20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

تكنوقراط تحت الوصاية: إدارة غزة كأداة للمرحلة الثانية الأمريكية

لا يمكن قراءة لجنة التكنوقراط إلا ضمن سياق أوسع: محاولة أمريكية لإعادة ترتيب غزة بعد الإبادة، بما يضمن أمن إسرائيل، ويقلّص الكلفة السياسية للاحتلال، ويمنع عودة أي صيغة حكم وطني مستقل.

بقلم: عمرو المصري
١٤ يناير ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
27 مشاهدة
واشنطن قد تعلن اليوم لجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة

واشنطن قد تعلن اليوم لجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة

تتعامل الولايات المتحدة مع ما تسميه “المرحلة الثانية” من خطتها لقطاع غزة بوصفها انتقالًا محسوبًا من إدارة الصراع عسكريًا إلى إعادة إنتاج السيطرة سياسيًا وإدارياً، عبر واجهة مدنية تحمل عنوانًا جذابًا: لجنة تكنوقراط فلسطينية. هذا الانتقال، الذي يُفترض الإعلان عنه بالتزامن مع تثبيت وقف إطلاق النار، لا ينفصل عن رؤية أمريكية أوسع لإعادة تشكيل غزة بما يتجاوز إعادة الإعمار، ليصل إلى إعادة تعريف من يحكم القطاع وكيف وتحت أي مرجعية.

وفق ما كشفته صحف أمريكية وبريطانية، ترى واشنطن أن اللحظة باتت “مناسبة” للانتقال من مرحلة القتال إلى مرحلة “الحكم وإعادة الإعمار”، في صيغة تُدار سياسيًا من الخارج وتُنفّذ محليًا بأيدٍ فلسطينية منزوعة القرار السيادي. وهنا تحديدًا تبرز لجنة التكنوقراط كحلقة مركزية في هذه الهندسة الجديدة.

لجنة بلا سياسة.. وبلا سيادة

تستعد الولايات المتحدة للإعلان عن تشكيل ما تسميه “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، المؤلفة من نحو 15 شخصية فلسطينية من التكنوقراط، تتولى إدارة الحياة اليومية في القطاع، من خدمات ومرافق وتعليم وصحة. ظاهريًا، تبدو الصيغة تقنية ومحايدة.

ورجّحت مصادر مطلعة أن يتم فتح معبر رفح اليوم لخروج الأعضاء المتواجدين داخل القطاع، تمهيدًا للإعلان الرسمي عن تشكيل اللجنة، والذي يُتوقع أن يتم خلال اليوم أو في أقصى تقدير غدًا، ما لم يطرأ تغيّرًا في مسار الترتيبات الجارية.

وفي السياق ذاته، أبدت الفصائل الفلسطينية المجتمعة في القاهرة ترحيبًا بالأسماء التي جرى التوافق عليها حتى اللحظة، وهي: "حماس، الجهاد الإسلامي، الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية، الجبهة الشعبية – القيادة العامة، لجان المقاومة الشعبية، المبادرة الوطنية، وتيار الإصلاح الديمقراطي (تيار دحلان)". حيث تتواجد هذه الفصائل في القاهرة وتجري اجتماعاتها منذ يوم الأحد الماضي فيما يخص تحضيرات الإعلان عن لجنة إدارة غزة.

كما سارعت الفصائل خلال اليومين الماضيين إلى اتخاذ إجراءات تهدف إلى تسهيل التوصل إلى اتفاق نهائي حول تشكيل اللجنة، باعتبارها مدخلًا عمليًا لوقف الحرب بشكل كامل، وتقويض التصعيد والخروقات الإسرائيلية المتواصلة، وفق رؤيتها.

في المقابل، تسود أجواء استياء داخل أوساط القيادة الفلسطينية الرسمية، نتيجة عدم مشاركتها بشكل مباشر في اختيار أعضاء اللجنة، حيث لم تُبدِ السلطة الفلسطينية وحركة فتح حتى الآن ترحيبًا واضحًا بهذه الخطوات، لكنها، وفق المصادر، لن تكون قادرة على معارضتها رسميًا، في ظل الرعاية المصرية المباشرة لمسار تشكيل اللجنة.

وتعود تحفظات السلطة الفلسطينية، بحسب المصادر، إلى محدودية دورها المتوقع في العلاقة مع اللجنة، لا سيما في ما يتعلق بالشق المالي، وإدارة ملف الدعم الدولي، والإشراف على عملية إعادة إعمار قطاع غزة. إلى جانب رفض شرطها المتمثل بأن يكون رئيس لجنة إدارة غزة وزيرّا في الحكومة الفلسطينية بحيث كان وزير الصحة ماجد أبو رمضان هو الشخصية المرشّحة لهذا المنصب.

لكن وبحسب ذات المصادر، فإنه من المفترض أن تعلن السلطة الفلسطينية عن موقف مرحّب لتشكيل اللجنة، وذلك رغم عدم متابعتها المباشرة لتشكيل اللجنة.

التكنوقراط في سياق الاحتلال

في السياق القانوني والسياسي، لا يمكن فصل مفهوم “حكومة التكنوقراط” عن واقع الاحتلال. فالقانون الدولي الإنساني، وخصوصًا اتفاقية جنيف الرابعة، يحمّل قوة الاحتلال مسؤولية إدارة شؤون السكان المدنيين وضمان حياتهم ورفاههم. نقل هذه المسؤولية إلى هيئة محلية، حتى لو كانت فلسطينية، لا يُسقط التزامات الاحتلال، ولا يشرعن إدارة غير منتخبة تُفرض من الخارج.

من هذا المنظور، يظهر تخوف من أن تتحول لجنة التكنوقراط إلى أداة لتخفيف العبء السياسي والقانوني عن الاحتلال، عبر واجهة فلسطينية تُدير الأزمات اليومية دون امتلاك أدوات القرار الحقيقي. وهو نموذج سبق اختباره في تجارب دولية أخرى، حيث استُخدم “الحكم التقني” كوسيلة لإدامة السيطرة لا لإنهائها، ولإدارة السكان لا لتحريرهم.

ربط مباشر بالمرحلة الثانية

المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية، وفق ما أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترامب، لا تقتصر على تشكيل لجنة تكنوقراط، بل تشمل حزمة مترابطة: مجلس سلام دولي برئاسة ترامب، ممثل سامٍ للإشراف، قوة استقرار دولية، انسحاب إسرائيلي جزئي أو مشروط، ثم إطلاق مسار إعادة الإعمار.

في هذا السياق، تُعد لجنة التكنوقراط حجر الأساس التنفيذي، أو الذراع الإدارية التي تُنفذ قرارات تُصاغ خارج غزة. وهي بذلك ليست مدخلًا لتمكين الفلسطينيين، بل شرطًا أمريكيًا للانتقال إلى المرحلة التالية، ورسالة سياسية مفادها أن “الحكم” في غزة لن يعود بصيغته الوطنية السابقة، بل سيُعاد تركيبه ضمن منظومة وصاية دولية.

اشتراط نزع السلاح

أحد أكثر عناصر الخطة إثارة للجدل يتمثل في ربط نجاح لجنة التكنوقراط، بل وإعادة الإعمار نفسها، بشرط “نزع سلاح حماس”. هذا الشرط، الذي تتبناه إسرائيل وتدعمه واشنطن، يُحوّل اللجنة من كيان خدمي إلى أداة ضغط سياسي، تُستخدم لعزل المقاومة وتجفيف بيئتها، لا لمعالجة جذور الصراع.

قانونيًا، لا يملك أي طرف خارجي حق فرض شروط سياسية أو أمنية على السكان الواقعين تحت الاحتلال مقابل حقهم في الإعمار والحياة. لكن عمليًا، تُستخدم لجنة التكنوقراط كغطاء لتطبيق هذه الشروط، عبر ربط التمويل والاعتراف والدعم الدولي بمدى “الالتزام” بالتصورات الأمريكية–الإسرائيلية.

التمويل كأداة ضبط

تعاني الخطة الأمريكية من مأزق تمويلي واضح، إذ لم تتجاوز التعهدات الدولية مليار دولار، في حين تُقدّر احتياجات إعادة الإعمار بعشرات المليارات. هذا العجز لا يبدو عارضًا، بل جزءًا من معادلة الضغط، حيث يُستخدم التمويل كأداة ضبط سياسي للجنة التكنوقراط، تُكافأ أو تُعاقَب وفق مدى انسجامها مع المسار المفروض.

كما أن التجارب السابقة، وعلى رأسها ما جرى عبر “مؤسسة غزة الإنسانية”، تكشف أن الإدارة الأمريكية لا تتردد في خصخصة العمل الإنساني، وربطه بآليات أمنية، حتى لو تحولت مواقع المساعدات إلى ساحات قتل وإذلال، كما حدث حين أطلق الاحتلال النار على فلسطينيين أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء.

اعتراضات وانتقادات

لم تمر الخطة دون انتقادات، حتى داخل الأوساط الغربية والإسرائيلية. فقد اعتبر محللون ودبلوماسيون أن المرحلة الثانية منفصلة عن الواقع السياسي والأمني في غزة، وأن الفريق الأمريكي الصغير الذي يدير الملف، والمقرب من حكومة نتنياهو، يفتقر لفهم تعقيدات المجتمع الفلسطيني.

مشروع “شروق الشمس”، الذي يطرح إعادة بناء غزة كمنطقة استثمارية فائقة الحداثة بقيمة 112 مليار دولار، عكس هذا الانفصال بوضوح، إذ يتجاهل حقيقة أن غزة ليست أرضًا خالية لإعادة التصميم، بل مجتمع مدمَّر تحت الاحتلال، يحتاج أولًا إلى إنهاء العدوان واستعادة الحد الأدنى من السيادة.

موقف الفصائل وسؤال الشرعية

في المقابل، أعلنت حركة حماس استعدادها لحل الجهات الحكومية القائمة وتسهيل عمل لجنة التكنوقراط، في خطوة تهدف إلى تسريع الانتقال للمرحلة الثانية وفرض انسحاب الاحتلال. غير أن هذا الموقف، مهما كانت دوافعه، لا يحل إشكالية الشرعية، ولا يجيب عن سؤال جوهري: هل يمكن لإدارة “تكنوقراطية” مفروضة من الخارج أن تمثل الفلسطينيين أو تحمي حقوقهم؟

غياب آلية وطنية جامعة لاختيار اللجنة، وارتباطها المباشر بمجلس سلام دولي يرأسه الرئيس الأمريكي نفسه، يجعلها أقرب إلى إدارة انتقالية بلا أفق سياسي، تُدير الأزمة بدل حلها.

إدارة مؤقتة أم وصاية دائمة؟

لا يمكن قراءة لجنة التكنوقراط إلا ضمن سياق أوسع: محاولة أمريكية لإعادة ترتيب غزة بعد الإبادة، بما يضمن أمن إسرائيل، ويقلّص الكلفة السياسية للاحتلال، ويمنع عودة أي صيغة حكم وطني مستقل. “التكنوقراط” هنا ليست حلًا تقنيًا، بل خيارًا سياسيًا مقنّعًا، يُستخدم لإعادة إنتاج السيطرة تحت لافتة الإدارة والخدمات.

ويبقى السؤال المفتوح: هل تتحول هذه اللجنة إلى مرحلة انتقالية فعلية تقود إلى إنهاء الاحتلال، أم إلى شكل جديد من الوصاية الطويلة، يُدار فيه القطاع بلا سيادة، وبلا قرار، وبلا أفق وطني؟ هذا السؤال سيحدد مصير المرحلة الثانية، لا بيانات واشنطن ولا أسماء التكنوقراط.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

تكنوقراط تحت الوصاية: إدارة غزة كأداة للمرحلة الثانية الأمريكية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°