في تقرير نشره موقع News1 الإسرائيلي، وصف خبراء عسكريون وأكاديميون الوضع الأمني الإسرائيلي بأنه الأخطر منذ تأسيس الكيان، محذرين من تصاعد التهديدات القادمة من ثلاث جبهات رئيسية: إيران، تركيا، ومصر. وأجمع المشاركون في النقاش على أن الجيش الإسرائيلي فشل فشلًا ذريعًا في اختبار 7 أكتوبر 2023، ما كشف عن ضعف بنيوي في القيادة العسكرية والسياسية، وأدى إلى أزمة ثقة داخلية غير مسبوقة.
جاءت هذه التحذيرات خلال الجزء الثاني من ندوة فكرية عسكرية نظمها مهندسون وخبراء إستراتيجيون في تل أبيب، ناقشوا فيها التهديدات العسكرية المتصاعدة على كيان الاحتلال، وسبل إصلاح جيش الاحتلال بعد الانكشاف الكامل في حرب غزة. واعتبر المشاركون أن إصلاح الجيش لم يعد خيارًا بل ضرورة وجودية، بعدما "فشل في اختبار البقاء" يوم السابع من أكتوبر.
انهيار داخل المؤسسة
اللواء احتياط أمتسياه حن، أحد أبرز خبراء الاستخبارات السابقين، وجّه انتقادًا قاسيًا إلى وزارة الحرب الإسرائيلية قائلًا:
"في السنتين الأخيرتين، أظهرت الوزارة نقصًا حادًا في الاحترافية ومستوى إداريًا متدنّيًا للغاية".
وأشار حن إلى أن المؤسسة العسكرية أصبحت بيروقراطية متضخمة تفتقر إلى المهنية والابتكار، وهو ما انعكس على أداء وحدات الجيش في غزة والحدود الشمالية. وأضاف أن سلسلة الإخفاقات المتراكمة "لا يمكن تفسيرها إلا بانفصال القيادات العليا عن الواقع الميداني".
أما المهندس العسكري تسيفي فاينبرغر فحذر من "تصاعد التهديدات من إيران وتركيا ومصر"، داعيًا إلى بناء منظومات دفاع جديدة على طول الحدود الجنوبية والغربية. وأكد أن سيناء قد تعود لتشكّل "جبهة رخوة" في حال استمرار الإهمال، وأن إسرائيل باتت محاطة ببيئة عدائية متغيرة بسرعة.
أزمة قيادة وثقافة
من جانبها، شددت الدكتورة عدنا فشر على أن جوهر الأزمة ليس عسكريًا فقط بل تنظيمي وثقافي، قائلة:
"لكي نصل إلى جودة تنظيمية حقيقية، يجب إزالة الخوف من داخل المؤسسة الأمنية وتشجيع الحوار الحرّ".
وأوضحت أن داخل الجيش الإسرائيلي بدأت تتشكل مجموعات بحثية عفوية من ضباط ميدانيين يسعون لاستخلاص الدروس بعيدًا عن البيروقراطية الرسمية، في إشارة إلى غياب قنوات النقد الذاتي داخل المنظومة. واعتبرت فشر أن "إدارة الخوف داخل المؤسسة" أخطر من العدو الخارجي، لأنها تُنتج طاعة عمياء وقرارات كارثية.
أما البروفيسور إليشع هاس، فدعا إلى إقامة شراكة وطنية داخلية تمنع الانقسامات السياسية أثناء الحروب الخارجية، محذرًا من أن الصراعات الأيديولوجية في زمن الحرب "تُضعف الجبهة الداخلية أكثر من أي تهديد خارجي".
فقدان الاستقلال الإستراتيجي
الخبير السياسي موشيه برينت تناول بعدًا آخر للأزمة، مؤكدًا أن "إسرائيل ليست دولة تابعة لأمريكا"، وأن الاعتماد المفرط على الدعم الأمريكي يضعف القرار الإستراتيجي المستقل. وأضاف أن واشنطن تستخدم المساعدات العسكرية كورقة ضغط لتوجيه السياسة الإسرائيلية، ما جعل تل أبيب "تفقد توازنها الذاتي بين المصالح الأمريكية والأمن القومي".
في السياق نفسه، طالب المحامي يوناتان بوتاح بـ"منع دخول صحيفة هآرتس اليسارية إلى الجيش"، وإلغاء ما يُعرف بـ"المدونة الأخلاقية" التي وضعها الفيلسوف أسا كيشير، معتبرًا أن "الجيش بحاجة إلى عقيدة أمنية صلبة، لا إلى فلسفة أخلاقية تُربك الجنود في الميدان".
ويعكس هذا الموقف عمق الانقسام الداخلي بين التيارين اليميني والعلماني حول هوية الجيش ودوره السياسي.
إيران.. العدو الأول
رأى المشاركون أن إيران تمثل التهديد الأكبر لإسرائيل حاليًا، سواء من خلال برنامجها النووي أو شبكات حلفائها في المنطقة. فبحسب التقرير، تواصل طهران تطوير صواريخ دقيقة وطائرات مسيّرة قادرة على ضرب أهداف إسرائيلية من مسافات بعيدة، فيما يوسّع "الحرس الثوري" نفوذه عبر وكلائه في لبنان والعراق واليمن وسوريا.
وأشار التقرير إلى أن الهجوم الصاروخي الإيراني في أبريل 2024، الذي استهدف مواقع إسرائيلية مباشرة، كان تصعيدًا غير مسبوق في تاريخ العداء بين الطرفين. كما حذّر فاينبرغر من أن "إيران لم تعد تكتفي بالحرب بالوكالة، بل تمارس ردعًا مباشرًا يقيّد حركة الجيش الإسرائيلي".
تركيا.. لاعب عدواني
أما تركيا، فوصفتها الندوة بأنها "الخصم الأكثر نشاطًا في الجبهة الدبلوماسية والعسكرية على حد سواء". وأوضح المشاركون أن سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان أصبحت أكثر عدوانية تجاه إسرائيل، خصوصًا بعد حرب غزة، إذ عززت أنقرة علاقاتها مع دول معادية لتل أبيب ودعمت حركات إسلامية تعتبرها إسرائيل تهديدًا لأمنها القومي.
وأشار التقرير إلى أن تركيا وسّعت انتشارها العسكري في شرق المتوسط، وأنها تستخدم الملف الفلسطيني كورقة نفوذ إقليمي، ما يضاعف التوتر في البحر المتوسط ويهدد مصالح إسرائيل الغازية والبحرية.
مصر.. الحليف المقلق
على الرغم من استمرار اتفاقية السلام الموقعة منذ عام 1979، عبّر بعض الخبراء عن قلق متزايد من السلوك المصري في سيناء. وأشار فاينبرغر إلى أن إسرائيل ترصد منذ شهور "تحركات غير اعتيادية" على الحدود، ومخاوف من تهريب أسلحة باستخدام طائرات مسيّرة.
كما لفت التقرير إلى أن التقارب المصري المتزايد مع روسيا والصين أثار مخاوف داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي ترى فيه تهديدًا للتوازن الإستراتيجي في المنطقة. وأكد أحد المتحدثين أن "القاهرة باتت تتصرف كقوة إقليمية مستقلة لا كحليف مضمون"، وهو ما يفرض على تل أبيب إعادة حساباتها الأمنية في الجنوب.
7 أكتوبر.. صدمة التاريخ
اعتبر المشاركون جميعًا أن هجوم 7 أكتوبر 2023 كان نقطة تحوّل كبرى في تاريخ الجيش الإسرائيلي. فقد كشفت العملية عن ثغرات استخباراتية فادحة، وانهيار منظومة الإنذار المبكر، وفشل القيادة السياسية والعسكرية في التنسيق.
وأظهرت التحقيقات الأولية أن وحدات الجيش كانت "تعمل وفق تصوّر زائف عن قدراتها"، وأنها لم تكن مستعدة لمواجهة هجوم بهذا الحجم. ومنذ ذلك اليوم، تعيش إسرائيل أزمة هوية عسكرية وسياسية غير مسبوقة، وسط دعوات متزايدة لإصلاح شامل في بنية الجيش ومؤسساته.
أزمة ثقة داخلية
يخلص التقرير إلى أن إسرائيل اليوم تواجه عاصفة تهديدات متعددة الجبهات، بينما تنهار ثقة الجمهور في جيشها وقيادتها. ويقول أحد الخبراء المشاركين: "السؤال لم يعد هل ستحدث حرب جديدة، بل هل الجيش الإسرائيلي جاهز لها أصلًا؟".
وفي ختام الندوة، دعا المنظمون إلى "مراجعة شاملة لعقيدة الأمن القومي الإسرائيلي"، وإلى كسر حاجز الصمت داخل المؤسسة العسكرية، محذرين من أن استمرار الإنكار "قد يجعل 7 أكتوبر حدثًا يتكرر في صور مختلفة".










