قيادة أكثر انسجاماً مع المرحلة. ويبدو أن المؤتمر الثامن كان لحظة إعادة فرز داخلية حادة، سقطت خلالها أسماء تاريخية، وصعدت وجوه أخرى، في رسالة واضحة مفادها أن "الشرعية التاريخية" وحدها لم تعد تكفي للبقاء في قمة الهرم التنظيمي.
في الثورات التاريخية، هناك لحظة حرجة يتلاشى فيها ما يمكن تسميته بـ"الرأسمال الثوري" للفرد، أي ذلك الرصيد المتراكم من التضحيات والخطابات النارية والكاريزما، ويحل محله "الرأسمال المؤسساتي" القائم على القدرة على التكيف وإدارة التوازنات وإنتاج لغة سياسية لا تُحرج الدبلوماسية الهادئة. زكي، الذي ظل لصيقاً بمدرسة الخطاب الثوري العالي، وجد نفسه خارج هذه المعادلة الجديدة، تماماً كما وجد الدانتونيون أنفسهم خارج مشهد الثورة الفرنسية بعد أن انتقلت من مرحلة "الفضيلة والتطهير" إلى مرحلة "البراغماتية والاستقرار". الثورة تأكل أبناءها، كما قال دانتون نفسه وهو في طريقه إلى المقصلة، ولكنها في أحيان أخرى لا تأكلهم، بل تتركهم على هامش المشهد، بلا سلطة، وذاكرتهم مثقلة بأسئلة لا أحد يريد أن يسمعها.
الصمت الذي يسبق الاعتراف: قضية ناصر القدوة
في أفلام التشويق المُحكَم ، ليس أكثر ما يُرعب المشاهد هو صوت الانفجار، بل الصمت الذي يسبقه. ذلك الصمت الطويل الذي يجلس فيه الجميع حول الطاولة، كلٌ يعرف ما يحدث، وكلٌ يرى التشققات في الجدار، لكن لا أحد يمد يده ليقول: انتبهوا... البيت ينهار.
هكذا بدا ناصر القدوة في مقابلته الأخيرة على قناة "الغد". ليس كرجلٍ يكتشف الأزمة، بل كرجلٍ عرفها طويلاً ثم قرر الكلام متأخراً. في تلك المقابلة، لم يكن ناصر يتحدث كمعارض عابر، بل كرجل من داخل "عظام الحركة"، رجل يعرف: كيف كُتبت خرائط أوسلو، كيف تشكلت السلطة، كيف أُديرت المفاوضات، كيف تمددت مراكز القوة، كيف تراجع دور منظمة التحرير، وكيف تحولت "فتح" تدريجياً من حركة تحرر إلى بنية حكم تحت الاحتلال. وحين قال إن الانتخابات شابها الترهيب، وإن الديمقراطية غابت، وإن رئيساً بقي عشرين عاماً بلا انتخابات، لم يكن يقول أسراراً مجهولة. كان يؤكد ما يعرفه الناس، لكن بصوت رجلٍ يعرف أكثر من الناس بكثير.
وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية. المشكلة ليست فيما قاله ناصر، بل فيما لم يقله، وفي توقيت قوله. لأن الفلسطيني اليوم لا يبحث فقط عن وصف الأزمة، بل عن: من عرف؟ ومتى عرف؟ ولماذا صمت طويلاً؟
ناصر ليس شخصية هامشية داخل "فتح". هو ابن بيتها السياسي القديم، وابن مدرسة ياسر عرفات الدبلوماسية، وابن المطبخ الفلسطيني بكل تعقيداته. وحين فُصل من الحركة، كان كثيرون يعتقدون أن الرجل سيخوض معركة سياسية وفكرية حقيقية، ليس معركة مقاعد، بل معركة معنى.
لكن ذلك لم يحدث. حتى تجربته في القائمة الانتخابية للمجلس التشريعي، بدت أقرب إلى رد فعل سياسي على الإقصاء، أكثر من كونها مشروعاً طويل النفس لإعادة تعريف الحركة الوطنية. ثم عاد بعد حديث الرئيس عن "العفو"، لكن العودة نفسها بدت صامتة كغرفة مغلقة. لم يكتب مراجعة كبرى، لم يفتح نقاشاً عميقاً مع الكادر الفتحاوي، لم يحاول بناء تيار فكري داخل الحركة، ولم يتحول إلى صوتٍ علني يسأل: إلى أين تذهب "فتح"؟ وإلى أين تذهب السلطة؟ وما مصير منظمة التحرير؟ كأن الرجل ظل واقفاً داخل المسافة الرمادية: لا داخل المواجهة ولا خارجها.
وربما هنا تحديداً يظهر الفرق بين السياسي الذي يعرف، والسياسي الذي يقرر أن يقول. لأن المعرفة وحدها لا تكفي. الشارع الفلسطيني لم يكن يحتاج فقط إلى رجل يفهم ما يجري، بل إلى من يملك شجاعة الكلام قبل اكتمال المشهد. قبل المؤتمر لا بعده. قبل إعادة ترتيب البنية لا بعد تثبيتها.
في المقابل، بدا توفيق الطيراوي أكثر ضجيجاً؛ لوّح بملفات، هدد بكشف المستور، فتح أبواب الخوف داخل البنية نفسها. ورغم كل الجدل حوله، نجح في خلق شعور أن هناك من يريد أن يقول شيئاً. أما ناصر، فرغم ثقله السياسي والفكري، بقي يتحرك بلغة هادئة لا تشبه حجم الانهيار الفلسطيني الجاري. وهنا يشعر كثيرون بالحيرة: هل لا يستطيع أن يقول أكثر؟ أم لا يريد؟ أم أن أبناء البنية، مهما اختلفوا معها، يبقون أسرى حدودها النفسية والسياسية؟
لكن ظلم الرجل أيضاً سيكون خطأ. لأن ناصر ليس ابن مدرسة الانفجار، ولا ابن خطاب الحرق الكامل للمراكب. هو ابن مدرسة التوازنات، والعمل من داخل البنية، والإصلاح الهادئ، والحسابات الدقيقة. لكن المشكلة أن الزمن الفلسطيني نفسه لم يعد هادئاً. غزة تحترق، الضفة تُلتهم، منظمة التحرير تتآكل، السلطة تتراجع، والأجيال الجديدة تنظر إلى السياسة كلها بعين مختلفة تماماً. ولهذا لم يعد السؤال: هل يعرف القادة ما يحدث؟ بل: لماذا تأخروا في قول ما يعرفونه؟
كيف تتحول الثورات إلى إدارات؟
لفهم ما يجري داخل فتح، ينبغي إسقاط الضوء على المسار الذي سلكته كل الثورات الكبرى منذ بديات القرن الثامن عشر. هناك نموذج تاريخي شبه ثابت: الثورة تبدأ بحلم التحرر، ويقودها خطاب كاريزمي، ثم تدخل مرحلة بناء المؤسسات، ثم تتحول تلك المؤسسات تدريجياً إلى هياكل تحافظ على ذاتها، فيُعاد تعريف النجاح ليس بالإنجاز الوطني بل بضمان الاستمرارية. في هذه اللحظة، يحدث انزياح في مركز القوة: لم يعد السؤال "ماذا حققنا؟" بل "من يحكم ومن سيبقى؟".
لقد حدث هذا في الثورة الفرنسية (1789) حين تحولت من لجنة الأمن العام إلى حكومة المديرين، وفي الثورة البلشفية (1917) حين تحول الحزب الشيوعي من حركة عمالية مسلحة إلى جهاز دولة بيروقراطي، وفي الثورة المكسيكية (1910) حين أصبح الحزب الثوري المؤسساتي آلة حكم فقدت جذورها التحررية، وفي الصين حين تحول الحزب الشيوعي من حركة فلاحية إلى إدارة دولة رأسمالية الدولة، وفي جنوب أفريقيا حين تحول المؤتمر الوطني الأفريقي من محرر مانديلا إلى حزب حكم يُتهم بتآكل الأخلاق السياسية.
في كل هذه الحالات، خسر "أبناء المرحلة الأولى" مواقعهم ليس لأنهم خونة أو فاشلون، بل لأن أدواتهم صُممت لمرحلة لم تعد موجودة، ولغتهم لم تعد صالحة للتفاوض مع مرحلة تحكمها لغة المصالح والتوازنات، وليس لغة الحلم.
حركة فتح، التي خرجت من رحم فكرة تحرير فلسطين بالكفاح المسلح، وقادت مشروع الدولة عبر أوسلو، تعيش اليوم هذا المخاض التاريخي نفسه. سقوط عباس زكي لم يكن سقوطاً شخصياً بقدر ما كان تجسيداً لإعادة تشكيل معايير القوة الداخلية. لم يعد يكفي أن تكون "أبو علي" الذي هزّ المنابر، بل يجب أن تكون قادراً على قراءة خرائط النفوذ المتبدلة، وعلى احتواء الصراعات الصامتة، وعلى إنتاج خطاب لا يحرج قيادة تريد إدارة الأزمة لا تصعيدها. إنها لحظة "الترميدور" الفتحاوي، حيث يُستبدل المتطرفون بالمعتدلين، ليس بالضرورة في الفكر الوطني، بل في الطاقة التعبوية التي لم تعد مفيدة للاستقرار المنشود.
غير أن الأزمة تتفاقم لأن هذه العملية الداخلية تجري في ظل غياب مشروع وطني متفق عليه، وفي بيئة إقليمية ودولية معادية. في الثورات التاريخية، حتى حين تأكل الثورة أبناءها، كان هناك مشروع دولة يتشكل. أما في الحالة الفلسطينية، فإن إعادة إنتاج النخب تتم داخل سلطة بلا سيادة، في لحظة تنسحب فيها دول عربية نحو التطبيع، وتنقضّ فيها إسرائيل على الاتفاقيات الدولية بدعم أميركي، مانعةً أي أفق لإقامة دولة فلسطينية. فالتوليفة الجديدة في قيادة فتح لا تواجه فقط تحدي استعادة ثقة الجمهور المتراجع، بل تواجه مهمة مستحيلة: أن تكون رافعة فعلٍ وطني في زمنٍ صُمّم ليكون بلا أفق.
السؤال الذي لم يُسأل: هل تكون التوليفة رافعة فعل؟
هنا نصل إلى لبّ المسألة. ليست المشكلة في أن فتح أعادت إنتاج نخبها. المشكلة أن هذا يحدث في فراغ استراتيجي قاتل. استطلاعات الرأي المستقلة والمتواترة ترسم صورة قاتمة: تراجع في ثقة الجمهور الفلسطيني بفتح وبالسلطة وبالمنظمة. الانسحاب العربي المتسارع نحو الاتفاقات الإبراهيمية يعيد تعريف الأولويات الإقليمية بعيداً عن مركزية القضية الفلسطينية.
وفي واشنطن، تتآكل مرجعية حل الدولتين لصالح سياسة إدارة الأزمة أو دعم الضم الزاحف. وإسرائيل، من جانبها، تنقضّ على الاتفاقيات الموقعة، وتوسع الاستيطان، وتحسم عملياً أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية، بموافقة أميركية أو سكوت دولي النتيجة واحدة: إغلاق الأفق السياسي.
في ظل هذا المشهد، يبرز السؤال الذي تهربت منه أدبيات المؤتمر: ماذا في مقدور التوليفة الجديدة أن تفعل؟ هل تملك هذه الوجوه - التي نجحت بفعل التوازنات الداخلية - رؤيةً لمواجهة الانسحاب العربي؟ هل تستطيع أن تتحول من أداة لإدارة الأزمة إلى رافعة فعلٍ تستعيد ثقة الجمهور، وتواجه المشروع الإسرائيلي-الأميركي لتصفية القضية؟ أم أن مهمتها الأساسية ستبقى محصورة في إدارة الانقسام، وتأمين الرواتب، والتفاوض على تفاصيل الحياة اليومية تحت الاحتلال؟
نعود إلى ناصر القدوة. حين صمت طويلاً ثم قرر الكلام، كان يمكن أن يكون صوته أقرب إلى "شهادة من الداخل" تعيد تعريف المعركة من صراع على المواقع إلى صراع على المعنى. لكنه، كابن هذه البنية المعقدة، بدا كمن يريد الإصلاح دون أن يهدم البيت، والنقد دون أن يكسر المركب. وهذه معضلة قديمة: المصلح الذي يأتي من قلب المنظومة نادراً ما ينجح في تغيير قواعدها، لأنه سيبقى أسيراً لحدود تلك القواعد النفسية والسياسية.
لننظر إلى تروتسكي الذي حاول أن يشرح انحراف الثورة البلشفية فطُرد ونُفي وقُتل، لأن صوته جاء في زمن لم يعد فيه رفاقه مستعدين لسماع الحقيقة. القدوة يقف في المنطقة الرمادية نفسها: يعرف أن البيت تشقق، لكنه يخشى أن يصرخ "انتبهوا!" قبل أن يرضى أصحاب البيت بسماع الصوت.
ما نحتاجه الآن ليس مزيداً من الغضب، ولا مزيداً من التهاني، ولا بيانات النعي المتسرعة. ما نحتاجه فعلاً أن يبدأ قادة "فتح" وكوادرها ومثقفوها بكتابة شهاداتهم السياسية والتنظيمية بصدق وهدوء وشجاعة. لا نرجسية، ولا تصفية حسابات، ولا لغة البطولة المتأخرة. بل مراجعة حقيقية: كيف وصلنا إلى هنا؟ ماذا فعلت السلطة بالحركة؟ كيف تآكلت المنظمة؟ كيف أصبحت الانتخابات تُدار أكثر مما تُخاض؟ وكيف تحولت السياسة الفلسطينية من مشروع تحرر إلى إدارة طويلة للأزمة؟
لأننا مقدمون على استحقاقات أخطر من المؤتمر نفسه: انتخابات تشريعية، ورئاسية، ومجلس وطني، وربما إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني كله. وإذا لم تُفتح الأسئلة الآن، فستُعاد الأخطاء نفسها، لكن هذه المرة على مستوى القضية الوطنية كلها. وفي غياب رافعة فعل حقيقية، سيكون مصير التوليفة الجديدة هو مصير كل التوليفات التي سبقتها: إدارة الانتظار حتى يلتهمها الانتظار.
الخلاصة التي لا تُقال
في المشهد الأخير من الفيلم، لا يقف الفلسطيني اليوم أمام سؤال: من ربح المؤتمر؟ بل أمام سؤال أكثر قسوة: هل ما زال هناك من يملك شجاعة قول الحقيقة قبل أن يصبح الوطن كله مجرد خبر متأخر؟
ما يجري في فتح ليس أزمة تنظيمية عابرة، بل هو عرض من أعراض أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية برمتها، التي تدور حول ثلاثة أسئلة لم تُحسم منذ ثلاثة قرون من الثورات: متى تتحول وسيلة الحكم إلى غاية تحل محل هدف التحرر؟ كيف يحافظ الثائر على نقائه الثوري حين يصبح موظفاً في الدولة التي يديرها؟ ولماذا يظل الثوار السابقون عاجزين عن قول الحقيقة في توقيت يجعلها قادرة على التغيير، ولا يكتبونها إلا حين تصبح أدباً للماضي؟
عباس زكي خسر لأن "رأسماله الثوري" نضب في سوق تتطلب عملة سياسية باردة. ناصر القدوة تأخر في الكلام لأن من يعرف أكثر مما يقول، يظل حبيس معرفته تلك، يخشى أن يخسر موقعه في الجماعة أكثر مما يخشى أن تخسر الجماعة طريقها. والتوليفة الجديدة التي خرجت من رحم المؤتمر الثامن تقف على حافة الهاوية: إما أن تجد في ذاتها القدرة على التحول إلى رافعة فعل وطني يواجه الانسحاب العربي، والتواطؤ الأميركي، والاستفراد الإسرائيلي، وإما أن تكون مجرد غرفة انتظار أنيقة لمرحلة ما بعد القضية.
أما الحركة، فتواصل مسيرتها نحو الانتخابات والمجالس وإعادة الترتيب، بينما خارج أسوار القاعات المغلقة، يمضي الفلسطيني العادي في سؤاله اليومي الذي لا يحتاج إلى تنظير: هل من سبيل للخروج من هذا المدار التاريخي المغلق، حيث تتحول كل ثورة إلى إدارة، وكل ثائر إلى تكنوقراط، وكل حلم إلى بيان يُقرأ في مؤتمر قادم؟
مصادر التحليل
استند هذا التحليل إلى مجموعة من المصادر والمراجع التاريخية والسياسية، إضافة إلى الشهادات الحية والخطاب الإعلامي الراهن، ومن أبرزها:
1. كتابات التاريخ السياسي الفلسطيني: أعمال يزيد صايغ ("الكفاح المسلح والبحث عن الدولة")، بيان نويهض الحوت (حول نشأة منظمة التحرير)، ومذكرات المؤسسين الأوائل.
2. الأدبيات التنظيمية لحركة فتح: النشرة الداخلية "فلسطين الثورة"، وثائق المؤتمرات السابقة، كتابات أبو إياد (صلاح خلف) في "فلسطيني بلا هوية"، وأدبيات أبو جهاد حول التجربة الكفاحية.
3. نماذج من تاريخ الثورات العالمية: الثورة الفرنسية (1789)، الثورة البلشفية (1917)، الثورة المكسيكية (1910)، الثورة الجزائرية، ومسار المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا.
4. الخطاب الإعلامي والسياسي الراهن: مقابلة ناصر القدوة على قناة "الغد"، تصريحات توفيق الطيراوي، تقارير مراكز أبحاث فلسطينية (مركز مسارات، مدى الكرمل)، واستطلاعات الرأي العام الفلسطيني الصادرة عن المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية.
5. السياق الإقليمي والدولي: تحليلات وتقارير حول مسار الاتفاقات الإبراهيمية، الموقف الأميركي من حل الدولتين، والسياسات الإسرائيلية الاستيطانية والانقضاض على الاتفاقيات.







