في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، وصل الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، الثلاثاء 30 ديسمبر 2025، إلى أنقرة، في زيارة وُصفت بأنها عاجلة واستثنائية، جاءت في أعقاب اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» ككيان مستقل، وما أثاره ذلك من تداعيات سياسية وأمنية في القرن الإفريقي. الزيارة عكست حجم القلق في مقديشو من محاولات تفكيك الدولة الصومالية عبر بوابة التحالفات الخارجية، كما كشفت في المقابل عن الدور التركي المتقدم في معادلة الصراع الإقليمي.
عُقدت المحادثات في قصر دولمة بهجة بإسطنبول، وركزت على ثلاثة ملفات رئيسية: وحدة الأراضي الصومالية، التعاون الأمني والعسكري، ومشروعات الطاقة والنفوذ البحري في البحر الأحمر وخليج عدن. وتحوّلت الزيارة سريعًا إلى منصة سياسية لمهاجمة الخطوة الإسرائيلية، ولإعادة تثبيت أنقرة كراعٍ إقليمي أساسي للصومال في مواجهة محاور منافسة.
خلفيات الزيارة وسياقها السياسي
جاءت زيارة حسن شيخ محمود بعد أربعة أيام فقط من إعلان حكومة الاحتلال، في 26 ديسمبر 2025، اعترافها الرسمي بـ«أرض الصومال»، في سابقة هي الأولى من نوعها دوليًا منذ إعلان الإقليم انفصاله من جانب واحد عام 1991. هذا الاعتراف قوبل برفض واسع من الحكومة الصومالية، والاتحاد الإفريقي، ومنظمة التعاون الإسلامي، وعدد من الدول العربية، باعتباره انتهاكًا صارخًا لسيادة الصومال ووحدة أراضيه.
بالنسبة لمقديشو، لا يُنظر إلى الخطوة الإسرائيلية كإجراء دبلوماسي معزول، بل كجزء من مشروع أوسع يستهدف إعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي، واستغلال هشاشة الدولة الصومالية لصالح ترتيبات أمنية إقليمية، خصوصًا في ظل الموقع الاستراتيجي لـ«أرض الصومال» المشرف على خليج عدن وباب المندب.
الزيارة ترافقت مع احتجاجات في العاصمة الصومالية، واتهامات رسمية لإسرائيل بمحاولة استخدام الإقليم كورقة ضغط إقليمية، بل وذهب بعض المسؤولين الصوماليين إلى ربط الاعتراف الإسرائيلي بمزاعم عن خطط لتهجير فلسطينيين من غزة، في خطاب يعكس حجم الاحتقان الشعبي والسياسي تجاه تل أبيب.
تفاصيل اللقاء في أنقرة
استمرت المباحثات بين الرئيسين حسن شيخ محمود ورجب طيب أردوغان لساعات، وشملت جلسات مغلقة وأخرى موسعة، أعقبها مؤتمر صحفي مشترك. أردوغان تبنى موقفًا حادًا، واصفًا الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» بأنه «غير شرعي وغير مقبول»، ومؤكدًا أن تركيا «لن تقبل بأي مساس بوحدة الأراضي الصومالية».
من جهته، أشاد الرئيس الصومالي بالدعم التركي المتواصل، معتبرًا أن أنقرة كانت «ولا تزال شريكًا حقيقيًا» في مواجهة التحديات التي تهدد سيادة بلاده، سواء من الجماعات المسلحة أو من التدخلات الخارجية. وأكد أن الصومال ينظر إلى تركيا كضامن سياسي وأمني في مرحلة دقيقة من تاريخه الحديث.
اللقاء لم يقتصر على الملف السياسي، إذ أعلن أردوغان نتائج المسوحات الزلزالية التي أجرتها شركات تركية قبالة السواحل الجنوبية للصومال، في إطار اتفاقيات الطاقة الموقعة بين البلدين خلال 2025، كاشفًا عن خطط لبدء عمليات الحفر الاستكشافي للنفط والغاز عام 2026، ما يفتح بعدًا اقتصاديًا جديدًا للتحالف بين الطرفين.
تركيا كلاعب مركزي في القرن الإفريقي
منذ مطلع العقد الماضي، رسخت تركيا حضورها في القرن الإفريقي، معتمدة على مزيج من القوة الناعمة والصلبة. في الصومال تحديدًا، تدير أنقرة أكبر قاعدة عسكرية خارج أراضيها، وتوفر برامج تدريب وتسليح للجيش الصومالي، إلى جانب استثمارات ضخمة في البنية التحتية والموانئ والمطارات.
وفق تقارير مراكز أبحاث مثل Horn Review، شكّلت المساعدات التركية للصومال أكثر من نصف إجمالي المساعدات التركية لإفريقيا بين 2015 و2020، ما يعكس مركزية مقديشو في الاستراتيجية الإفريقية لأنقرة. وفي فبراير 2025، وقّع الطرفان اتفاق دفاعي طويل الأمد يشمل حماية السواحل الصومالية ومكافحة القرصنة والتدخلات الخارجية.
هذا الحضور لم يكن بمعزل عن منافسة إقليمية محتدمة، إذ تسعى تركيا لموازنة نفوذ قوى أخرى، مثل الإمارات وإسرائيل، وكذلك إثيوبيا التي أبرمت مذكرة تفاهم مثيرة للجدل مع «أرض الصومال» مطلع 2024 للحصول على منفذ بحري.
تقاطع المصالح التركية مع ملف «أرض الصومال»
تتقاطع مصالح تركيا مع ملف «أرض الصومال» عند أكثر من مستوى. فأنقرة، التي لعبت دور الوسيط بين مقديشو وهرجيسا منذ 2013، ترفض أي خطوة انفصالية، معتبرة أن استقلال الإقليم سيقوض استثماراتها ونفوذها السياسي في الصومال، ويفتح الباب أمام فوضى إقليمية.
في المقابل، ترى أنقرة في الاعتراف الإسرائيلي تحديًا مباشرًا، ليس فقط لوحدة الصومال، بل أيضًا لمعادلات النفوذ في البحر الأحمر. فوفق تحليلات نشرتها Middle East Eye، تخشى تركيا من أن يتحول ميناء بربرة إلى منصة عسكرية أو استخباراتية إسرائيلية، بما يهدد التفاهمات البحرية الموقعة بين أنقرة ومقديشو.
مركز Habtoor Research أشار إلى أن التحالف التركي–الصومالي يمنح أنقرة أفضلية في مواجهة ترتيبات إقليمية منافسة، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن التصعيد مع داعمي «أرض الصومال» قد يجر المنطقة إلى صراع محاور مفتوح.
تركيا وإسرائيل.. وجبهة صراع جديدة
قدّم المحللون رؤى متباينة حول الزيارة ودور تركيا الإقليمي. وتجدر الإشارة هنا إلى رؤية الخبير الإقليمي تونج دميرتاش بأن تركيا تتبنى "منظوراً إقليمياً"، حيث تُشرك الصومال دائماً في العمليات وتُعزز العلاقات دون المساس بالاستقرار. كثيراً ما يصف خبراء مؤسسة سيتا (مركز أبحاث بارز مقره أنقرة) استراتيجية تركيا تجاه القرن الأفريقي بأنها متوازنة وذات تركيز إقليمي. وتُصوّر تحليلات سيتا وساطة تركيا في النزاعات (مثل النزاع بين الصومال وإثيوبيا عبر عملية أنقرة) على أنها بناءة، مما يُرسّخ مكانة أنقرة كعامل استقرار في القرن الأفريقي.
ويصف فيديريكو دونيلي (مؤلف كتاب تركيا في أفريقيا) مشاركة تركيا في الصومال بأنها نهج "هجين" يجمع بين العمل الإنساني والبنية التحتية والتعاون الأمني، مما يميزها عن القوى الغربية التقليدية أو القوى الناشئة.

فيما أشار بريندن جيه كانون إلى أن جهود تركيا قد أسفرت عن "نتائج إيجابية معينة" في بناء الدولة والاستقرار، حتى وإن بقيت التحديات قائمة. وأعرب يونس تورهان،محلل العلاقات التركية الأفريقية، عن تفاؤله بأن تؤدي الاتفاقات التركية إلى حلول دبلوماسية، مثل المحادثات بين إثيوبيا والصومال.
على الجانب الآخر، يرى محلل الشؤون الإقليمية زفي بارئيل، أن القرن الإفريقي بات «جبهة جديدة» في الصراع غير المباشر بين تركيا وإسرائيل، حيث تسعى كل دولة إلى تأمين موطئ قدم استراتيجي قرب الممرات البحرية الحيوية.
من جهته، يعتبر الباحث مايكل روبن، في دراسة لمؤسسة Foreign Policy Research Institute، أن التوسع التركي في إفريقيا يمثل «محور ارتكاز استراتيجي»، لكنه يحمل مخاطر الإفراط في التمدد، خصوصًا إذا تحوّلت الصومال إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.
أما Horn Review، فحذرت من أن الدعم التركي غير المشروط لمقديشو قد يعمّق الانقسامات الداخلية، رغم أنه يعزز سلطة الحكومة المركزية على المدى القصير. في حين يشير تقرير لمعهد الشؤون الخارجية إلى أن ملف «أرض الصومال» يختبر قدرة أنقرة على الموازنة بين دعم الوحدة الصومالية والحفاظ على قنوات الحوار.
دلالات الزيارة وآفاقها
تعكس زيارة حسن شيخ محمود إلى أنقرة تموضعًا صوماليًا واضحًا داخل محور إقليمي تقوده تركيا، في مواجهة تحركات إسرائيلية وإثيوبية تهدد وحدة البلاد. كما تكشف عن تحوّل القرن الإفريقي إلى ساحة صراع جيوسياسي مفتوح، تتقاطع فيه ملفات الأمن والطاقة والممرات البحرية.
في المحصلة، تعزز الزيارة التحالف التركي–الصومالي، لكنها في الوقت ذاته ترفع منسوب التوتر الإقليمي، وتضع أنقرة أمام اختبار صعب: كيف تحافظ على نفوذها المتنامي دون الانزلاق إلى صدامات بالوكالة قد تعصف باستقرار منطقة شديدة الهشاشة.










