23 يونيو 2026|القاهرة 28 °

تقدير موقف.. توازنات سويسرا الإقليمية والتصدع البنيوي في الائتلاف الإسرائيلي

لا يمكن قراءة أزمة الائتلاف الإسرائيلي الحالي، وما يصاحبها من حديث متزايد عن "فشل استراتيجي في الجبهة الشمالية"، بمعزل عن الديناميكيات الإقليمية الجارية في الغرف المغلقة في سويسرا. إن الانتقال الفجائي للمحادثات الأمريكية-الإيرانية من مستواها التقني إلى مستوى سياسي رفيع — مع إدراج ملف ترتيبات لبنان كبند رئيسي

بقلم: أخبار ومتابعات
منذ 5 ساعة
6 دقائق قراءة
10 مشاهدة
تقدير موقف.. توازنات سويسرا الإقليمية والتصدع البنيوي في الائتلاف الإسرائيلي

تقدير موقف.. توازنات سويسرا الإقليمية والتصدع البنيوي في الائتلاف الإسرائيلي

لا يمكن قراءة أزمة الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الحالي، وما يصاحبها من حديث متزايد عن "فشل استراتيجي في الجبهة الشمالية"، بمعزل عن الديناميكيات الإقليمية الجارية في الغرف المغلقة في سويسرا. إن الانتقال الفجائي للمحادثات الأمريكية-الإيرانية من مستواها التقني إلى مستوى سياسي رفيع — مع إدراج ملف ترتيبات لبنان كبند رئيسي — يمثّل متغيراً دولياً ضاغطاً يكشف حدود القوة العسكرية الإسرائيلية، ويعجل بتفجير التناقضات الكامنة داخل بنية الائتلاف الحاكم في تل أبيب.

أولا ميزان المصالح والأهداف في حراك سويسرا الإقليمي:

تتحرك الأطراف الفاعلة في مشهد سويسرا التفاوضي وفق حسابات متعارضة، يمكن اختزالها في المصفوفة التالية:
الطرف الفاعل | الهدف الاستراتيجي في ملف لبنان | الموقف من محادثات سويسرا | نقطة الضعف / الضغط الحالية |
| إسرائيل الائتلاف الحكومي | إبعاد خطر حزب الله عن الحدود وضمان عودة سكان الشمال بضمانات أمنية صارمة. | التوجس من إبرام صفقة تمنح إيران نفوذاً شرعياً وتكبل يد تل أبيب عسكرياً. | الانقسام الداخلي الخانق، والعجز عن الحسم العسكري المطلق دون كلفة وجودية. |
| *الولايات المتحدة | احتواء التصعيد، وتأمين ممرات التجارة، وصياغة "ستاتيكو" يمنع حرباً إقليمية شاملة. | عراب المحادثات؛ تسعى لإنجاز دبلوماسي يضمن هدوء جبهات الطاقة والملف النووي. | ضيق الوقت السياسي والحاجة الملحّة لتهدئة الأزمات الدولية قبل استحقاقات داخلية كبرى. |
| *إيران | تثبيت مكاسب "محور المقاومة"، ورفع العقوبات الاقتصادية، والاعتراف بدورها كلاعب رئيسي. | مستفيدة ومندفعة؛ تستخدم جبهة لبنان كأداة ضغط لتحسين شروطها التفاوضية. | الوضع الاقتصادي الداخلي وحاجة النظام لالتقاط الأنفاس عبر رفع جزئي للعقوبات. |

ثانيا تفكيك العمق الاستراتيجي للمأزق الإسرائيلي:

تتقاطع الأزمة الحالية عند ثلاثة أبعاد حاسمة تشكل مأزق القيادة الإسرائيلية:
.1 معضلة "التفاوض بالوكالة" والأمر الواقع
الخطورة في إعلان طهران عن تشكيل مجموعات عمل مشتركة مع واشنطن تشمل "ملف لبنان"، تكمن في أن الجبهة الشمالية لإسرائيل باتت تُناقش كجزء من سلة صفقات متكاملة النووي، العقوبات، النفوذ الإقليمي. هذا الاندماج الإقليمي للملفات يعني أن الترتيبات الأمنية على حدود إسرائيل قد تأتي كـ "مخرجات" لتوافق أمريكي-إيراني، وليس كفرض إرادة عسكرية إسرائيلية مباشر، مما يضعف قوة الردع ويجعل تل أبيب في موقف المتلقي لترتيبات دولية قد لا تلبي سقف طموحاتها الأمنية.
.2 الفشل الاستراتيجي في الشمال كمحرك للأزمة الداخلية
يعود الفشل الاستراتيجي في الجبهة الشمالية أساساً إلى غياب استراتيجية سياسية واضحة للخروج من مواجهة الاستنزاف
. الاعتماد المفرط على التكتيك العسكري المستمر دون أفق سياسي خلق حالة استنزاف طويلة الأمد؛ حيث لا يزال سكان الشمال نازحين، والاقتصاد هناك يعاني شللاً كاملاً. هذا الفراغ الاستراتيجي هو ما سمح للمبادرة الدبلوماسية الأمريكية-الإيرانية بأخذ زمام المبادرة وملء الفراغ الإقليمي.
.3 التصدع الائتلافي الحتمي
تعيش الحكومة الإسرائيلية حالة فصام سياسي بين جناحين:
* الجناح الأيديولوجي اليمين المتطرف: يرى في أي تراجع أو قبول بتسوية دبلوماسية استسلاماً للمحور الإيراني، ويهدد بتفكيك الحكومة فوراً إذا قبلت إسرائيل بصيغة لا تضمن سحق قدرات حزب الله.
* الجناح الواقعي القيادة السياسية والعسكريةl: يدرك حدود القوة العسكرية، ويعرف أن مواصلة الحرب في الشمال دون تنسيق كامل مع واشنطن هي مغامرة غير محسوبة العواقب قد تؤثر على إمدادات السلاح الحيوية.
ثالثاً: سيناريوهات تصدع وسقوط الائتلاف الحكومي
في ظل هذا الضغط المركب، تبرز جبهتان رئيسيتان لكيفية انتهاء عمر الائتلاف الحالي:
* السيناريو الأول: الانفجار من الداخل الانسحاب العقائدي
مع تبلور اتفاق سويسرا ودخول بنود جبهة لبنان حيز التنفيذ برعاية أمريكية، سيرفض اليمين المتطرف بن غفير وسموتريتش التسوية، ويقدم إنذاراً نهائياً بوجوب رفض الاتفاق ومواصلة الحرب. رفض نتنياهو لهذا الإنذار بسبب عدم قدرته على صدام مفتوح مع واشنطن سيؤدي إلى انسحاب هذا الجناح، وفقدان الحكومة أغلبيتها البرلمانية وسقوطها فوراً.

السيناريو الثاني: الانتحار الوقائي وحل الكنيست بقرار الائتلاف

لجوء نتنياهو لتفكيك الحكومة بنفسه للسيطرة على توقيت المعركة الانتخابية. مستغلاً التطور الإقليمي وقضايا القوانين الداخلية العالقة (مثل قانون تجنيد الحريديم)، قد يدفع الائتلاف نحو حل الكنيست والذهاب لانتخابات مبكرة، محولاً المعركة الدبلوماسية في سويسرا إلى مادة دعائية لليكود تحت شعار: "القائد الأقدر على الوقوف في وجه الاتفاقات السيئة".
رابعاً: القوى البديلة المرشحة للخلافة وهندسة "الوسط-اليمين"
تتحرك المعارضة الإسرائيلية حالياً عبر محاور جديدة لوراثة معسكر اليمين التقليدي، ويبرز هنا تكتل "معاً" بيحاد بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد كأبرز البدائل المطروحة.
*معادلة الاختراق الجماهيري لكتلة "معاً": يراهن التحالف على جذب شرائح اليمين الليبرالي والقومي المحبط من الليكود عبر طرح "اليمين الإداري والعقلاني" كبديل لـ "اليمين المسياني المتطرف"، متبنياً خطاباً أمنياً صارماً (عقيدة الأخطبوط ضد إيران) مع حلول حاسمة للملفات الداخلية مثل فرض التجنيد على الحريديم.

العقبات الاستراتيجية أمام البديل القادم:

رغم تصدر التحالف للاستطلاعات، إلا أنه يواجه عوائق بنيوية تحد من قدرته على إحداث انقلاب جذري:
.1"ضريبة لابيد": يمثل وجود يائير لابيد حاجزاً نفسياً كبيراً أمام ناخبي اليمين التقليدي الذين يصنفونه كرمز لـ "اليسار المدني"، مما يجعل التحالف ينجح في إعادة تدوير أصوات المعارضة الحالية أكثر من قضم كتلة الليكود الصلبة.
. 2 معضلة التبعية لواشنطن: إذا فرض اتفاق سويسرا تهدئة لا تحقق شروط الردع الكاملة، سيجد التحالف نفسه ممزقاً بين دعم التوجه الأمريكي لحماية العلاقات الاستراتيجية مما يظهره ضعيفاً أمنياً، أو رفضه والوقوع في ذات الفخ الائتلافي الحالي.


خلاصة واستشراف

 


إن أزمة الحكم في إسرائيل تتجاوز الخلافات الحزبية الاعتيادية ، لتصل إلى عجز بنيوي عن الموازنة بين الأيديولوجية السياسية للائتلاف والواقعية الدولية المفروضة من الخارج.
لقد أصبحت محادثات سويسرا بمثابة النقيض الدولي للأطروحة العسكرية الإسرائيلية؛ فطهران تفاوض لربط الجبهات وفك عزلتها، بينما تجد تل أبيب نفسها أمام جبهة مستنزفة عسكرياً وعاجزة سياسياً عن الانخراط في التسوية دون المغامرة بتفكيك ذاتها من الداخل. المشهد يتجه متسارعاً نحو إعادة صياغة الخارطة الحزبية الإسرائيلية، حيث ستكون هوية "الحكومة القادمة" محكومة بمدى قدرتها على التكيف مع الشرق الأوسط الجديد الذي يُعاد رسم ملامحه في سويسرا.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال