4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

طائرات مسيّرة مجهولة فوق ألمانيا: تجسس جوي وحرب رمادية

أعلنت الشرطة الجنائية الاتحادية الألمانية رصد أكثر من ألف رحلة لطائرات مسيّرة مجهولة الهوية فوق الأجواء الألمانية منذ مطلع العام الجاري، في تطور وصفته الأجهزة الأمنية بأنه تهديد متصاعد وممنهج.

بقلم: عمرو المصري
٢٢ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
24 مشاهدة
ألمانيا رصدت أكثر من 1000 رحلة لطائرات مسيّرة

ألمانيا رصدت أكثر من 1000 رحلة لطائرات مسيّرة

أعلنت الشرطة الجنائية الاتحادية الألمانية رصد أكثر من ألف رحلة لطائرات مسيّرة مجهولة الهوية فوق الأجواء الألمانية منذ مطلع العام الجاري، في تطور وصفته الأجهزة الأمنية بأنه تهديد متصاعد وممنهج. هذه التحليقات لم تكن عشوائية، بل استهدفت مواقع عسكرية حساسة، ومطارات مدنية، وبنى تحتية حيوية، ما وضع السلطات أمام واقع أمني جديد يتجاوز حدود الحوادث الفردية أو الاستخدامات المدنية غير القانونية.

وبحسب تقديرات رسمية، فإن وتيرة التحليقات ارتفعت بشكل لافت خلال الأشهر الأولى من العام، حيث تم تسجيل أكثر من 500 رحلة مشبوهة في الربع الأول وحده. هذا التصاعد السريع دفع الجهات الأمنية إلى التعامل مع الظاهرة بوصفها نمطًا مستمرًا، وليس مجرد اختراقات متفرقة، خاصة مع تكرار الرصد في مناطق ذات قيمة استراتيجية عالية.

أبرز أهداف الطائرات المسيّرة

أبرزت الوقائع الميدانية حجم المخاطر المباشرة، بعدما اضطرت السلطات في أكتوبر الماضي إلى إلغاء 17 رحلة جوية في مطار ميونيخ، إثر رصد طائرات مسيّرة في المجال الجوي للمطار عشية عطلة وطنية. الحادثة لم تعطل حركة الطيران فحسب، بل كشفت هشاشة منظومة حماية الأجواء المدنية أمام وسائل منخفضة الكلفة وعالية التأثير.

في سياق موازٍ، سُجلت تحليقات متكررة قرب قاعدة مانشينغ الجوية في بافاريا، وكذلك فوق قواعد أخرى تابعة للجيش الألماني، بينها مواقع تُدرّب فيها قوات أوكرانية على أنظمة دفاع جوي متقدمة. هذه الوقائع أثارت مخاوف من تسرب معلومات استخبارية دقيقة قد تمس أمن ألمانيا وحلفائها داخل حلف شمال الأطلسي.

ثغرات الدفاع الجوي

تعكس هذه الحوادث وجود فجوات واضحة في منظومة حماية الأجواء المنخفضة، حيث عجزت الشرطة والجيش في أكثر من واقعة عن اعتراض الطائرات المسيّرة أو إسقاطها. ووفق تقارير رسمية، تم تسجيل أكثر من 200 حادثة حتى نوفمبر شكّلت خطرًا مباشرًا على سلامة الطيران، بينها حالات اقتراب خطير من طائرات مدنية.

ويرى خبراء أمنيون أن هذه التحليقات لا تهدف فقط إلى الاستطلاع، بل تسعى إلى اختبار زمن الاستجابة، ورسم خرائط الدفاعات، ورصد أنماط الحركة داخل المنشآت الحساسة. هذا التوصيف يعزز القناعة بأن ألمانيا تواجه نمطًا جديدًا من التهديدات غير التقليدية، يعتمد على أدوات بسيطة ظاهريًا، لكنها فعّالة استراتيجيًا.

شبهة التجسس المنظم

تتعامل السلطات الألمانية مع هذه الظاهرة بوصفها نشاطًا استخباريًا محتملًا، لا سيما مع تسجيل تحركات متوازية ومتزامنة لعدة طائرات مسيّرة فوق مواقع مختلفة، وهو ما وصفته وزيرة داخلية ولاية شليسفيغ-هولشتاين بأنه سلوك يدل على عمليات مسح ورسم خرائط، وليس على تحليقات عشوائية أو هواة.

وقد عززت الشبهات الأمنية عملية دهم استهدفت سفينة شحن في قناة كيل، عُثر خلالها على مؤشرات تُرجّح استخدامها منصة لإطلاق مسيّرات كانت تراقب قطعة بحرية تابعة للبحرية الألمانية. هذه الواقعة فتحت الباب أمام تحقيقات تتعلق بالتجسس والتخريب، وربطت بين التحليقات الجوية وأنشطة بحرية مريبة.

الحرب الهجينة تتجسد

في خلفية هذه التطورات، يبرز مفهوم الحرب الهجينة بوصفه الإطار التحليلي الأوسع لفهم ما يجري. مسؤولون ألمان، بينهم المستشار فريدريش ميرتس، لمحوا علنًا إلى الاشتباه بضلوع روسيا في معظم هذه التحليقات، معتبرين أنها جزء من استراتيجية ضغط غير مباشر في سياق الحرب الأوكرانية وتداعياتها الأوروبية.

وتشير تحليلات أمنية إلى أن استخدام الطائرات المسيّرة بات أداة مركزية في الحروب الرمادية، حيث تُستخدم لجمع المعلومات، وإرباك الخصوم، وتقويض الشعور بالأمن، دون الوصول إلى مستوى المواجهة العسكرية المباشرة. هذا النمط يسمح للفاعلين الدوليين بإنكار المسؤولية، مع تحقيق مكاسب استخبارية وسياسية ملموسة.

رد ألماني متسارع

في مواجهة هذا التحدي، أعلنت الحكومة الألمانية إنشاء وحدة شرطية اتحادية متخصصة في مكافحة الطائرات المسيّرة، تضم في مرحلتها الأولى نحو 130 عنصرًا، وتعمل ضمن مركز الدفاع المشترك ضد المسيّرات في برلين، بمشاركة الشرطة والجيش وأجهزة الاستخبارات. الهدف المعلن هو الرصد والتتبع والتحييد السريع لأي اختراق جوي معادٍ.

كما أُدخلت تعديلات تشريعية على قانون أمن الطيران، تتيح للجيش التدخل المباشر وإسقاط الطائرات المسيّرة عند طلب الشرطة، بعد أن كانت القيود القانونية تعرقل هذا النوع من العمليات. غير أن مراقبين يحذرون من أن الإجراءات الحالية، رغم أهميتها، قد لا تكون كافية أمام حجم الظاهرة وتسارعها.

أبعاد إقليمية أوسع

لا تقتصر التحليقات المشبوهة على ألمانيا وحدها، بل سُجلت حوادث مماثلة في الدنمارك والسويد والنرويج، ما يعزز فرضية وجود نمط إقليمي منسق. هذه التطورات دفعت بعض الدول إلى توصيف ما يجري صراحة بأنه «هجمات هجينة»، ورفعت مستوى التنسيق الأمني وتبادل المعلومات.

في المحصلة، تكشف المسيّرات المجهولة فوق ألمانيا عن تحوّل نوعي في طبيعة التهديدات الأمنية، حيث تتقاطع التكنولوجيا التجارية مع استراتيجيات التجسس والحرب الهجينة. وبينما لا توجد أدلة قاطعة تعزو جميع التحليقات إلى جهة واحدة، فإن نمطها وتوقيتها وسياقها الجيوسياسي يجعلها مؤشرًا مقلقًا على مرحلة أمنية أوروبية أكثر هشاشة وتعقيدًا.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال