19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الحافلة… حين يصبح الطريق عقوبة

رحلات العذاب بين الأقسام

بقلم: د. رامي أبو زبيدة
١٤ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
20 مشاهدة
معتقل سيدي تيمان

معتقل سيدي تيمان

من أقسى مشاهد الاعتقال التي لا تغادر ذاكرتي، كانت عمليات النقل بالحافلات بين أقسام معتقل سيدي تيمان،مشاهد لا تشبه الانتقال من مكان إلى آخر، بل تشبه عبورًا متكررًا في قطعة مفتوحة من الجحيم.

سيدي تيمان ليس مجرد معتقل؛ هو مساحة خارج كل القوانين. يكاد الفارق بينه وبين أكثر السجون سوادًا في العالم يقترب من الصفر يقع بين بئر السبع وغزة، ويديره الجيش مباشرة، بلا رقابة ولا قواعد واضحة، وكأن الغاية الوحيدة من وجوده هي كسر الإنسان الفلسطيني القادم من غزة. أقسامه متقاربة جدًا، دقيقة أو دقيقتان تفصل بين قسم وآخر، كنا نسمع أصوات بعضنا ونشعر بقربنا… لكن ما كان يُمارس أثناء النقل كان نقيضًا لهذا القرب.

خلال ثلاثة أشهر من وجودي في هذا المعتقل ، نُقلت أكثر من خمس عشرة مرة بين أقسام مختلفة. بعضها عدت إليه مرة ومرتين، وكأن الدوران بحد ذاته جزء من العقوبة. عملية النقل كانت تبدأ دائمًا بالطريقة ذاتها: تقييد اليدين خلف الظهر بإحكام موجع، وتكبيل القدمين، وتعصيب العيون. بعدها يُسحب الجسد بقوة، لا يُسأل ولا يُمهل، حتى الوصول إلى الحافلة.

الحافلة التي تتسع لعشرات الأشخاص، لم تكن وسيلة نقل، بل غرفة عقاب متنقلة. يُجبر المعتقل على الجلوس ورأسه إلى الأسفل، لا يرى شيئًا، ولا يملك سوى السمع والشعور بالوقت وهو يثقل. وما إن يُغلق الباب، حتى يبدأ فصل آخر: وجود الجنود داخل الحافلة لم يكن للحراسة، بل للممارسة المتعمّدة للإيذاء، وكأن الطريق خُلق ليكون مسرحًا لذلك.

ما إن تُغلق أبواب الحافلة، حتى يتبدّل معناها بالكامل. لم تكن وسيلة نقل، بل مساحة مغلقة تُدار فيها القسوة بوعي كامل. داخل الحافلة، يتحرك الجنود بين المقاعد، يراقبون الأجساد المقيّدة والرؤوس المنحنية، وكأنهم يتفقدون ساحة خالية من أي حق أو كرامة.

كان التعذيب هناك منهجيًا ومتعمّدًا. يُفرض علينا الجلوس بوضعيات مُرهقة، والرأس إلى الأسفل طوال الوقت، وأي حركة—لالتقاط أنفاس—تُقابل بالصراخ والتهديد. الأصوات وحدها كانت كافية لإرباك الزمن داخل الحافلة: أوامر متلاحقة، شتائم متعمّدة بأقذر الالفاظ ، وضجيج مقصود يزرع الخوف ويُبقي الأعصاب مشدودة.

نسعق بالكهربائي كوسيلة إخضاع مفاجئة، لا لسبب سوى كسر الإحساس بالأمان.  مع استمرار الضرب المتكرر في أماكن مختارة من الجسد وخاصة الصدر من فينا لم تكسر اضلعه مرارا ، يُمارس الضرب بسرعة ثم يتوقف فجأة، ليعود من جديد، وكأن الهدف هو إبقاء المعتقل في حالة ترقّب دائم.

لم يكن أحد يُستثنى. لا كبير سن، ولا شاب، ولا مريض. كلنا كنا سواء داخل تلك الحافلة، لا نُرى كأفراد، بل كأرقام. وكان واضحًا أن إطالة الطريق جزء من المشهد؛ فالمسافة القصيرة تتحول إلى دوران طويل، فقط ليطول زمن الإذلال، وليتحول الانتظار نفسه إلى أداة تعذيب.

في تلك اللحظات، لم يكن الألم وحده هو القاسي، بل الإحساس بأن ما يجري يتم بلا استعجال، وبلا خوف من مساءلة. كأن الزمن داخل الحافلة مُعلّق، لا نهاية له إلا عندما يقررون هم فتح الباب، وإلقاء الجسد في محطة جديدة من العذاب.

المسافة التي لا تحتاج أكثر من دقائق قليلة، كانت تمتد لأكثر من نصف ساعة. لم نكن نتحرك نحو وجهة واضحة؛ كنا نلف وندور، فقط ليطول الوقت، فقط ليُستكمل المشهد. كان واضحًا أن الهدف ليس الوصول، بل التلذذ بإطالة اللحظة.

وفي إحدى المرات، كان النقل إلى القدس الطريق إلى هناك تستغرق ساعات قليلة، لكنه امتد لأكثر من ست ساعات. لم يكن الطريق أطول… بل كانت القسوة هي التي تقرر الزمن. ساعات من الضرب والتعذيب والإهانة اللفظية، من كسر المعنويات، من محاولة سحق ما تبقى من إنسانية المعتقل وهو معصوب العينين، مكبّل الجسد، لا يملك سوى الصمت.

هذه ليست حكاية واحدة، بل نمط متكرر. مشاهد من جحيم سيدي تيمان، يعرفها أسرى غزة جيدًا، ويتشاركون وجعها دون اتفاق مسبق. تفاصيل لا تُنسى، لا لأنها حدثت مرة، بل لأنها تكررت حتى أصبحت اختبارًا يوميًا للصبر والبقاء.

ومع ذلك، ورغم كل هذا السواد، بقي شيء واحد عصيًّا على الكسر: الذاكرة. ذاكرة تحفظ الشهادة، وتُبقي الحكاية حيّة، لتقول إن ما جرى لم يكن عابرًا، وإن الألم الذي عُشنا لم يكن بلا شهود.

✍️ رامي أبو زبيدة 
أسير محرر

د. رامي أبو زبيدة

رامي أبو زبيدة هو باحث ومحلل فلسطيني مختص في الشؤون العسكرية والأمنية، ويُعد من الوجوه البارزة في تحليل الصراعات الميدانية والتكتيكات العسكرية في المنطقة.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

الحافلة… حين يصبح الطريق عقوبة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°