في خطوة مفاجئة تهدد بإعادة العالم إلى أجواء الحرب الباردة، أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الخميس الجيش الأمريكي باستئناف اختبارات الأسلحة النووية فورًا، بعد انقطاع استمر 33 عامًا، وذلك قبل دقائق فقط من لقائه المرتقب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في مدينة بوسان الكورية الجنوبية.
لماذا يهم الأمر؟
يمثل هذا القرار أخطر تحول في السياسة النووية الأمريكية منذ التسعينات، إذ يُنذر بسباق تسلح جديد بين القوى العظمى، في وقت تتزايد فيه التوترات مع روسيا والصين. كما يعيد القرار فتح ملف تجميد التجارب النووية الذي ظل أحد ركائز الاستقرار الاستراتيجي العالمي لما يزيد على ربع قرن.
ما الذي يحدث؟
أعلن ترامب قراره عبر منصة "تروث سوشيال" أثناء وجوده على متن طائرة "مارين وان" متجهًا إلى لقاء نظيره الصيني، قائلاً إنه أصدر تعليماته لوزارة الحرب (كما وصفها هو) ببدء اختبار الترسانة النووية الأمريكية على "أساس متكافئ" مع بقية القوى النووية. وكتب ترامب: "نظرًا لبرامج التجارب التي تنفذها الدول الأخرى، فقد أمرت وزارة الحرب ببدء اختبار أسلحتنا النووية على قدم المساواة، وستبدأ العملية فورًا".
وأضاف في منشوره أن "روسيا تأتي في المرتبة الثانية، والصين متأخرة جدًا، لكنها ستلحق بنا خلال خمس سنوات". وبعد وقت قصير، ذكرت وكالة "ريا نوفوستي" الروسية أن نائبًا بارزًا في البرلمان الروسي وصف الخطوة بأنها "بداية حقبة جديدة من المواجهة المفتوحة وعدم القدرة على التنبؤ". أما الخارجية الصينية، فقد دعت واشنطن إلى احترام التزاماتها بوقف الاختبارات النووية، والحفاظ على التوازن الاستراتيجي العالمي.
ما وراء الكواليس:
لم يتضح على الفور ما إذا كان ترامب يقصد استئناف التجارب النووية الانفجارية، التي تشرف عليها إدارة الأمن النووي الوطنية، أم أنه يشير فقط إلى اختبارات الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية. فمنذ أكثر من 25 عامًا، لم تنفذ أي قوة نووية – باستثناء كوريا الشمالية – أي تجربة انفجارية.
وفي تصريحات لاحقة خلال عودته إلى واشنطن على متن "إير فورس وان"، قال ترامب إن الاختبارات ضرورية لضمان تفوق بلاده على خصومها النوويين، مضيفًا: "طالما أن الآخرين يقومون بالتجارب، فمن المناسب أن نفعل نحن أيضًا". وأوضح أن مواقع التجارب ستُحدد لاحقًا.
ما الذي يدفع قرار ترامب؟
يرى مراقبون أن إعلان ترامب يأتي كرد مباشر على التوسع السريع في الترسانة النووية الصينية خلال السنوات الأخيرة، وكذلك بعد إعلان موسكو عن اختبار ناجح لصاروخ كروز نووي يعمل بالطاقة النووية، وطوربيد نووي قادر على اجتياح السواحل بأمواج إشعاعية مدمرة.
وأشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن إلى أن الصين ضاعفت ترسانتها النووية من 300 رأس في عام 2020 إلى نحو 600 رأس في 2025، بينما تتوقع التقديرات الأمريكية أن تتجاوز الألف رأس بحلول عام 2030. وفي عرض عسكري في سبتمبر الماضي، كشفت بكين عن خمس قدرات نووية قادرة على الوصول إلى عمق الأراضي الأمريكية.
أما الولايات المتحدة، وفق "جمعية الحد من التسلح" في واشنطن، فتملك نحو 5225 رأسًا نوويًا، مقابل 5580 لدى روسيا.
نظرة قريبة:
جاءت تصريحات ترامب بعد يوم واحد فقط من إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نجاح اختبار طوربيد "بوسيدون" النووي فائق القدرة، الذي يمكنه – بحسب المحللين – إحداث موجات مشعة عملاقة قادرة على تدمير مدن ساحلية بأكملها. كما أجرى بوتين في أكتوبر اختبارات لصاروخ "بوريفيستنيك" النووي ومناورات إطلاق نووي واسعة، في رسالة ردع واضحة للغرب.
وفي المقابل، حاول ترامب التقليل من المخاوف بشأن التصعيد النووي، قائلاً للصحفيين: "أسهمنا النووية آمنة تمامًا"، مضيفًا أنه يرحب بـ"نزع السلاح النووي" إذا وافقت روسيا والصين على ذلك. وأوضح: "نحن في حوار مع روسيا، ويمكن إضافة الصين إلى هذه المناقشات إذا اتفقنا على خطوات عملية".
ما يقولونه:
ردود الفعل على إعلان ترامب جاءت حادة وسريعة. فقد أعلنت النائبة الديمقراطية من نيفادا دينا تايتوس عبر منصة "إكس" أنها ستقدم مشروع قانون لوقف القرار. فيما وصف داريل كيمبال، مدير "جمعية الحد من التسلح"، تصريحات ترامب بأنها "مضللة ومنفصلة عن الواقع"، مؤكّدًا أن الولايات المتحدة لا تملك أي مبرر تقني أو عسكري أو سياسي لاستئناف التجارب الانفجارية بعد 1992.
وقال كيمبال إن العودة للاختبارات ستستغرق ما لا يقل عن 36 شهرًا لاستكمال التحضيرات في موقع نيفادا القديم، محذرًا من أن الخطوة قد تؤدي إلى "تفاعل نووي متسلسل" من التجارب المضادة لدى الخصوم، وتمزق معاهدة حظر الانتشار النووي.
نظرة أوسع:
منذ التسعينات، التزمت القوى النووية الكبرى – باستثناء كوريا الشمالية – بتجميد التجارب الانفجارية. وكانت التجربة الأخيرة لواشنطن عام 1992، تلتها الصين عام 1996، بينما نفذت موسكو آخر اختبار مؤكد عام 1990. أما بيونغ يانغ فقد أجرت تجربتها الأخيرة عام 2017.
ويُذكر أن الولايات المتحدة دشّنت العصر النووي في يوليو 1945 بتجربة أول قنبلة ذرية في "ألاموغوردو" بولاية نيو مكسيكو، قبل أن تُلقي قنبلتين على هيروشيما وناجازاكي في أغسطس من العام نفسه، لتفرض على اليابان الاستسلام في الحرب العالمية الثانية.
الواقع:
قرار ترامب باستئناف التجارب النووية لا يمثل مجرد خطوة عسكرية، بل يعكس تحوّلًا سياسيًا واستراتيجيًا كبيرًا يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ويهدد بإطلاق سباق تسلح نووي جديد بين واشنطن وموسكو وبكين. وفي ظل غياب أي اتفاق جديد للحد من الأسلحة، يبدو أن العالم يدخل مرحلة أكثر هشاشة، حيث يمكن لقرار واحد صادر من واشنطن أن يبدّد ثلاثة عقود من الجهود الدولية لضبط التسلح النووي.










