يُظهر المسار المتسارع للأحداث حول طلب العفو الذي قدمه بنيامين نتنياهو للرئيس إسحق هرتسوغ حجم المأزق السياسي والقضائي الذي يواجهه رئيس وزراء الاحتلال في هذه المرحلة. فبحسب تحليل نتعئيل بندل في صحيفة يديعوت، جاء الطلب بعد أكثر من خمس سنوات على بدء المحاكمة، وبعد رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى هرتسوغ، بما يعكس تنسيقًا سياسيًا محكمًا هدفه انتشال نتنياهو من محاكمة تتداعى عليه من كل الجهات. ويشير بندل إلى أن نتنياهو حاول تبرير طلبه بالقول إن استمرار المحاكمة “يمزّق المجتمع من الداخل”، وهي حجة تتجاهل عمداً مسؤوليته المباشرة عن الانقسام الكبير داخل المجتمع الإسرائيلي منذ سنوات.
وفي المقابل، يصف غيدي فايس في هآرتس اللحظة بأنها “الأصعب” على المتهم رقم واحد، بعدما كشفت جلسات الأسابيع الأخيرة تناقضات واسعة في ملفي 1000 و4000، ما جعله عالقًا في شبكة تتشابك فيها الشهادات والأدلة. ويؤكد فايس أن القراءة الدقيقة للنصوص والمضامين في المحكمة تُظهر أنه لا توجد قوة قادرة على إنقاذ نتنياهو من الإدانة في عدد من الجرائم، ما يفسر هرولته نحو العفو بوصفه محاولة التفاف واضحة.
ملفات فساد ثقيلة
تُظهر تفاصيل الملفات الثلاثة—1000، 2000، 4000—حجم السلوك الفاسد الذي مارسه نتنياهو على مدى سنوات. فبحسب يديعوت، تحصل نتنياهو على هدايا بمئات الآلاف من الشواكل من رجال أعمال مقربين، بينهم أرنون ميلتشن وجيمس باكر، مقابل إجراءات رسمية يعود أثرها مباشرة عليهم. كما تضمنت الملفات تدخله لصالح شاؤول إلوفيتش مقابل تغطية إعلامية إيجابية في موقع “واللا”، في واحدة من أكبر قضايا تضارب المصالح في تاريخ إسرائيل.
أما هآرتس فتؤكد أن التحقيقات الأخيرة فاقمت تورط نتنياهو، بعدما ظهرت أدلة تضرب معظم دفوعه السابقة، خصوصًا في الملفين 1000 و4000، ما جعل صورته القضائية في أسوأ حالاتها. ويرى فايس أن مناسبات كهذه كان يُفترض أن تدفع نتنياهو إلى إقرار بالذنب، لكنه رفض ذلك لأنه سيدفع ثمنًا سياسيًا حتميًا، بما يهدد مستقبله بالكامل.
مناورة العفو السياسي
يتفق الكاتبان على أن طلب العفو ليس إجراءً قانونيًا طبيعيًا، بل خطوة سياسية محسوبة تحاول التحايل على مسار قضائي يكاد يصل إلى نهايته. ويشير بندل في يديعوت إلى أن العفو هو أداة استثنائية تُمنح بعد انتهاء الإجراءات القانونية، وليس أثناءها، ما يجعل طلب نتنياهو سابقة شبه فريدة، لا تحدث إلا في ظروف استثنائية جدًا. ويستشهد بندل بقضية “خط 300” في ثمانينيات القرن الماضي، عندما مُنح عفوٌ استثنائي لعملاء الشاباك قبل إتمام التحقيق، وهو المثال الوحيد الذي يمكن مقارنته بما يطلبه نتنياهو اليوم.
أما فايس في هآرتس فيصف طلب نتنياهو بأنه “عملية تحايل وقحة”، لأن رئيس الوزراء لا يعترف بأي مسؤولية ولا يعتذر ولا يقبل بأي ثمن سياسي أو قانوني، بل يقدم نفسه ضحية لـ"منظومة قضائية مجرمة" وفق تعبيره. ويرى فايس أن محاولة نتنياهو تصوير نفسه مصلحًا اجتماعيًا يسعى إلى “رأب الصدوع” ليست سوى إعادة تدوير لخطاب التضليل، لأن الرجل هو نفسه الذي فجّر المجتمع الإسرائيلي خلال العقد الأخير، وجرّه إلى انقسام غير مسبوق.
دور هرتسوغ في الأزمة
يثير الدور الذي يلعبه الرئيس إسحق هرتسوغ شبهات واسعة، وفق ما يعرضه فايس في هآرتس، الذي يشير إلى أن الرئيس كان منشغلاً بموضوع العفو منذ قبل انتخابه، وأنه أبدى استعدادًا واضحًا لمنح نتنياهو هذا المخرج. وتكشف الصحيفة أن هرتسوغ التقى الشاهدة الرئيسية هداس كلاين وناقش معها تفاصيل الملف بعيدًا عن الإجراءات المتبعة، ما جعل تدخله أقرب إلى انحياز مسبق لصالح نتنياهو.
وفي يديعوت، يبيّن بندل أن عملية العفو تمر بسلسلة طويلة من الآراء القانونية داخل وزارة العدل ومكتب الرئيس، لكنها في النهاية تمنح هرتسوغ سلطة اتخاذ القرار النهائي. ويطرح السؤال الأخطر: هل سيجرؤ الرئيس على اتخاذ خطوة تدمر ثقة الجمهور بجهاز القضاء، خصوصًا في ظل حرب قائمة وانقسامات عميقة داخل إسرائيل؟
تداعيات ما بعد العفو
يحذر بندل في يديعوت من أن العفو، إن تحقق، سيُستخدم خلال محاكمة المتهمين الآخرين، حيث ستتحول شهادة نتنياهو إلى دليل حاسم قد يسرّع إدانتهم. كما يُرجّح أن يُفتح الباب أمام صفقات إقرار بالذنب مع بعضهم، بعد أن تسقط الحماية السياسية التي كانوا يستندون إليها.
أما فايس في هآرتس فيرى أن أخطر ما في العفو هو الرسالة السياسية التي يرسلها: أن أصحاب الامتيازات يمكنهم تحطيم مؤسسات الدولة والهرب من العدالة بمجرد امتلاك ما يكفي من النفوذ. ويؤكد أن هذه السابقة ستترك أثرًا طويلًا في المؤسسات الإسرائيلية، التي تعيش أصلًا حالة تراجع خطيرة منذ سنوات نتنياهو المتواصلة في الحكم.
أزمة نظام لا أزمة فرد
يتفق المقالان على أن نتنياهو لا يطلب عفوًا لنزع فتيل أزمة سياسية، بل لأنه يدرك أن انهياره الشخصي سيقود إلى انهيار الشبكة التي بناها. ويشير فايس إلى أن الرجل يريد العفو كي “يتفرغ لإدارة الدولة”، بينما الحقيقة أنه يسعى للعودة إلى التدخل في القضاء والإعلام—أي العودة إلى مسرح الجريمة الأصلية.
ويظهر تحليل يديعوت أن نتنياهو يدرك أن ملف 1000 لا يزال متماسكًا، وأن خروجًا مشرفًا عبر صفقة إقرار بالذنب لم يعد ممكنًا، لذلك لجأ إلى المسار السياسي المباشر عبر الرئيس. ومع التوترات الداخلية والحرب المستمرة، يحاول نتنياهو تقديم طلبه كجزء من “مصلحة وطنية كبرى”.









