4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د.محمد الصاوي يكتب: هل كان فقر أهل الصفة فضيلة… ومتى يصبح ظلمًا؟

بين الزهد والحرمان القسري، يعيد المقال قراءة تجربة أهل الصفة ليطرح سؤال العدالة الاجتماعية في عالم عربي تتسع فيه الفجوة بين الغنى والفقر.

بقلم: د. محمد الصاوي
١٤ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
4 مشاهدة
أهل الصفة في المسجد النبوي الشريف

أهل الصفة في المسجد النبوي الشريف

بين الزهد والحرمان القسري، يعيد المقال قراءة تجربة أهل الصفة ليطرح سؤال العدالة الاجتماعية في عالم عربي تتسع فيه الفجوة بين الغنى والفقر.

تُعدّ قصة أهل الصفة في التاريخ الإسلامي أكثر من مجرد سردٍ للزهد والورع؛ إنها دعوة لإعادة قراءة علاقة المجتمع بالفقر، وبكيفية الاستجابة له بقواعد إنسانية وعدالة اجتماعية. ففي قلب المدينة النبوية، عاش هؤلاء الصحابة في معترك الحاجة المؤقّتة، محاطين بتكافل جماعي وتكريم لكرامة الإنسان. وهنا تبرز التساؤلات الكبرى: هل يمكن نقل المعادلة الأخلاقية التي مثّلها أهل الصّفّة إلى سياسات اجتماعية معاصرة تواجه أزمات الفقر والتفاوت في العالم العربي اليوم؟


أهل الصفة : الفقر كحالة قيميّة مكفولة

أهل الصفة كانوا مهاجرين يقيمون في القسم الخلفي من المسجد النبوي، لا يملكون ما يكفي من مال أو سكن، لكنهم ظلّوا جزءًا فاعلًا في المجتمع دون أن يُهملوا أو يُقصَوا. لم يكن فقرهم عقابًا أو حرمانًا بنيويًا، بل حالة يقابلها تكافل مؤسسي وتكريم إنساني من النبي ﷺ ومن المجتمع. لقد كان نموذجًا يؤكّد أن الإنسان لا يُحرم من الكرامة أو المشاركة في الحياة العامة بسبب حاجته.

الفقر والعدالة الاجتماعية في العالم العربي اليوم

على الرغم من التقدّم في بعض المؤشرات الاقتصادية العالميّة، فإن الفقر لا يزال تحديًا مركزيًا في منطقتنا، ويظهر في أبعاده المتعدّدة التي تتجاوز فقدان الدخل إلى تفاوتات في التعليم والخدمات الصحية والفرص الاقتصادية.

تفاوتات بنيوية وتحديات مستدامة

تقارير الأمم المتحدة الإقليميّة تشير إلى أن الفقر وعدم المساواة في البلدان العربية يعاني من ارتدادات سلبية منذ جائحة كورونا، مع تعثّر التعافي وارتفاع معدلات الفقر، خاصّة في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية الممتدّة.  

في المغرب، على سبيل المثال، رغم انخفاض معدلات الفقر متعدد الأبعاد خلال السنوات الماضية، لا تزال الفوارق في مستوى المعيشة كبيرة بين الفئات الاجتماعية، حيث يستحوذ النصف الأعلى دخلًا على غالبية الاستهلاك بينما يظل الشقّ الأدنى محرومًا نسبيًا.  

وفي مصر تستمر النقاشات حول فعالية برامج الحماية الاجتماعية مثل «تكافل وكرامة» في الحد من الفقر، وسط تقييمات متباينة من حيث تأثيرها الحقيقي على معدلات الفقر ورفع مستوى المعيشة.  

هذه الأمثلة تعكس أن الفقر ليس مجرد ظاهرة فردية، بل نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية تتطلّب إجراءات منظّمة وحلولًا هيكلية.

العدالة الاجتماعية: من التكافل إلى السياسات المؤسسية

يُستعاد نموذج أهل الصفة اليوم ليس لتقنين الفقر، بل لتأكيد أن المجتمعات لا يمكنها أن تتسامح مع الفقر كحالة دائمة. فالنموذج التاريخي يذكرنا بأن:
- الإنسان لا يختزل في حاجته المادية فحسب، بل في قدرته على المشاركة والاندماج.
- تكافل المجتمع واجب مؤسسي، لا عملًا مؤقتًا أو صدقة موسمية.
- السياسات الاجتماعية يجب أن تُصاغ بمنطق حماية الكرامة والحقوق.

وفي هذا السياق، تجمّعت دول العالم في الدوحة نهاية 2025 لاعتماد إعلان دولي جديد ضد الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية، مؤكدين أن القضاء على التفاوتات الاقتصادية ليس خيارًا بل شرطٌ للسلام والاستقرار.  

هذه المبادرات تُعزّز أن العدالة الاجتماعية لا تُختصر في المعونات فحسب، بل في خلق فرص عمل لائقة، توسعة الحماية الاجتماعية، ومكافحة التمييز واستبعاد الفئات الهشّة.

من قصة أهل الصفة إلى القرن الحادي والعشرين

تجربة أهل الصفة تشير إلى أن العدالة الاجتماعية تبدأ من استيعاب الحاجة كجزء من المعادلة الإنسانية، لا كعار اجتماعي. أما واقع اليوم في العالم العربي — بين تفاوتات مركّبة وبرامج احتواء متباينة النتائج — فيذكّرنا بأن السياسات العمومية والهيكلية هي وحدها القادرة على تحويل التكافل إلى واقع مستدام.

ولا يكفي أن تكون المساعدات ردفعلٍ ظرفيّ؛ بل يجب أن تكون جزءًا من استراتيجية شاملة للتنمية وحماية كرامة الإنسان، كما يدعو الإعلان الدولي الذي اعتمدته قمة الدوحة في 2025.  

خاتمة

تُعيد قصة أهل الصفة في مسجد النبي ﷺ طرح سؤال جوهريًا: هل نضمن العدالة الاجتماعية لكل محتاج؟ في عصر تعمّقت فيه عدم المساواة، يبدو الجواب واضحًا: إن العدالة الاجتماعية ليست ترفًا أخلاقيًا، بل ركنٌ أساسي في بناء مجتمعات متماسكة وعادلة
  
المراجع : 

البخاري، محمد بن إسماعيل (2001). صحيح البخاري. تحقيق: محمد زهير الناصر. الرياض: دار طوق النجاة.

مسلم بن الحجاج (2006). صحيح مسلم. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية.

‏Sen, A. (1999). Development as Freedom. Oxford: Oxford University Press.

‏Piketty, T. (2020). Capital and Ideology. Cambridge, MA: Harvard University Press.

‏United Nations Development Programme (UNDP) (2024). Human Development Report 2023/2024: Breaking the Gridlock. New York: UNDP.
‏Available at: https://hdr.undp.org

‏UN Economic and Social Commission for Western Asia (ESCWA) (2023). Survey of Economic and Social Developments in the Arab Region 2022–2023. Beirut: ESCWA.
‏Available at: https://www.unescwa.org

‏World Bank (2024). Poverty and Shared Prosperity 2024: Correcting Course. Washington, DC: World Bank.
‏Available at: https://www.worldbank.org

الجزيرة نت (2023–2025). تقارير وتحليلات حول الفقر والعدالة الاجتماعية في العالم العربي.
‏Available at: https://www.aljazeera.net

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد الصاوي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د.محمد الصاوي يكتب: هل كان فقر أهل الصفة فضيلة… ومتى يصبح ظلمًا؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°