أفادت وسائل الإعلام التركية، يوم السبت، بالعثور على طائرة بدون طيار مجهولة المصدر في تركيا، وذلك بعد أقل من يوم من تحطم طائرة أخرى بدون طيار يشتبه في أنها روسية الأصل في شمال غرب البلاد. ويأتي هذا الحادث، وهو الثالث من نوعه منذ يوم الاثنين، بعد أن حذرت تركيا كلاً من روسيا وأوكرانيا من السماح لحربهما المستمرة بالامتداد إلى أماكن أخرى في المنطقة.
وعُثر اليوم، السبت 20 ديسمبر، على طائرة مسيّرة مجهولة في حقل خالٍ بمنطقة مانيسا التابعة لمحافظة باليكسير، على بُعد نحو 300 كيلومتر جنوب غرب إسطنبول. وقد أبلغ مزارعون السلطات، التي نقلت الحطام إلى أنقرة لإجراء فحوص تقنية. ورغم أن المسؤولين في تركيا لم يؤكدوا بعد مصدر الطائرة الثانية، فإن تقارير إعلامية وتكهنات على مواقع التواصل الاجتماعي رجّحت أن تكون روسية أيضًا، وربما من طراز Merlin-VR، في سياق نمط متكرر من الحوادث. ونقلت عدة وسائل إعلام عن مزارعين قولهم إن الحادث يبدو أنه وقع قبل أيام.
وحذر الرئيس رجب طيب أردوغان من أن يصبح البحر الأسود "منطقة مواجهة" بين روسيا وأوكرانيا، اللتين تحتلان الشواطئ المقابلة لتركيا من هذا المسطح المائي.
سقوط مسيرة في إزميت
باشرت السلطات في تركيا تحقيقًا شاملًا في حادثة سقوط طائرة مسيّرة يُشتبه في أنها من طراز Orlan-10 روسية الصنع، في محافظة كوجالي شمال غرب تركيا، في واقعة تُعد الثالثة من نوعها خلال أيام، ما أثار مخاوف متزايدة بشأن احتمالات التجسس وانتهاك المجال الجوي في منطقة البحر الأسود شديدة التوتر.

وعُثر على المسيّرة، وهي طائرة استطلاع تُستخدم عادة لدى القوات الروسية في مهام المراقبة ونقل الإشارات، بحالة شبه سليمة في حقل ريفي قرب مدينة إزميت، على بُعد نحو 50 كيلومترًا جنوب شرق إسطنبول، بعد أن أبلغ سكان محليون عن سماع أصوات غير مألوفة في 17 ديسمبر. وأكدت وزارة الداخلية التركية، في 19 ديسمبر، أن التقييمات الأولية تشير إلى أن الطائرة استُخدمت لأغراض “الاستطلاع والمراقبة”، مع استمرار التحاليل الجنائية لتحديد مسار طيرانها وأسباب سقوطها.
Ankara/Elmadağ yakınlarında düşürülen drone ile ilgili henüz doyurucu bir bilgi yok ama bugün Kocaeli kırsalında düşen drone çevre ahalisi tarafından incelenip kararı bile verilmiş.
— Seyit Yücel (@SeyitYucel06) December 19, 2025
Video bunun belgesi.
Türk milleti zekidir! pic.twitter.com/9hxgajVZ6S
ويأتي ذلك بعد أيام فقط من إسقاط مقاتلات F-16 تركية لطائرة مسيّرة مجهولة “خارجة عن السيطرة” كانت تقترب من الأجواء التركية قادمة من البحر الأسود في 15 ديسمبر، وفق بروتوكولات المراقبة الجوية المعتمدة.
وتشير التحليلات إلى أن طائرة Orlan-10، التي يصل مداها إلى نحو 600 كيلومتر، تُستخدم عادة من قبل وحدات الجيش الروسي لمراقبة التهديدات البحرية، بما في ذلك الزوارق المسيّرة الأوكرانية في البحر الأسود. ويرجّح محللون أن تكون الطائرة قد انطلقت من شبه جزيرة القرم، قبل أن تنحرف عن مسارها نتيجة خلل فني أو فقدان أنظمة الملاحة أو تدخل خارجي، لتخترق المجال الجوي التركي. ولم تُسجَّل أي إصابات أو أضرار مادية في الحادثتين، إلا أن القلق الأمني تصاعد، مع نشر قوات الدرك ووحدات مسرح الجريمة لتأمين مواقع السقوط.
وتقع هذه التطورات في سياق تصعيد أوسع في البحر الأسود مرتبط بالحرب الروسية-الأوكرانية، شمل ضربات جوية روسية ألحقت أضرارًا بسفينة تُشغّلها تركيا قرب أوديسا في 13 ديسمبر، بعد ساعات فقط من اتصال هاتفي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. وكان أردوغان قد حذّر علنًا من تحويل البحر الأسود إلى “ساحة مواجهة”، مشددًا على ضرورة خفض التصعيد في ظل تزايد الضربات البحرية.
اختراق المجال الجوي وثغرات الناتو
تسلّط حوادث سقوط المسيّرات الضوء على مخاطر أمنية كبيرة، خاصة بالنسبة لتركيا بصفتها دولة عضوًا في حلف شمال الأطلسي وتجاور مباشرة منطقة النزاع. ويحذّر خبراء من أن هذه الاختراقات قد تكون اختبارات متعمدة لمنظومات الدفاع الجوي التركية، أو تسربًا عرضيًا لعمليات روسية تراقب التهديدات الأوكرانية في البحر الأسود. كما أن وصول طائرة Orlan-10 إلى عمق يتجاوز 200 كيلومتر داخل الأراضي التركية يكشف عن ثغرات محتملة في مراقبة الأجواء، وإمكانية جمع معلومات استخبارية عن أصول الناتو.
ويرى المحلل التركي أنيس إسن، الدبلوماسي السابق والخبير في شؤون الشرق الأوسط، أن هذه الوقائع قد تمثل رسالة روسية غير مباشرة تعبّر عن استياء موسكو من دعم أنقرة لأوكرانيا، سواء عسكريًا أو دبلوماسيًا.
وأوضح، في تحليل نشره على منصة “إكس”، أن “اختبار أنظمة الدفاع الجوي باستخدام الطائرات المسيّرة أقل كلفة وأكثر فاعلية في بعض الجوانب من استخدام الطائرات المأهولة”، مضيفًا أن هذه الحوادث، رغم إزعاجها، من غير المرجح أن تتطور إلى مستوى أزمة إسقاط الطائرة الروسية عام 2015، التي توترت بعدها العلاقات بشدة دون أن تنزلق إلى حرب مفتوحة. وشدد إسن على أن استخدام المسيّرات يتيح لروسيا اختبار الخطوط الحمراء دون المخاطرة بحياة طيارين، ما يقلل الكلفة السياسية في حال اكتشافها.
من زاوية روسية، طرح المعلّق المقرّب من الكرملين لورد بيبو تكهنات على “إكس” مفادها أن مسار طائرة Orlan-10 قد يكون متعمدًا نظرًا لمداه، ملمحًا إلى احتمال “عملية راية كاذبة”، وإن أقرّ بعدم وجود أدلة، معتبرًا أن من غير المنطقي أن تتوغل طائرة استطلاع إلى هذا العمق دون غاية واضحة. وتنسجم هذه القراءة مع السرديات الروسية التي تميل إلى توصيف مثل هذه الحوادث باعتبارها أعطالًا تقنية لا استفزازات متعمدة.
🇹🇷🇷🇺 The Russian drone "Orlan-10" fell in the rural area of Izmit, Turkey, near Istanbul.
— Lord Bebo (@MyLordBebo) December 19, 2025
This is a surveillance drone with 600km range. This place is about 600km from Russia, this means the drone was not meant to come back and intended to crash in Turkey? Nah.
Logically it… pic.twitter.com/vAX9Oxo8BV
في المقابل، يرى خبراء غربيون، من بينهم محللون في موقع Euromaidan Press الأوكراني المستقل، أن سقوط المسيّرات يدخل ضمن نمط أوسع لانتهاكات روسية لأجواء دول الناتو، شملت مؤخرًا بولندا والدنمارك وبلجيكا. واعتبروا أن هذه الوقائع قد تدفع تركيا إلى إعادة تقييم علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع موسكو، وربما تشديد القيود على الثغرات التي تتيح استمرار الاقتصاد الحربي الروسي. وجاء في تقرير لهم أن “إعادة نظر أنقرة في هذه العلاقة قد تعني تباطؤ التجارة الروسية، وتضييق مسارات الالتفاف، وفرض قيود أشد على السلع التي تغذي آلة الحرب”.
أما أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا – سان دييغو، برانسلاف سلانتشيف، فقارن بين الوضع الراهن وحادثة 2015، محذرًا من أن إسقاط الطائرة الروسية آنذاك لم يمنع موسكو من تكرار الانتهاكات أو من استهداف قوى مدعومة من تركيا في سوريا. وكتب على “إكس” أن “الأمر لن يكون سهلًا، فالروس لا يتراجعون فورًا”، داعيًا حلفاء الناتو إلى سياسة “احتواء ثابتة”.
People like to point to Turkey shooting down the Russian jet in 2015 but it did not come out of the blue: there had been at least five violations in October, the Turks changed ROEs and explicitly warned the Russians about that. When it happened again, they acted. I think this is… https://t.co/g6nRcOZUfa
— Branislav Slantchev (@slantchev) September 20, 2025
وفي السياق ذاته، ذكّر الباحث في شؤون الأمن القومي ريتشارد ميريتي بردّ تركيا السريع عام 2015، حين أسقطت طائرة Su-24 روسية بعد انتهاك قصير للمجال الجوي، معتبرًا أن العقيدة التركية واضحة: “انتهاكات الأجواء لا تُناقَش في أنقرة، بل يُردّ عليها”.
🚨 REMINDER | Turkey Doesn’t Bluff
— Richard Miriti (@miriti55453) December 15, 2025
In 2015, Turkey proved this wasn’t talk.
When a Russian Su-24 bomber violated Turkish airspace near the Syria–Turkey border, Ankara didn’t hesitate.
• 10 second warnings issued
• 17 seconds inside Turkish airspace
• Turkish F-16 fired
•… pic.twitter.com/bsZZwLZ2yh
تركيا وروسيا: موازنة دقيقة بين التعاون والتصعيد
تهدد حوادث المسيّرات بزيادة الضغوط على العلاقات التركية-الروسية، التي تعاني أصلًا من تباينات حادة في ملفات سوريا وليبيا وأوكرانيا. فرغم الشراكة الاقتصادية الواسعة بين البلدين، خاصة في مجالات الطاقة والسياحة، تواصل أنقرة دعم كييف عسكريًا، بما في ذلك تزويدها بطائرات بيرقدار المسيّرة. وقد دفعت الضربات الروسية الأخيرة لسفن تركية في الموانئ الأوكرانية أردوغان إلى توجيه تحذيرات مباشرة لبوتين، في إشارة إلى حدود صبر تركيا.
أما الروايات الروسية المتداولة في قنوات عسكرية، فتقلل من شأن الحوادث، معتبرة إياها أعطالًا تقنية، مع طرح فرضيات عن تدخل أوكراني لإشعال التوتر بين موسكو وتركيا. وفي المقابل، اكتفت وسائل إعلام روسية مستقلة مثل Sota News بنقل الوقائع دون تحليل، مع الإشارة إلى احتمال تصاعد التوتر.
ويرى مراقبون غربيون، من بينهم محللون في بلومبيرغ ورويترز، أن هذه الحوادث تنضم إلى “سلسلة وقائع أمنية حديثة” قد تفرض على تركيا موازنة أكثر تعقيدًا بين التزاماتها داخل الناتو وتبادلها الاقتصادي على روسيا. واعتبر المحلل دان بريسبوا أن توغل Orlan-10 يمثل “استفزازًا سافرًا” يختبر حدود الناتو ويُطبع الانتهاكات إذا قوبلت بردود ضعيفة.
من جانبه، حذر الاستراتيجي التركي كان كوتلو أتاك من أن المسيّرات تشكل جزءًا من أدوات “التهديدات الهجينة” الروسية، وقد تمتد آثارها إلى المشهد السياسي التركي نفسه.
Russia's influence efforts in Turkey, aimed at swaying policies in favor of Russian interests, have significant implications for NATO cohesion. Turkey's balancing act between Russia and the West creates strategic ambiguity and potential weaknesses within the alliance.
— Kaan Kutlu ATAÇ (@KaanAtac) December 20, 2025
وبينما يتواصل التحقيق التركي، يترقب المجتمع الدولي تطورات الملف وسط دعوات لخفض التصعيد، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق أوسع بين الناتو وروسيا في مسرح البحر الأسود، حيث باتت الطائرات المسيّرة أداة اختبار منخفضة الكلفة لكنها عالية المخاطر.










