لم يكن عام 2025 عامًا عاديًا في مسار القضية الفلسطينية، بل شكّل واحدة من أكثر محطاتها قسوة وكشفًا منذ عقود. عامٌ تجمّعت فيه عناصر الإبادة والتهجير والتجويع في قطاع غزة، بالتوازي مع تسارع مشاريع الضم والتفتيت في الضفة الغربية، في ظل عجز دولي غير مسبوق، وانحياز أمريكي كامل وفجّ لصالح الاحتلال، أعاد طرح سؤال العدالة الدولية ومصداقية النظام العالمي برمّته.
في غزة، لم تتوقف الحرب عند حدود القصف والتدمير، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة تستهدف الحياة ذاتها: حصار خانق، انهيار شامل للبنى الصحية والتعليمية، ومجاعة صامتة رافقت عمليات قتل جماعي ونزوح قسري، أعادت إلى الواجهة مشاريع تهجير قديمة بلبوس جديد. أما في الضفة الغربية، فقد بدا 2025 عامًا لتكريس واقع الكانتونات، مع تمدد الاستيطان، وتصاعد عنف المستوطنين، وتفكك الجغرافيا الفلسطينية تحت شبكة من الحواجز والطرق الالتفافية، وسط تآكل غير مسبوق لدور السلطة الفلسطينية وعجزها عن حماية مجتمعها.
دوليًا، كشف العام عن فشل ذريع لمنظومة القانون الدولي، حيث عجزت الأمم المتحدة والمؤسسات القضائية عن ترجمة إداناتها وقراراتها إلى أفعال رادعة، بفعل الفيتو الأمريكي والدعم الغربي المفتوح لحكومة الاحتلال. ورغم اتساع رقعة التضامن الشعبي عالميًا وصدور اعترافات جديدة بدولة فلسطين، ظل المسار السياسي مشلولًا، فيما واصلت إسرائيل فرض الوقائع بالقوة.
اقرأ أيضا: 2025 في فلسطين (1-2): عام الإبادة المفتوحة وتكريس العلو الإسرائيلي
هذا الملف يرصد حصاد فلسطين في عام 2025 كما يراه الخبراء: عامًا لم يكن دمويًا فحسب، بل لحظة مفصلية أعادت تعريف الصراع، وفتحت الباب على عام 2026 مثقلًا بالأسئلة، ومفتوحًا على احتمالات الحسم أو الانفجار الشامل، في معركة باتت معركة وجود قبل أن تكون صراعًا على حدود.
غزة في 2025: إبادة وتهجير وتجويع
وقال الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني سميح خلف، إن أهم المؤثرات التي حدثت على القضية الفلسطينية خلال عام 2025 تجديد مشروع التهجير لأبناء قطاع غزة وهو مشروع قديم متجدد منذ خمسينيات القرن الماضي.
وأوضح "خلف"، في تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أن هذا المشروع الذي ظهر نتيجة دراسات معمقة للحركة الصهيونية بأن الخطر على المشروع الصهيوني وما يسمى الدولة الإسرائيلية ويهودية الدولة هو التزايد الديموغرافي للشعب الفلسطيني.
وأشار إلى أنه كان من أسباب وتداعيات طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 هو سلوك الإبادة الجماعية الذي مارسته الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل على الشعب الفلسطيني في داخل قطاع غزة وعمليات الإزهاق والتجويع.
ولفت "خلف" إلى أن عام 2025 انتهى بعدما عانى الفلسطينيون من نقص في الغذاء والدواء وانهيار الاقتصاد والتعليم والصحة ونسب عالية جدا في البطالة، سواءا في الضفة الغربية أو غزة.
2025 في الضفة: عام الضم والتقسيم
وقال الكاتب والمحلل السياسي إن عام 2025 شهد ظهور خطة تقسيم الضفة الغربية إلى عدة كانتونات ومئات الحواجز والطرق الالتفافية بما يسمى خطة "سموتيرتش بن غفير" لضم الضفة الغربية ووضع عراقيل تحبط قيام دولة فلسطينية مع تمدد لحركة المستوطنين وهجماتهم على قرى ومدن الضفة الغربية إلى الوصول إلى ميدان المنارة وسط رام الله.
وانتقد "خلف" حالة العجز الكامل من أجهزة السلطة لحماية الفلسطينيين من تلك الهجمات والتي تخضع للسيطرة الكاملة للسلطة بموجب اتفاق أوسلو.
وحذر "خلف" من أنه في عام 1965، عجز الفلسطينيون عن إنهاء الإنقسام السياسي والأمني مما أضعف الحركة الوطنية الفلسطينية وهذا أدى إلى صعوبة تحقيق الأهداف الوطنية ووضع معالجات للمرحلة.
عام الفشل الأممي والعجز الدولي
كما تحدث "خلف" عن فشل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في وقف العدوان على قطاع غزة وإيصال المساعدات الإنسانية للقطاع نتيجة الفيتو الأمريكي وسياسة اليمين المتطرف المدعوم من أمريكا.
وشدد المحلل السياسي الفلسطيني على أنه مع ازدياد المعاناة الفلسطينية لازال هناك نقص وعجز عن وقف الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة رغم قرار وقف إطلاق النار.
وانتقد "خلف" عجز المجتمع الدولي عن تنفيذ توصيات وقرارات محكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية التي تشير بإرتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة.
2026: وقف نار معطل وتدويل غزة
وعن رؤيته للعام 2026، توقع "خلف" أنه برغم موافقة حماس على وقف إطلاق النار والتزامها بخطة ترامب المكونة من 20 بندا، وتنفيذ بنود المرحلة الأولى، ستستمر إسرائيل في وضع العقبات في تطبيق المرحلة الثانية. وأضاف أنه يمكن لإسرائيل أن تختلق أكثر من مبرر، على رأسهم قصة نزع سلاح حماس وعدم إشراكها في إدارة قطاع غزة.
ونوّه "خلف" إلى أنه في عام 2026 سيظل التباين واضح بين المتطلبات الأمنية في قطاع غزة وبين المتطلبات الوطنية التي تطرحها حماس والتي تتلخص في الشروع بإقامة الدولة الفلسطينية، والحل السياسي لكي تنصهر أجهزة حماس العسكرية في بناء القوة الأمنية للدولة الفلسطينية.
وزاد: "وبرغم المرونة التي طرحتها حماس في طريقة تعاملها مع قوة السلام الدولية التي ترى إسرائيل إنها يجب أن تكون في حالة اشتباك لنزع سلاح حماس، في حين ترى حماس بأنها يجب أن تكون قوة سلام بعد انسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة".
وأكد "خلف" أن إسرائيل ستجد أكثر من مبرر بحيث تحتفظ بالمنطقة الصفراء والتي تقوم الآن بتدمير كل الأبنية الموجودة فيها بمسح كامل، بحيث يعاد فيها الإعمار دون التوصل لنقاط اتفاق مع حماس. ولفت إلى أنوهذا هو نفس موقف أمريكا -سواء في الجنوب أو الشمال- لإعادة الإعمار، وهذا يعطي بعدا آخر لعام 2026 للسياسة الأمريكية في قطاع غزة، يأخذنا إلى تنفيذ خطة ترامب وأطماعه لبناء منطقة سياحية في الشمال ومنطقة صناعية في الجنوب تستثمر غاز غزة.
كما حذر "خلف" من أن العام 2026 سيشهد قطاع غزة مزيدا من خطوات تدويله واستثماره ليخدم أطماع نتنياهو في التملك العقاري والسياحي ويحقق الأمن لشركات أمريكية إسرائيلية وبمشاركة بعض دول الإقليم.
فيما أوضح أنه ليس في المنظور البت بحل سياسي للقضية الفلسطينية خلال 2026، بل ربما بعد ثلاث أو أربع سنوات، وهذا متوقف على قوة صمود الشعب الفلسطيني وقوة وموقف الدول الداعمة لوجود دولة فلسطينية وهذا ما يتعاكس مع البرنامج الأمريكي الإسرائيلي لقطاع غزة والضفة.
الاستيطان كمعركة وجود
وأضاف: "في عام 2026 لن تتوقف حركة الاستيطان في الضفة الغربية، وسيشهد عام 2026 مزيدا من إجراءات التهويد والضم للضفة الغربية، فالواقع المعمول به على الأرض يختلف كثيرا عن ما صدر من تصريحات للإدارة الأمريكية حول الإستيطان في الضفة، بل سيبقى الاستيطان هو المحرك الرئيسي لحكومة نتنياهو الى شهر يونيو القادم، موعد الانتخابات الإسرائيلية التي يمكن أن يحضر ترامب وقائعها الأولى دعما لنتنياهو أمام قوى الوسط واليسار الإسرائيلي".
ووفقا لـ"خلف"، اجمالا عام 2026، سواءا فاز اليمين أو اليسار أو المعتدلين في إسرائيل ستبقى غزة تشكل هاجس وجودي لهم بعد 7 أكتوبر 2023، وهاجس أمني وستبقى الضفة الغربية هي من المعارك الأساسية في نظرية الأمن الإسرائيلي التي تعتمد على تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية والوطنية في الضفة من خلال سلطة تؤدي دور وظيفي يقتصر على العمل الإداري والأمني، مما يعطي دولة الاحتلال ظروف هادئة لتقطيع أوصال الضفة الغربية.

لم يكن مجرد عام دموي
بدوره، أكد د. إسماعيل المسلماني، المختص بالشان الإسرائيلي، أن عام 2025 لم يكن مجرد عام دموي، بل لحظة كاشفة لتحولات عميقة في بنية الصراع. منوها أن المقاومة أثبتت قدرتها على الصمود والمفاجأة، بينما فشلت إسرائيل في فرض معادلاتها رغم تفوقها العسكري. أما دوليًا، فقد بدأت ملامح تحول في المزاج العام تجاه فلسطين، وإن كان بطيئًا ومترددًا.
كما لفت المسلماني، في تصريحات خاصة لـ"180 تحقيقات"، إلى التأثيرات الإنسانية الكارثية التي شهدها عام 2025، فالحصار والدمار في غزة بلغ مستويات غير مسبوقة، ما دفع منظمات دولية للتحذير من انهيار شامل في القطاع.
وقال "المسلماني" إن عام 2025 كان عامًا مفصليًا في مسار القضية الفلسطينية، إذ شهد تحولات استراتيجية في الصراع، وتبدلات في المواقف الإقليمية والدولية، ما يجعل عام 2026 عامًا مفتوحًا على احتمالات التصعيد أو التحول السياسي.
تغير قواعد الاشتباك
وأوضح "المسلماني" أن أبرز التحولات في مسار الصراع تمثلت في تغير قواعد الاشتباك، فقد شهد عام 2025 تصعيدًا غير مسبوق في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية، وردود نوعية من المقاومة، ما أدى إلى تآكل "الهدوء النسبي" الذي ساد بعد 2021.
وأضاف أن تنامي دور الضفة كان لافتا أيضا في 2025، إذ برزت الضفة الغربية كمسرح رئيسي للمواجهة، مع تصاعد العمليات الفردية والمنظمة، وتراجع السيطرة الأمنية للسلطة الفلسطينية في بعض المناطق.
وتحدث "المسلماني" عن تآكل الردع التقليدي، بعدما فشلت إسرائيل في فرض معادلة ردع حاسمة، رغم استخدام القوة المفرطة، ما أعاد النقاش حول جدوى الحلول الأمنية مقابل السياسية.
وحول انعكاسات الحرب والمقاومة على الإقليم، قال "المسلماني"، إن عام 2025 شهد توسيع رقعة الاشتباك، إذ امتدت المواجهات إلى الجبهة الشمالية مع حزب الله، وظهرت مؤشرات على تنسيق عملياتي بين فصائل المقاومة في غزة ولبنان.
عام تحدي التطبيع
وأشار الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي إلى ما وصفه بـ"تحدي التطبيع"، فرغم استمرار بعض مسارات التطبيع، إلا أن الحرب أعادت تسليط الضوء على مركزية القضية الفلسطينية، وأحرجت بعض الأنظمة المطبعة أمام شعوبها.
في موازاة ذلك، تحدث "المسلماني" عن انقسام عربي واضح خلال 2025، فقد تفاوتت المواقف العربية بين دعم سياسي وإنساني قوي من بعض الدول، وصمت أو تواطؤ من أخرى.
فيما قال "المسلماني" إن 2025 شهد اعترافات جديدة بدولة فلسطين من دول في أوروبا وأمريكا اللاتينية، ما عزز الزخم الدبلوماسي رغم الجمود السياسي. وشدد على أن الحرب أعادت طرح القضية الفلسطينية كملف مركزي في النظام الدولي، وسط دعوات متزايدة لعقد مؤتمر دولي جديد.
2026: تصعيد محتمل شمالا.. وتراجع لدور السلطة الفلسطينية
وحول رؤيته الاستشرافية لعام 2026، توقع "المسلماني"، تراجع دور السلطة الفلسطينية، فمع استمرار فقدان الشرعية الشعبية، قد نشهد تحولات داخلية أو محاولات إعادة هيكلة.
ونوّه "المسلماني" إلى توفر فرصة دبلوماسية نادرة، فإذا استثمر الفلسطينيون الزخم الدولي، قد يكون 2026 عام إعادة طرح مبادرة سياسية شاملة، خاصة مع تغيرات محتملة في الإدارة الأمريكية أو الأوروبية.
كما حذر "المسلماني" من احتمالية التصعيد في الجبهات الشمالية، فالتهديدات الإسرائيلية للبنان قد تتحول إلى مواجهة محدودة أو شاملة.
انعكاسات خطيرة
من جانبه، قال الكاتب مصطفى إبراهيم، المحلل السياسي الفلسطيني، إن انعكاسات الحرب على المقاومة خلال العامين الماضيين كانت خطيرة وكبيرة، ففقدت المقاومة كثير من ذخرها الاستراتيجي -في إشارة إلى القادة السياسيين والعسكريين- وأيضا ما فقدته من كثير من الأسلحة خلال حرب تدميرية منهجية استخدمها الجيش الإسرائيلي.
وأوضح "إبراهيم"، في تصريحات خاصة لـ"180 تحقيقات"، أن ما جرى خلال 2025 تمخض في أكتوبر 2025 بإعلان وقف اطلاق النار، وما نراه الآن وما نشهده من مماطلات إسرائيلية. وتابع: "صحيح أن إطلاق النار لكن لم تتوقف الاغتيالات والنوايا الإسرائيلية والسياسة الإسرائيلية بالرغم من اتفاق وقف اطلاق النار، وذهاب ترامب بقرار من مجلس الأمن بشأن غزة، وتشكيل مجلس السلام وهيئة الاستقرار وحكومة التكنوقراط التي لم تنجز حتى الآن وكل ذلك هو ليس في صالح الفلسطينيين".
فرض الوصاية على فلسطين
وأكد "إبراهيم" أن هذا بمثابة فرض وصاية على الشعب الفلسطيني وعدم قبول أي كيانية فلسطينية، وهو لم يقبل بحماس ويريد أن تنزع السلاح وأن تختفي من المشهد في إدارة قطاع غزة ويرفض السلطة الوطنية بالأساس أيضا، ويقول لا لحماس ولعباس وهذا انطلاقا من رفض أي كيانية فلسطينية.
وأضاف: "حتى فيما يتعلق بالحديث في أحد بنود الإتفاق عن مسار سياسي لحل الصراع الفلسطيني، هو يقول أنه سيذهب إلى مفاوضات قد تفضي إلى مسار سياسي وهذا أيضا تراجع خطير ولم يعترف بحق الفلسطينيين بإقامة دولة فلسطينية".
وشدد "إبراهيم" على أن أبرز انعكاسات الحرب والسياسات الإسرائيلية على الإقليم، ما يتعلق بما سمي أو بما أطلق عليه محور المقاومة، والضربات الكبيرة التي تلقاها حزب الله وفقدان المقاومة لسوريا التي كانت في السابق جزء من محور المقاومة، أيضا الضربات الكبيرة التي تلقتها إيران وما زالت التهديدات قائمة ضد إيران هذا يضعف إلى حد ما المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في ظل تحولات كبيرة جدا.
واقع عربي متردٍ
وأوضح "إبراهيم" أن الواقع العربي هو واقع متردٍ ليس داعما للمقاومة الفلسطينية، صحيح أن لديه موقف يدعم الشعب الفلسطينيي سياسيا ودبلوماسيا، لكن هذا الدعم مقتصر على الدبلوماسية أكثر في الأمم المتحدة، لكن لا يوجد دعم حقيقي للمقاومة.
ونوّه "إبراهيم" أن السيناريوهات على المنطقة العربية هي ليست سهلة، رغم أن هناك بعض المحاولات من بعض الدول العربية لكن الموقف العربي ليس واحد وليس موحدا. مضيفا: "لذا ما يجري على مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي -للأسف أصبحنا نقول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي- لأنه حتى المصطلح الذي اعتدنا عليه الصراع العربي الإسرائيلي ربما فقد أو نزع من هويته وتسميته نظرا لاتفاقيات التطبيع التي جرت مع مصر والأردن وبعض الدول العربية ولاحقا التطبيع مع بعض الدول أو ما سمي بالتطبيع الإبراهيمي أو الاتفاقيات الإبراهيمية التي عقدت في عهد ترامب الأول كل هذه أعتقد أشياء تؤثر بشكل كبير على الفلسطينيين وعلى الواقع الفلسطيني".
2026: مستقبل يشوبه الغموض
حذر "إبراهيم" من أن المستقبل خلال عام 2026 يشوبه غموض كبير في السياسة الأمريكية الإسرائيلية، فزيارة ترامب والتأييد الكبير لنتنياهو ودعمه، وتهديد المقاومة بأنه خلال شهرين إذا لم تنزع حماس السلاح فسيكون هناك رد.
وأضاف: "أعتقد هي نفس السياسات لكن دعنا نرى أن الموضوع هو أكبر من ذلك، السياسة الإسرائيلية الأمريكية أعتقد أن إسرائيل هي المحور الآن، بمعنى أنها هي من تدير الصراع، صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية شاركت في الحرب، وهي حربها أيضا بالأساس، كانت ضد قطاع غزة انطلاقا إلى الإقليم وما جرى في لبنان وإيران والتهديدات التي تطلق في أكثر من منطقة عربية ضد الحوثيين وغيرها".
وتحدث "إبراهيم" عن وجود شبه استسلام عربي في بعض المواقف، فالإمارات وموقفها الواضح تجاه إسرائيل، وهناك مصر تحاول، السعودية لديها ربما قد يكون موقف مختلف، لكن باقي الدول العربية تسير في نفس السياق.
إطلاق يد نتنياهو
وحذر من أن الخطير هو تلك اليد التي أطلقت من ترامب لنتنياهو لإدارة الشرق الأوسط كما يريد، هذا لا يمكن تصور أنه قد ينجح، لكن في كثير من المفاصل ناجح حتى الآن، فعندما تضرب غزة لمدة عامين ويتم تدميرها ولا يستطيع العرب الضغط ولا المسلمين، حتى اللجنة الثمانية التي شكلت من بعض الدول العربية واجتمعت مع ترامب قبل إعلانه عن وقف إطلاق النار، على هامش الجمعية العامة للمتحدة تحاول لكن هذا ليس ضغطا حقيقيا.
وأوضح أن هناك بعض الدول التي تحاول لكن الأوضاع لن تكون في صالح الفلسطينيين خلال العام القادم كما العامين الماضيين، لأنه لا يوجد موقف عربي موحد يستطيع مواجهة ترامب، هناك محاولات من مصر قطر، وتركيا فيما يتعلق بهيئة الاستقرار بمجلس السلام بقوة متعددة الجنسيات.
وأشار إلى أن نتنياهو يحاول إفشال كل هذه المسميات، لأنه إسرائيل تريد حفظ أمنها بنفسها ولا تثق بأي قوة أيا كانت، وهو يرفض أن تكون تركيا أساسا بقوة الاستقرار، وأذربيجان اليوم قالت إنها لن تشارك في أي قوة لنزع السلاح ولن تضحي بأي مواطن أذربيجاني، كل هذا يدفع إلى أن إسرائيل هي التي ستستمر في احتلال غزة.
ولفت إلى أن ظهور تقارير إسرائيلية نقلاً عن نتنياهو بإن إسرائيل لن تفتح معبر رفح طالما بقيت جثة الجندي الإسرائيلي المختطف، هذا يأتي في سياق العقل الإسرائيلي والسياسة الإسرائيلية المتبعة.
وذكر "إبراهيم" أن هذا لا يعني أن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية تستطيعا تمرير كل سياساتهم، لكن في ظل الموقف العربي العام والمشهد الفلسطيني المنقسم والمرتبك أيضاً وعدم مواجهة الاحتلال، والضعف الذي لحق بحركة حماس كحركة مقاومة، والطلب منها مغادرة المشهد المدني بمعنى أن تكون جزء من الحكم في قطاع غزة وهي موافقة بناء على الاتفاق لكن حماس تتمسك بأن نزع سلاحها يجب أن يتوافق وطني.

استمرار الحرب عسكريا وإنسانيا
من جانبها، قالت د. تمارا حداد، الكاتبة والباحثة السياسية، إن العام 2025 شهد استمرار الحرب، ليس فقط من خلال الضغط العسكري، بل كان هناك ضغط إنساني، وعمليات عسكرية إسرائيلية، ودمار وخسائر بشرية، ليس فقط في قطاع غزة، بل في الضفة الغربية أيضا التي شهدت عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة أسفرت عن تدمير عدد أحياء من المخيمات ونزوح عشرات الآلاف من المواطنين الفلسطينيين.
وفي تصريحات لـ"180 تحقيقات"، أضافت: "طبعا انعكاسات هذه الحرب على قطاع غزة كانت سلبية إنسانيا واجتماعيا، بنزوح قسري ودمار في غزة والضفة الغربية. قطاع غزة عانى من كارثة إنسانية مستمرة حتى هذه اللحظة".
وأشارت إلى أن واقع السياسات الإسرائيلية تعزز تحت إطار السيطرة الأمنية الإسرائيلية، والدليل أن هناك احتلال 60% من أرض قطاع غزة. منوهة أن الحكومة الإسرائيلية استثمرت فوضى الحرب واستمرار الدعم الأمريكي لتحقيق توسيع مستوطناتها وتثبيت سيطرة على الضفة وتثبيت ركائز وجودها في قطاع غزة تحت إطار ما يسمى المناطق الآمنة العازلة.
وأردفت: "وبالتالي كان هناك تأزم للحالة القضية الفلسطينية لأن هذه القضية أصبحت تحت إطار إما تصفيتها أو إيجاد حلول، ولكنها تحت إطار تصفيتها".
2025: عام تحول الصراع
وأوضحت "حداد"، أن العام 2025 كان عام تحول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى جزء من ديناميكية أوسع في الشرق الأوسط، على وقع تصاعد التوترات بين إسرائيل وإيران والتحول في بعض النزاعات، مثل التغيرات في المشهد اللبناني والسوري ما أدى إلى تغير في التوازنات الإقليمية والقوة في منطقة الشرق الأوسط.
وأكدت "حداد" أن عام 2025 لم يكن مجرد امتداد صراع، بل شهد تطور في الحالة من تداخل أوسع في التوازنات الإقليمية، وأصبحت هذه التوازنات الإقليمية ضمن ما يسمى أزمات إقليمية وليس توازنات إقليمية.
2026: عام الحسم لا التسويات
كما شددت "حداد" على أن عام 2026 هو عام الحسم وليس عام التسويات، لا جزئية ولا كلية. عام حسم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وزادت: "ماذا يعني ذلك؟ أصبح الجانب الإسرائيلي ليس لديه سياسة الاحتواء، بل لديه سياسة تتعلق بواقع إنهاء الملفات ضمن استخدام الخيار العسكري والقوة وهذه تصريحات تتلائم مع تصريحات ترامب أن أي فرض للسلام لا يأتي إلا بالقوة أو سوف يتم فرض السلام عن طريق القوة".
وتابعت "حداد" رؤيتها الاستشرافية لعام 2026، متوقعة استمرار الاحتقان وتفكك الحلول التقليدية، ورجحت أن الحالة الراهنة من الصراع سوف تستمر في عام 2026 حتى يتم حسمها، إلا إذا حدثت تغيرات طارئة في العالم.
تغييرات طارئة لا تخدم الفلسطينيين
وحذرت "حداد" من أن هذه التغيرات الطارئة لن تكون لصالح الشعب الفلسطيني أو القضية الفلسطينية، رغم بذل أطراف دولية جهود لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في القضية الفلسطينية، لكن هناك تحولات أصبحت في منطقة الشرق الأوسط والعالم، أمام عربدة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم ما يؤدي إلى دعم إسرائيل وتعزيز وجودها وتثبيت ركائنها.
وأضافت: "بالتالي أصبح اليوم هناك تحجيم لحالة المقاومة في الضفة وقطاع غزة، حتى مستوى الكينونة السياسي المتمثل بالسلطة الفلسطينية سوف يتم إضعافها من سلطة سياسية لسلطة خدمات بلا سيادة".
وشددت "حداد" على أن التسوية النهائية للحالة الفلسطينية تبقى بعيدة إن لم تتغير موازين القوى الدولية، وهذه الموازين القوى الدولية ضعيفة حتى هذه اللحظة. واستدركت قائلة إن عام 2026 قد يشهد مبادرات دبلوماسية مكثفة لإعادة حالة المفاوضات.
وأردفت: "ولكن أعتقد أنها سوف تفشل لأن الجانب الإسرائيلي لا يريد مفاوضات ولا تسوية مع الجانب الفلسطيني. يريد أن يحسم الصراع الفلسطيني إسرائيلي يعني أن يثبت رؤيته الإحلالية الاستعمارية في الضفة وقطاع غزة. فأعتقد أن القضية الفلسطينية ستبقى مفتاحا إن كان هناك ضغوطات لإيجاد حلول قد تكون هي مفتاحا لأي ترتيبات إقليمية جديدة".
بروز تحديات فلسطينية داخلية
وأكدت "حداد" أن ليس بإمكان أي طرف تخطي القضية الفلسطينية فهي لابد أن تكون ضمن ترتيبات إقليمية جديدة. وجددت توقعها باستمرار الصراع على المستويين العسكري والسياسي، وتكثيف الضغط الدولي لإيجاد حلول سياسية رسمية وتعزيز الاعترافات بالدولة الفلسطينية كأداة سياسية.
وأشارت إلى أن 2026 سيشهد أيضا بروز تحديات داخلية فلسطينية كبيرة لإعادة بناء البنية الاجتماعية والاقتصادية، لكن في نهاية المطاف الصراع سوف يستمر كصراع مفتوح. وشددت على أن ما يحدث اليوم على أرض الواقع من عناد إسرائيلي وتحدي وغياب أي نضوج في عقلية الإسرائيلي للجلوس مع الفلسطينيين، فسيبقى الوضع أن الإسرائيلي يتمرد والفلسطيني يعيش في حالة من الانتظار لإيجاد حل جذري سياسي من قبل المجتمع الدولي".
مفترق طرق في الشرق الأوسط
من جانبه، أكد الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية بجامعة القدس، أن الشرق الأوسط يمر بمفترق طرق لم يعرفه منذ سقوط الدولة العثمانية والبنى المرتبطة بها، والتقلبات العنيفة التي أنتجت دُولَه بشكلها الحالي. مضيفا: "تنفتح أمامنا 3 ساحات مختلفة في مساراتها من غزة وجنوب لبنان وشرق سوريا، بيد أن هذه الساحات الثلاث، وإن تشابكت بينها خرائط الجغرافيا، فإنها تتباين جذريا في مسببات الصراع ومحركاته ومآلاته، وعلى إثر هذا التباين، تخاض في كل ساحة حرب تنفتح معها معادلات مختلفة من شروط وآفاق".
وأضاف، في تصريحات خاصة لـ"180 تحقيقات": "ففي غزة، تُحاك وصاية دولية من جهة واحتلال يرفض الانسحاب من جهة أخرى، مما يجعل المعركة هناك معركة وجود قبل أن تكون معركة حدود. ولا تنفصل -وفق هذا الواقع- معركة غزة عن معارك أخرى فلسطينية أقل صخبا إعلاميا لكنها تزيد من ترسيخ سلطات الاحتلال إقصاء وتهميش الفلسطيني، في الضفة الغربية، والأراضي المحتلة، مما يجعل منطق السيادة هنا منطقا بيد المحتل الذي يتوسع كل يوم، ويسعى مع هذا التوسع إلى نفي سيادة الفلسطيني على ما تبقى من أرضه".
أما في سوريا، فيرى "العويوي " أن السيادة تتخذ شكل “إعادة دمج” شاقة بين دولة وليدة وقوى أمر واقع (قسد) تحت ضغط الجدول الزمني والحسابات الإقليمية والدولية.
بينما في لبنان، تبدو المعادلة أكثر تعقيدا؛ فهي ليست بحثا عن دولة مفقودة، بل هي صراع داخل الدولة الموجودة حول “احتكار القوة”، ومن يملك حق قرار الحرب والسلم في مواجهة عدو يتربص بالجميع.
الأمل في 3 دول
وشدد "العويوي" على أنه في مواجهة هذه السياسة الاستعمارية تقف بصلابة ثلاث دول لها علاقة في مستقبل المنطقة، وهي مصر والسعودية وتركيا، وإذا ما اتحدت هذه الدول على موقف موحد سوف تسقط كل السيناريوهات التي تريد تفتيت المنطقة لكي تسود إسرائيل، وبالتالي هيمنة الولايات المتحدة على كل مقدرات دول المنطقة لتصبح إسرائيل الدولة الأقوى في الإقليم لكي تفرض شروطها وتوسعها ليس فقط على حساب الفلسطينيين وإنما أيضاً في جنوب لبنان وشرق وسوريا.
وأكد "العويوي" أن الخطورة تكمن في أن الولايات المتحدة الأمريكية تتبنى وجهة نظر اليمين الإسرائيلي لشرق أوسط جديد تحت الهيمنة الإسرئيلية. منوها أنه بدون وحدة موقف من دول وازنة في المنطقة مثل مصر والسعودية وتركيا ومعهم كل الدول العربية والإسلامية، ستتعرض المنطقة لخطر الهيمنة الإسرائيلية الأمريكية.
2026: تكريس مخططات الضم
فيما توقع "العويوي" أن العام الجديد قد يشهد تكريساً لمخططات الضم الإسرائيلي في الضفة الغربية، خاصة في المناطق المصنفة "ج"، التي تمثل أكثر من نصف مساحتها، وفي الوقت ذاته، تسعى إسرائيل لتعزيز سياساتها القائمة على تفتيت الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وتحويلها إلى معازل منفصله عن بعضها البعض.
كما حذر "العويوي" من استمرار الانقسام الفلسطيني الذي قد يتعمق بشكل أكبر في العام الجديد، الذي بالتأكيد سوف يعيق إمكانية مواجهة التحديات الكبرى بشكل موحد، حيث أن الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى تدهور الحالة الاقتصادية، يضع الفلسطينيين أمام واقع معقد يتطلب إعادة ترتيب الأولويات وتوحيد الجهود لمواجهة هذه الظروف الصعبة.
فرض الهيمنة الإسرائيلية الأمريكية
ورجّح "العويوي" أن العام الجديد سيشهد تحولات كبرى في المنطقة تلقي بظلالها على القضية الفلسطينية، حيث تسعى الولايات المتحدة، بقيادة إدارتها الجمهورية، إلى فرض الرؤية الإسرائيلية التوسعية، بالإضافة إلى إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية، مع تعزيز النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.
وأوضح "العويوي" أن عام 2026 يجب أن يكون عام التحدي والصمود ضد السياسات الاستعمارية، وهذا يتطلب أن يكون هناك موقف سياسي صلب من قبل دول المنطقة، وأن تكون هناك رؤيا لمستقبل المنطقة في مواجهة التحديات والرؤيا الإسرائيلية، دون ذلك لن نستطيع إسقاط المشروع الإسرائيلي التوسعي الذي تتبناه الولايات المتحدة الأمريكية على حساب دول المنطقة والقضية الفلسطينية.










