سوريا تشهد عودة لافتة للصحافة الورقية، في خطوة تعكس تحولات الإعلام في مناطق النزاع، حيث تسعى المؤسسات الرسمية والمستقلة إلى إعادة بناء الثقة مع الجمهور عبر الورق، رغم هيمنة الإعلام الرقمي وتحديات الطباعة.
الصحافة الورقية تعود في زمن الصراع
في مشهد غير مألوف في عصر الرقمنة، أعلنت صحيفة الثورة السورية الحكومية عودتها إلى الطباعة الورقية مطلع ديسمبر 2025، لتشكل علامة فارقة في المشهد الإعلامي السوري. مدير عام الصحيفة خالد الخلف أكد أن المجتمع السوري لا يزال ينظر إلى الصحيفة الورقية كجزء من الذاكرة الثقافية، وأن العودة إلى الورق تمثل محاولة لإحياء العلاقة التقليدية بين القارئ والمطبوع.
وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى أوضح في افتتاحية العدد الأول أن الإعلام الرقمي، رغم انتشاره، ترك آثارًا سلبية على جوهر الصحافة ووعي الجمهور، مشيرًا إلى أن "الخوارزميات وانتشار ثقافة التصفح السريع انتزعت من الناس خيار الانتقاء الواعي".
مبادرات مستقلة: نينار برس نموذجًا
لم تقتصر العودة إلى الورق على المؤسسات الرسمية، إذ أصدرت صحيفة نينار برس المستقلة أول عدد ورقي لها في نوفمبر 2025، لتصبح أول مطبوعة أسبوعية مستقلة ترى النور بعد سنوات من توقف الطباعة. رئيس تحرير الصحيفة محمد كساح أكد أن هذه الخطوة تحمل رسالة بأن الصحافة الورقية لا تزال قادرة على تقديم شيء جديد، رغم التحديات الكبيرة المرتبطة بالكلفة والانتشار المحدود.
هذه المبادرات تعكس رغبة متزايدة لدى الصحفيين السوريين في استعادة أدوات تقليدية للتأثير، وسط هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت المصدر الأول للمعلومات.
قانون جديد للإعلام ومدونة سلوكيات
وزارة الإعلام السورية أعلنت نهاية نوفمبر 2025 عن قانون جديد للإعلام يتضمن إعادة تنظيم العمل الصحفي وإطلاق "مدونة سلوكيات مهنية" لضمان التزام المؤسسات الإعلامية بالمعايير الأخلاقية. الوزير حمزة المصطفى شدد على أن القانون الجديد يهدف إلى دعم الانتقال السياسي وتعزيز الشفافية، مشيرًا إلى أن إعادة الصحف الورقية جزء من مشروع أوسع لإعادة صياغة الإعلام السوري.
كما تستعد الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لإطلاق مشروع SyriaSAT عبر نظام بث رقمي متطور، في خطوة تعكس مزيجًا بين العودة إلى الورق والانفتاح على التكنولوجيا الحديثة.
الإعلام في مناطق النزاع: بين الورق والرقمنة
عودة الصحافة الورقية في سوريا تمثل نموذجًا لتغير الإعلام في مناطق النزاع، حيث يسعى الصحفيون إلى إعادة بناء الثقة مع الجمهور عبر أدوات تقليدية، في وقت تتعرض فيه المنصات الرقمية لانتقادات بسبب التضليل وسرعة تداول الأخبار غير الموثوقة.
كما أن الورق يمنح القارئ إحساسًا بالثبات والموثوقية، كما أن الرقمنة توفر سرعة الوصول وانتشارًا واسعًا، لكنها تفتقر أحيانًا إلى العمق والتحقق، وهذا التوازن بين الورق والرقمنة يعكس محاولة الإعلام السوري التكيف مع واقع معقد، حيث الحرب والعدوان المستمر من قبل الاحتلال الإسرائيلي والكيان الصهيوني يفرض تحديات إضافية على المشهد الإعلامي، ويجعل من الصحافة أداة مقاومة ثقافية بقدر ما هي وسيلة إخبارية.
ورغم الحماس لعودة الصحافة الورقية، تواجه هذه التجربة عدة تحديات:
• ارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع مقارنة بالإعلام الرقمي.
• ضعف القدرة الشرائية للجمهور في ظل الأزمة الاقتصادية.
• محدودية الانتشار في المناطق المتضررة من النزاع.
ومع ذلك، يرى القائمون على هذه المبادرات أن الورق يمثل قيمة رمزية وثقافية لا يمكن الاستغناء عنها، وأنه يشكل امتدادًا للصراع على الهوية والذاكرة في سوريا.
الإعلام كساحة مواجهة
إعادة الصحافة الورقية في سوريا ليست مجرد خطوة إعلامية، بل هي جزء من معركة أوسع لإعادة صياغة الوعي الجمعي في ظل الاحتلال والعدوان المستمر. وبينما يواصل الكيان الصهيوني محاولاته لتقويض الاستقرار عبر الحرب والإعلام الرقمي، تسعى دمشق إلى استعادة أدواتها التقليدية لتأكيد حضورها الثقافي والسياسي.










