هذه ليست رسالة احتجاج، بل هي صرخة وطن يحتضر
أخي أبو مازن،
تحية فلسطين الارض والانسان وبعد ،
في وقتٍ نرفع فيه أحر التهاني والتمنيات بمناسبة حلول العام الجديد، ندعو أن يمدّ الله في عمرك ويمتعك بوافر الصحة والعطاء، ولا يسعنا إلا أن ننظر إلى واقعنا المرير واسمح لي بمخاطبتك دون القاب فقد أسقطت ألقاب السيادة والفخامة والمعالي على حواجز الاحتلال التي قطعت أوصال الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة، واصبحت حواجز للاعتقال وللأذلال للشعب المرابط ، فلا يستطيع التنقل او الوصول إليها او عبرها رئيس حكومتك الدكتور محمد مصطفى، بل ولا حتى نائبك الأخ حسين الشيخ، الذي منعه جنود الاحتلال من الوصول إلى كنيسة المهد في بيت لحم ليلة الميلاد، لولا تدخّل خارجي جعله مستثنىً مؤقتاً من القاعدة اليومية التي يخضع لها ثلاثة ملايين فلسطيني.

فأين هي السيادة ...؟ التي لا نراها إلا مع زيارة الوفود الرسمية، وتبخترها على السجاد الأحمر، وتحية العلم الذي لا نستطيع رفعه بحرية على شوارعنا التي تربط بين قرانا ومدننا؟ وأين هي السلطة التي تحكم "مناطقنا" حسب اتفاق أوسلو الذي ما زلنا نتمسك به، بينما الواقع يصرخ بغيابه الفعلي؟
وسط هذا كله، تظل تهنئتنا صادقة، وتمنياتنا موصولة لك وللأخ رئيس مجلس الوزراء الدكتور محمد مصطفى ولطاقم الحكومة، بعامٍ يقربنا من تحقيق تطلعات شعبنا الصامد، ويرضي طموحاته العادلة في الحرية والكرامة وتقرير المصير .
أخي أبو مازن،
عندما رأيناك على شاشة التلفاز لأول مرة في تونس عام 1988 واخوانك اعضاء اللجنة التنفيذية وكافة اعضاء وممثلي فصائل منظمة التحرير الفلسطينية ، كنا نراكم رمزًا للصمود، وحاملًا لراية التحرير التي رسمها ياسر عرفات بكلمات لا تُنسى: "جئتكم بغصن الزيتون ومسدس الثائر". كنا نؤمن بأن هؤلاء الرجال الذين سيحققون الحلم الذي دفعنا من أجله دماء الشباب والأحلام. اليوم، نراك مختلفا نشعر بخيبة الامل وبأن شيئًا ما قد مات في داخلنا. ليس هذا ما ناضلنا من أجله. ليس هذا الهدف الذي قدمت من أجله أجيالنا أرواحها وحرياتها.
أرقام الدم لجرح نازف
فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اليوم، قتل جيش الاحتلال الإسرائيلي 317 فلسطينيًا في الضفة الغربية والقدس، بينهم 48 طفلًا لم يتجاوزوا الخامسة عشرة من العمر. في عام 2025 وحده، اعتقلت قوات الاحتلال 11,423 مواطنًا، منهم 1,850 طفلًا و342 امرأة. في سجون الاحتلال، يقبع اليوم 9,217 أسيرًا فلسطينيًا، بينهم 142 طفلًا وأسرى مرضى يعانون من الإهمال الطبي المتعمد، مثل الأسير أحمد مناصره الذي يحتضر في سجن الرملة بسبب السرطان الذي لم يُعالج منه.
هذه ليست أرقامًا في تقرير مكتب الإحصاء المركزي بل هي أسماء وأجساد تحمل وجع الاحتلال في كل لحظة ، بل هي أسماء واجساد وارواح محمد أبو دخان (17 عامًا) من جنين، الذي أُطلق عليه 27 رصاصة أثناء فراره من مداهمة عسكرية؛ ليان أبو عرام (15 عامًا) من نابلس، التي اعتقلت من فراشها وهي نائمة؛ أحمد زكارنة (62 عامًا) من الخليل، الذي توفي تحت التعذيب في سجن عوفر ، ، وفقًا لتقارير هيئة شؤون الأسرى والمحررين.
بينما يستمر الاحتلال بالإعلان عن بناء 12,000 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية خلال عام 2025 وحده، وفقًا لتقرير معهد أبحاث السياسات الإسرائيلية (INSS). لكن التاريخ أيضًا يعلمنا أن الاستجابة للضغوط الخارجية على حساب الثوابت الوطنية لا تجلب إلا مزيدًا من الضغوط، ولا تحقق إلا مزيدًا من التنازلات.
هذه تفاصيل تهمشها البيانات الرسمية، بينما تقطع رواتب الاسرى والشهداء ومن بقي منهم على قيد الحياة.

الواقع الذي لا مهرب من مواجهته:
أخي ابو مازن ،
هل زرت مؤخرًا حي الشيخ جراح في القدس؟ هل رأيت بأم عينك كيف يحطم المستوطنون منازل الفلسطينيين ليلاً، بينما جنود الاحتلال يقفون كحراس لهم؟ هل تحدثت مع أهالي جنين المحاصرة، التي يحولها الاحتلال إلى سجن مفتوح؟ عندما يمنع جنود الاحتلال نائبك حسين الشيخ من الوصول إلى كنيسة المهد في ليلة الميلاد، باستثناء تدخل أمريكي، فهذا ليس استثناءً، بل هو واقعنا اليومي. رام الله محاطة بأسلاك الاحتلال، نابلس مقسمة بالحواجز، الخليل مقطعة الأوصال، وجنين تئن تحت الحصار في مستوطنة "يتسهار" جنوب نابلس، يجتمع مستوطنون مسلحون كل يوم جمعة بعد صلاة العصر، يحملون بنادق وقنابل ومولوتوف، ليهاجموا قرية برقة الفلسطينية. في الخامس عشر من ديسمبر 2025، أحرقوا 8 منازل بالكامل، ودمروا 12 مركبة، وكتبوا على جدران المسجد الجامع: "الموت للعرب". الجيش الإسرائيلي لم يمنعهم، بل حمى هجومهم، وألقى القبض على شباب القرية الفلسطينيين الذين حاولوا الدفاع عن منازلهم. بينما تقطع رواتب أسر الشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن هذه القرى، وتقول " تمكين " إنهم "حالات اجتماعية" تحتاج إلى مسح.
في مخيم جنين، تقف أم محمد كل صباح عند باب بيتهم المحطم، تنتظر رسالة من ابنها الأسير محمد الذي اعتقلته قوات الاحتلال من فراشه في الثالث من يناير 2024. لم تعد تتلقى الرواتب التي كانت تشتري بها الدواء لمرضى القلب، لأنها "لم تنطبق عليها معايير الحاجة" حسب مؤسسة "تمكين". في الخليل، يعيش أبو إياد، والد ثلاثة أسرى، على مساعدات الجيران بعد أن قطعت السلطة رواتبه، بينما يرى بعينيه كيف يبني المستوطنون جدارًا إسمنتيًا يفصله عن أرضه الزراعية التي ورثها عن أبيه.
في نابلس المواطن الفلسطيني العادي ينتظر ساعات عند الحاجز، يتعرض للإهانة والتفتيش العاري، ويعود إلى بيته فارغ اليدين لأن راتبه قطع أو لأنه لا يستطيع الوصول إلى عمله بسبب الحواجز.
القادة الحقيقيون لا يعيشون بهذه الفوارق. مانديلا قضى 27 عامًا في السجن، وعندما خرج، لم يطلب سيارة فاخرة، بل طلب أن يزور أمهات الشهداء. وهو تشي منه عاش في الغابات مع مقاتليه، ولم يفرق بين قائد وجندي في الطعام والملبس. فيدل كاسترو رفض أن يبني قصرًا رئاسيًا، وقال: "بيتي هو بيت كل فقير في كوبا".
القرار الذي هز الثوابت من مناضل إلى متسول على ابواب تمكين
عندما أصدر القرار الرئاسي في فبراير 2025 بإلغاء النظام القانوني لمخصصات الأسرى وتحويلها إلى مؤسسة "تمكين" تحت معايير "الحاجة الاجتماعية"، لم تكن تقطع أموالًا فقط. كانت تقطع الرابط المقدس بين الشعب والنضال. تخيل معي أسير قضى اكثر 30 عامًا في سجون الاحتلال،مثل نائل البرغوثي، عميد الأسرى، يجد نفسه مضطرًا لتعبئة استمارة مسح اجتماعي تطلب منه: "عدد الغرف في بيتك"، "دخل عائلتك الشهري"، "هل تملك سيارة؟" بينما في نفس اللحظة، مستوطنون مسلحون يحتمون بجيش الاحتلال ويهاجمون قرية حوارة جنوب نابلس، يحرقون 150 منزلًا و3 مساجد، ويقتلعون 500 شجرة زيتون، والمستوطن القاتل يحصل على حماية عسكرية كاملة .
الشرخ في الجسد الوطني
القرار ليس إداريًا كما يحاول البعض تصويره او اصلاحا ، بل هو زلزال سياسي واجتماعي يهدم ما بُني على مدى عقود:
1. الشرخ التنظيمي في اللجنة المركزية لحركة فتح، عماد النظام السياسي الفلسطيني، انقسمت إلى فصيلين فصيل يرأسه توفيق الطيراوي عضو اللجنة المركزية، الذي وصف القرار بـ"العبثي" و"المساس بالكرامة الوطنية"، وفصيل آخر يحاول الدفاع عن القرار. في اجتماع اللجنة المركزية الأخير، الذي عُقد ، تحولت الجلسة إلى مواجهة حادة بين الأعضاء. الطيراوي رفع صوته منددًا بسياسة مؤسسة "تمكين"، بينما رائد أبو الحمص رئيس هيئة شؤون الأسرى، كتب بيانًا وصف فيه القائمين على المؤسسة بأنهم بلغوا "مستوى غير مسبوق من الوقاحة" عندما ادعوا أن "عددًا كبيرًا من العائلات لا يستحقون المساعدة". هذه ليست خلافات رأي، بل هي أزمة شرعية داخل الحركة الأم التي قادت فلسطين لعقود.
2.الغضب الشعبي الذي يتحول إلى غضب سياسي في نابلس، أغلقت عائلات الأسرى شارع فيصل الرئيسي، وأشعلوا إطارات السيارات أمام مقر المحافظة. في جنين، اعتصم المئات أمام مقر هيئة شؤون الأسرى، ورفعوا لافتات تقول: "الأسير ليس حالة اجتماعية". في رام الله، حملت نساء الشهداء صور أبنائهن وصرخن "دماء أبنائنا ليست للبيع". هذا الغضب لا يقتصر على الفصائل المعارضة، بل يشمل آلاف العائلات التي كانت دعمًا أساسيًا لحركة فتح ومنظمة التحرير والتي باتت تتحول القاعدة الشعبية إلى غضب منظم، فهذا ليس احتجاجًا عابرًا، بل هو أزمة ثقة لا تُصلحها بيانات الرئاسة.
3. التداعيات الاقتصادية الكارثية تقارير حقوقية تؤكد أن 60% من عائلات الأسرى يعتمدون على هذه المخصصات كمصدر دخل رئيسي في ظل معدلات بطالة تصل إلى 35% في الضفة الغربية و50% في قطاع غزة فإن قطع هذه الرواتب يعني تحويل آلاف العائلات إلى فقر مدقع عائلة الأسير محمد الحلبي من الخليل، الذي قضى 18 عامًا في السجون، تعتمد على مخصصات السلطة كمصدر دخل وحيد منذ استشهاد المعيل الوحيد قبل عام. الآن، هذه العائلة تقف في طوابير المساعدات الاجتماعية، بينما مخصصات الأسير محتجزة لأنها "لا تنطبق عليها معايير الحاجة" من يحدد هذه المعايير؟ الذي يجلس خلف مكتب مكيف في رام الله ليقرر أن عائلة أسير قضى نصف عمره في السجن "ليست بحاجة"؟
الضغط الخارجي والتنازلات الخاسرة: حساب الأرباح والخسائر
لا أشك لحظة أن القرار جاء تحت ضغوط أمريكية وإسرائيلية هائلة وتفاهمات سابقة . منذ عام 2018، يطبق الكونغرس الأمريكي قانون تايلور فورس الذي يمنع المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية طالما تدفع "مكافآت للإرهاب". إسرائيل تحتجز 4.2 مليار دولار من أموال المقاصة الفلسطينية كعقاب على هذه المخصصات. ولكن اسمح لي أن أسأل: ماذا جنينا من هذه التنازلات؟.
- هل أفرجت إسرائيل عن أموال المقاصة؟ لا، ما زالت الأموال محتجزة بالكامل.
- هل توقفت إسرائيل عن البناء الاستيطاني؟ لا، في عام 2025 وحده، وافقت الحكومة الإسرائيلية على بناء 12,000 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية.
- هل توقفت عن الاعتقالات والاغتيالات؟ لا، كما رأينا بالأرقام أعلاه.
لقد توالت الاعترافات الدولية من خلال دماء واعمار منضالينا وشهدائنا واسرانا المسفوحة على كل الطرقات وخلف السجون وبين الازقة والحارات هي من اتت بهذا الكم من الاعتراف بتضحيات شعب يقبع تحت الاحتلال ولا يزال ولم نحصل عليها كهبة او منحه من احد .
ثم دراسة وزارة المالية الفلسطينية التي نُشرت في مجلة "العربي الجديد" في مارس 2025، أظهرت أن مخصصات الأسرى لا تتجاوز 7% من ميزانية السلطة، مما يثبت أن القرار ليس ماليًا بل سياسيًا. عندما تقول مؤسسة "تمكين" إن "البحث الاجتماعي بين أن عائلات الأسرى لا تحتاج إلى الدعم"، فأنها تقول للشهيد: "دمك رخيص"، وتقول للأسير: "تضحياتك لا قيمة لها".
الحساب بسيط خسرنا الداخل ولم نربح الخارج هذا ليس ذكاءً سياسيًا، بل هو استسلام لمنطق الابتزاز الذي لن يتوقف عند حد. إذا استجبنا اليوم لمطلب قطع رواتب الأسرى، فماذا سيطلبون غدًا...؟ إغلاق مكاتب منظمة التحرير؟ تسليم المطلوبين؟ الاعتراف بيهودية الدولة؟
البديل المرفوض النضال لا يُدار بالاستمارات
كنت أنتظر منكم، ومن مجلس الوزراء واعضاء المجلس التشريعي المعطل ، هبة عارمة ترفض هذا الذل. كنت أتوقع أن تجتمع الفصائل جميعًا من كل الطيف الفلسطيني بدءا من فتح وحماس والجهاد والجبهة الشعبية - وتقول: "قضية الأسرى قضية وطنية لا تراجع فيها". كنت أتوقع أن تعلنوا إضرابًا عامًا في جميع مؤسسات السلطة حتى تفرج إسرائيل عن الأموال المحتجزة. كنت أتوقع أن تلتحقوا بالمتظاهرين في الشوارع وتقفوا معهم، لا أن تصدرون بيانات عن "الإصلاحات السياسية"
عندما يُهان الضمير
الأسرى في سجون الاحتلال يعيشون أقسى أنواع التعذيب: الإهمال الطبي المتعمد، العزل الانفرادي، التنكيل الجسدي والنفسي. الأسير كريم يونس، الذي قضى 41 عامًا في السجون، يعلم أن السلطة أوقفت مخصصات عائلته لأنه "لم يقض وقتًا كافيًا في السجن" هذا ليس خطأ إداريًا، بل هو إهانة للضمير الفلسطيني. عندما يتحول الأسير من رمز للنضال إلى "حالة اجتماعية"، فهذا يعني أننا نسلم برواية الاحتلال الذي يريد تصوير النضال الفلسطيني كـ"إرهاب" وليس كمقاومة احتلال.
عائلات الشهداء تعيش كابوسًا مزدوجًا: فقدان العزيز ووصمهم بأنهم "مستفيدون" من دماء أبنائهم. عندما تقول مؤسسة "تمكين" إن "البحث الاجتماعي بين أن عائلات الشهداء لا تحتاج إلى الدعم"، وكأننا نقول للشهيد: "دمك ليس غاليًا علينا".
مواقف الفصائل نداءات الوحدة الوطنية
النداء الأخير الذي أطلقته اللجنة العليا للأسرى المبعدين إلى مصر من حركة فتح في ديسمبر 2025 أكد أن "الخلل الأول في قضية الرواتب يقع على عاتق الرئيس"، مع دعوتهم إلى إعادة النظر جذريًا في الآلية خلال أسبوع. البيان المشترك لفصائل منظمة التحرير في 21 ديسمبر 2025 طالب بإلغاء القرار فورًا، محذرًا من "تشويه التاريخ النضالي الفلسطيني". حتى داخل اللجنة المركزية لحركة فتح، تحولت الجلسة إلى مواجهة حادة، حيث وصف عضو اللجنة المركزية توفيق الطيراوي القرار بأنه "مساس خطير بالكرامة الوطنية"، بينما أكد رائد أبو الحمص، رئيس هيئة شؤون الأسرى، أن القائمين على مؤسسة "تمكين" بلغوا "مستوى غير مسبوق من الوقاحة".
الجانب القانوني: قضية الأسرى ملك للمنظمة وليس للسلطة
أخي ابو مازن ،
لا يمكن فصل هذا القرار عن سياقه القانوني والتاريخي. قضية الأسرى والشهداء ليست مجرد مسألة رعاية اجتماعية، بل هي قضية وطنية مركزية تعود ملكيتها إلى منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. فالقوانين والأنظمة التي تحكم مخصصات الأسرى والشهداء صدرت بموجب قرارات من المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي، وهي تشكل جزءًا من المنظومة القانونية للمنظمة، وليس مجرد إجراء إداري للسلطة الوطنية الفلسطينية.
القرار الذي أصدرته في فبراير 2025 بإلغاء النظام القانوني لمخصصات الأسرى وتحويلها إلى مؤسسة "تمكين" جاء دون تشاور حقيقي مع الفصائل الفلسطينية المنضوية تحت لواء المنظمة، والمؤسسات المختصة مثل هيئة شؤون الأسرى والمحررين. هذا يشكل خرقًا لمبادئ الديمقراطية الداخلية التي طالما دعت إليها حركة فتح والفصائل في المنظمة. فالتاريخ يعلمنا أن القضايا الوطنية الكبرى لا تقرّر في الغرف المغلقة، بل تناقش في المحافل الوطنية الجامعة.
الثورات تُبنى بالمواجهة وتمتين طريق الوحدة والصمود
أخي أبو مازن، الحلول موجودة، لكنها تتطلب أن نعود إلى جوهر نضالنا:
- المواجهة القانونية الدولية: لنذهب إلى الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان في جنيف. فلسطين دولة مراقبة في الأمم المتحدة، ولدينا الحق في تقديم شكوى رسمية ضد سياسات الاحتلال التعسفية. المادة 92 من اتفاقية جنيف الرابعة تلزم الاحتلال بدفع تعويضات للعائلات المتضررة. يجب أن نشكل فريقًا قانونيًا فلسطينيًا دوليًا يرافع أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد جرائم الاحتلال، ويسترد أموال المقاصة المحتجزة ويمكن تحويل الأموال المحتجزة من المقاصة (4.2 مليار دولار) إلى صندوق دعم الأسرى والشهداء، كتعويض عن جرائم الاحتلال.
- التحالف مع الشعوب الحرة: لنفتح قنوات اتصال مع حركات التحرر في العالم، مع دول أمريكا اللاتينية التي تقف إلى جانب قضيتنا، مع الدول الإفريقية التي عاشت الاستعمار. فنزويلا وكوبا قدمتا لنا الدعم في أصعب الأوقات، والصين وروسيا تدعمان حقوقنا في المحافل الدولية. لنستغل هذه العلاقات لتشكيل جبهة دولية ضاغطة ضد الابتزاز الأمريكي-الإسرائيلي.
- إعادة تعريف دور السلطة: السلطة الوطنية ليست مؤسسة بيروقراطية للبحث عن الرضا الخارجي، بل هي الذراع التنفيذي لمشروع التحرير. يجب أن نتحول إلى سلطة مشتبكة مع الاحتلال، لا متساهلة معه. كل موظف في السلطة يجب أن يكون مناضلًا، كل مؤسسة يجب أن تكون ثكنة مقاومة سلمية. عندما يمنعنا الاحتلال من الوصول إلى أراضينا، يجب أن نشكل لجانًا شعبية تزرع الأراضي المهددة، وتبني المدارس في المناطق المهددة بالهدم.
- صندوق دعم وطني مستقل: لنخلق صندوق دعم وطني ممول من المغتربين الفلسطينيين ومؤسسات المجتمع الدولي الداعمة للحقوق المشروعة، بعيدًا عن المساعدات المشروطة. هذا الصندوق سيدعم الأسرى والشهداء والجرحى، وسيمول المشاريع التنموية في المناطق المهمشة. فالمخصصات لا يمكن أن تكون رهينة للضغوط الخارجية، بل يجب أن تكون حقًا وطنيًا لا يقبل المساومة.
- تشكيل لجنة وطنية موسعة برئاسة منظمة التحرير تضم جميع الفصائل ومؤسسات الأسرى، لإعادة هيكلة مؤسسة "تمكين" وفق المعايير الوطنية، بحيث تبقى قضية الأسرى قضية نضالية وليس اجتماعية او إعادة الملف إلى هيئة شؤون الأسرى، حيث الخبراء الحقيقيون هم من قضوا سنوات في السجون، وليس موظفو الإدارة الذين لا يعرفون معنى الاعتقال.
- الغاء جميع التصاريح الخاصة (VIP) وامتيازات المسؤولين ، بما فيها السيارات الفاخرة والمواكب والحماية الخاصة. إذا كنتم حقًا تحت الاحتلال، فمكانكم مع شعبكم في طوابير الانتظار عند الحواجز، ليس كـ"استثناء".
- إعلان حالة طوارئ وطنية تشمل إعادة تنظيم النفقات، وتخصيص كل الموارد المتاحة لدعم الصمود في وجه الاحتلال، وليس للبحث عن رضا الخارج.
- إعادة تعريف الأسير الفلسطيني في المناهج التعليمية والإعلام الرسمي ليس مجرد رقم في سجل، بل هو بطل وطني قدم عمره من أجل الحرية. وليس عائلته "حالة اجتماعية"، بل هي درع الوطن الذي صمدت بينما نحن نبحث عن المساومات.
تحرير الاوطان لا يبنى بسحب الذرائع :
ألا زلنا لم نتعلم من التاريخ ...؟ في فيتنام، عندما قرر الشعب أن ينتصر، لم يستسلم للقصف الأمريكي، بل زاد من صموده. في الجزائر، عندما قرر الشعب أن يتحرر، لم يرضخ للتعذيب الفرنسي، بل زاد من ثورته. في فلسطين، عندما يقرر الشعب أن ينتصر، لا يمكن لأي قرار بقطع رواتب الأسرى أن يوقف إرادته.
فالثورات التي حررت أوطانها لم تكن تتفاوض على رواتب الشهداء والجرحى. الثورة الجزائرية قدمت 1.5 مليون شهيد من أجل الاستقلال، ولم يقل أحمد بن بيلا: "دعونا نوقف رواتب أمهات الشهداء لتهدئة فرنسا". الثورة الفيتنامية قدمت 3 ملايين قتيل، ولم يقل هو تشي منه: "سنتعامل مع الشهداء كحالات اجتماعية". الثورة الكوبية قدمت كل شيء، ولم يقل فيديل كاسترو: "سنسحب الرواتب عن المناضلين لإرضاء أمريكا" النصر لا يأتي بالمساومات، بل بالتضحية. التحرير لا يأتي بالبحث عن الرضا، بل بالصمود في وجه الظلم. الدولة لا تبنى بالامتيازات، بل بالعدل والمساواة .
الثورة الفلسطينية بدأت بواكيرها عام 1917، وقدمت حتى اليوم 275,000أسير مروا بتجربة السجون الإسرائيلية، واكثر من 150,000 شهيد سقطوا في مسيرة التحرير. هؤلاء ليسوا "حالات اجتماعية"، هم عماد الوطن، هم الذين بنوا شرعية وجودنا. عندما تقول مؤسسة "تمكين" التي ترأسها إن "البحث الاجتماعي بين أن عائلات الأسرى لا تحتاج إلى الدعم"، ولا ان نرثي الشهيد بالكلمات الجوفاء التي لا تطعم ولا تغني من جوع
نداء في الطريق إلى التحرير
أخي ابو مازن ، إما أن تكون مع شعبك في هذا الطريق .......؟
فأنت قائد شعب يئن تحت الاحتلال، شعب قدم أغلى التضحيات في مسيرة التحرير. لذا نحن لانبحث عن رضا أمريكا وإسرائيل بقطع رواتب الأسرى الطريق إلى الدولة الفلسطينية المستقلة لا يمر بالتنازل عن ثوابتنا أو بتقسيم شعبنا إلى فئات اجتماعية ومناضلين. الطريق إلى الدولة يمر بالوحدة الوطنية، والتمسك بالثوابت، والصمود في وجه الاحتلال، واحترام تضحيات شهدائنا وأسرانا.
الشعب الفلسطيني يريد مناضلا يقف في وجه الاحتلال، حتى لو كلفه ذلك السلطة. يريد من يحافظ على كرامة الشهيد والأسرى، حتى لو كلفه ذلك خسارة حياته (( ك الشهيد ياسر عرفات – وابو علي مصطفى...)) والقائمة تطول
يريد من يضع مصلحة الشعب فوق المصالح الشخصية والحسابات الصغيرة.
النضال ليس شعارًا يُرفع في المؤتمرات، بل هو خيار يومي. والكرامة لا تُشترى بالاستسلام، بل تُحافظ عليها بالصمود. التاريخ لن يحكم علينا بمدى قبولنا في الخارج ، بل بمدى وفائنا لدماء شهدائنا وعذابات أسرانا.
المجد الحقيقي للقائد في الحفاظ على كرامة شعبه وتضحياته ، بل بالصمود في وجه الظلم. الدولة لا تبنى بالامتيازات، بل بالعدل والمساواة.
الشعب الفلسطيني قرر أن ينتصر، والسؤال: هل ستكون معه في هذه الرحلة التاريخية؟
أم أنك ستستمر في السير في طريق المساومات التي تقودنا جميعا إلى الهاوية؟
أخي أبو مازن،
أرجو أن تقبل مني اعتذارًا صادقًا لو وجدت في كلماتي السابقة شيئًا من الجراءة أو الوقاحة. فما حملني عليها إلا ألمٌ عميق على واقعنا، وحرصٌ لا يخالطه إلا الود والاحترام لك. فأنت الأخ والقائد الذي قضى عمره لخدمة قضيته وشعبه.
تقبل فائق احترامي وتقديري.










