في لحظة سياسية فارقة تتزامن مع الذكرى الثامنة والثلاثين لانطلاقة حركة المقاومة الإسلامية “حماس” وبمرور عامين على أشرس حرب إبادة جماعية شهدها التاريخ المعاصر، احتضنت العاصمة اللبنانية بيروت لقاءً رفيع المستوى جمع بين ممثل الحركة في لبنان، أحمد عبد الهادي، ووفد "الحملة الأهلية لنصرة فلسطين وقضايا الأمة" برئاسة المنسق العام معن بشور.
لم يكن اللقاء مجرد بروتوكول لتبادل التهاني بالذكرى السنوية، بل تحول إلى منصة سياسية لرسم ملامح المرحلة المقبلة، وتأكيد المؤكد بشأن "سلاح المقاومة" وإدارة قطاع غزة ما بعد الحرب.
الذكرى الـ38 للانطلاقة: من الحجر إلى "الطوفان"
حيث اعتبر المنسق العام للحملة الأهلية، معن بشور، أن انطلاقة حماس عام 1987 لم تكن حدثاً عابراً، بل شكلت "تحولاً نوعياً في مسار الصراع العربي الإسرائيلي".
أبعاد التحول النوعي للحركة حيث رسخت الحركة مكانتها كقوة لا يمكن تجاوزها في أي معادلة إقليمية وأشاد بشور بقدرة الحركة على البقاء فاعلة رغم الاستهداف الممنهج لقادتها وبنيتها التحتية على مدار عقود والتأكيد على أن الحركة ليست فصيلاً معزولاً، بل هي جزء من نسيج الشعب الفلسطيني وتطلعاته.
في رده على الوفد، قدم ممثل حماس، أحمد عبد الهادي، قراءة استراتيجية لما حققته معركة "طوفان الأقصى"، معتبراً إياها المحرك الرئيسي للتغيرات الجيوسياسية الحالية.
مكاسب "الطوفان" من وجهة نظر الحركة منها وضع فلسطين مجدداً على رأس جدول أعمال المجتمع الدولي بعد سنوات من التهميش ونجحت المعركة في فضح رواية الاحتلال أمام الرأي العام العالمي، خاصة في الغرب وبين جيل الشباب وأشار عبد الهادي بوضوح إلى دور "جبهات الإسناد" والشعوب الحرة التي دعمت الحق الفلسطيني.
الرؤية الاستراتيجية لإدارة قطاع غزة: "لا للوصاية"
واحدة من أهم نقاط اللقاء كانت التطرق لمستقبل قطاع غزة في ظل التجاذبات الدولية حول "اليوم التالي للحرب"، حدد عبد الهادي ثلاثة ثوابت للحركة:
وكشف عبد الهادي عن استمرار الجهود لتشكيل لجنة وطنية فلسطينية خالصة لإدارة شؤون قطاع غزة، تكون مهمتها إغاثية وإدارية بالتوافق وأكدت الحركة أن أي محاولة لفرض إدارة خارجية أو "قوات دولية" دون توافق فلسطيني هي محاولات محكوم عليها بالفشل وسيتم التعامل معها كاحتلال.
و شدد عبد الهادي على أن سلاح المقاومة هو حق مشروع كفلته المواثيق الدولية، وهو الضمانة الوحيدة لمنع تكرار المجازر، ولن يكون مطروحاً للنقاش طالما بقي الاحتلال جاثماً على الأرض.
عامان من حرب الإبادة: حصاد الدم والصمود
تزامن اللقاء مع مرور عامين على العدوان الإسرائيلي الشامل الذي بدأ في 7 أكتوبر 2023. استعرض اللقاء الأرقام الكارثية التي خلفتها آلة الحرب الإسرائيلية بدعم أمريكي وأوروبي حيث ان إجمالي الشهداء والجرحى أكثر من 241,000 والمفقودون تحت الأنقاض ما يزيد على 11,000 وحالة المدن تدمير شامل ومحو أحياء كاملة من الخريطة والوضع الغذائي مجاعة حقيقية أودت بحياة المئات، معظمهم أطفال.
وأكد عبد الهادي أن صمود الشعب الفلسطيني في غزة، ورفضه لمشاريع التهجير القسري إلى سيناء أو غيرها، هو الذي أفشل أهداف الاحتلال العسكرية، وحول "النصر المطلق" الذي وعد به نتنياهو إلى "سراب سياسي".
التحديات السياسية القائمة: "الاتفاق كضرورة إنسانية"
تطرق اللقاء إلى الاتفاقات الحالية (وقف إطلاق النار أو التهدئة المؤقتة). وأوضح عبد الهادي أن انخراط الحركة في أي اتفاق نابع من لرفع المعاناة عن كاهل المدنيين وتسهيل دخول المساعدات وللحفاظ على اللحمة الفلسطينية ومنع الاستفراد بأي طرف حيث يحاول الاحتلال الآن تحقيق "مكاسب سياسية" وتفريغ نتائج طوفان الأقصى من مضمونها بعد أن عجز عن ذلك عسكرياً.
الدور اللبناني و"الحملة الأهلية"
أثنى عبد الهادي على دور لبنان، شعباً ومقاومة، وعلى دور "الحملة الأهلية لنصرة فلسطين" التي يترأسها معن بشور، معتبراً أن بيروت ستبقى دائماً "رئة المقاومة" والداعم الأساسي للقضية الفلسطينية في الشتات. من جهته، أكد بشور أن نصرة فلسطين ليست منّة، بل هي واجب قومي وأخلاقي لحماية أمن الأمة برمتها من الأطماع التوسعية الإسرائيلية.
فلسطين 2025.. إرادة لا تنكسر
إن لقاء حماس والحملة الأهلية في بيروت يبعث برسالة واضحة لكل من يراهن على "تعب" المقاومة أو انكسارها. إن الحركة، وهي تدخل عامها التاسع والثلاثين، تبدو أكثر إصراراً على تحويل التضحيات الجسيمة إلى مكاسب سياسية تضمن حق العودة والتحرير.
تبقى الكرة الآن في ملعب المجتمع الدولي والمنظمات الأمومية، التي طالبها المجتمعون بضرورة الخروج من مربع "الإدانة" إلى مربع "الفعل" لوقف جريمة القرن ومحاسبة قادة الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية.










