عقد الاجتماع الثاني لمنصة "السلام في البلقان" في إسطنبول، بمشاركة وزراء خارجية تركيا وألبانيا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود وكوسوفو ومقدونيا الشمالية وصربيا، مؤكدا على هدف أنقرة في تعزيز آلية مؤسسية ومستقرة للحوار الإقليمي والتعاون في منطقة البلقان.
وأكدت مصادر من وزارة الخارجية التركية أن وزير الخارجية هاكان فيدان أجرى سلسلة لقاءات ثنائية مع نظرائه، مشدداً على مبدأ "الملكية الإقليمية"، الذي يقضي بأن تشارك دول البلقان في صياغة حلول مشتركة للمشكلات الإقليمية، مع الحفاظ على التوازن بين التوجهات الدولية والأوروبية القائمة، بحيث تكون منصة الحوار مكملة وداعمة، وليست بديلة عن الأطر القائمة، بما يعزز التنسيق والانسجام في منطقة تحمل حساسيات سياسية وتاريخية معقدة.
البلقان: الأولويات والملفات المشتركة
ركزت المباحثات على مجموعة واسعة من القضايا الإقليمية، من بينها: إدارة الحدود المشتركة، مكافحة الهجرة غير النظامية، التنسيق في المسارات الأوروبية، الأمن الطاقوي، التحول الرقمي، التعاون الصناعي، الشباب والتكنولوجيا، والنقل والربط الإقليمي.
وأكد الجانب التركي حرصه على دعم المشاريع التي تساهم بشكل ملموس في تعزيز السلام والرفاهية والحوار بين شعوب البلقان، مؤكداً أن التعاون متعدد الأبعاد يمكن أن يوفر حلولاً عملية ومستدامة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
بعد اقتصادي قوي: التجارة والاستثمار
سلط الاجتماع الضوء على البعد الاقتصادي للتعاون التركي-البلقاني، حيث بلغ حجم التجارة بين تركيا والدول المشاركة في المنصة نحو 7 مليارات دولار، فيما تجاوزت الاستثمارات التركية 8.9 مليارات دولار في المنطقة، ما يبرز اهتمام أنقرة بتحويل الدبلوماسية إلى أدوات عملية للتنمية الاقتصادية وتعزيز النفوذ الإقليمي.
وشدد فيدان على أن التعاون الاقتصادي يجب أن يكون متوازناً ويأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل دولة، مع عدم استغلال القضايا الأوروبية كأداة للتفريق، بل تعزيز التكامل والتقارب بين الدول الأعضاء في المنصة.
لقاء الرئيس التركي: توجيه السياسات الإقليمية
على هامش الاجتماع، استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نواب رؤساء الوزراء ووزراء خارجية الدول المشاركة، بينهم: إرفين إبراهيموفيتش من الجبل الأسود، دونيكا جرفالا-شفارتز من كوسوفو، ألمدين كوناكوفيتش من البوسنة والهرسك، تيمكو ميوتشينسكي من مقدونيا الشمالية، إليسا سبيروبالي من ألبانيا، وماركو جوريتش من صربيا.
ناقش أردوغان خلال اللقاء تعزيز التعاون في مجالات أمن الحدود والطاقة والتكنولوجيا والنقل، مؤكدًا أن هذه المجالات أصبحت أكثر أهمية في ظل مواجهة المنطقة والعالم لأزمات متعددة، بما يعكس الدور الاستراتيجي للبنان في الاستقرار الإقليمي.
كما لفت الرئيس إلى أن تركيا تعتمد مقاربة سلامية في البلقان، تقوم على التعلم من مآسي الماضي وبناء مستقبل مشترك، بما يعزز الحوار بين مختلف الطوائف والمكونات الاجتماعية في المنطقة.
منصة مستمرة للحوار والأمن الإقليمي
تأسست منصة "السلام في البلقان" في يوليو 2025 في إسطنبول، بهدف أن تصبح منتدى دائمًا للحوار في منطقة لا تزال تشهد وجود بعثات دولية مهمة مثل قوات الناتو في كوسوفو ومهمة الاتحاد الأوروبي في البوسنة والهرسك.
وتسعى الدبلوماسية التركية من خلال هذه المبادرة إلى استثمار المنصة على المستويات السياسية والمؤسسية، وجعلها أداة لتعزيز الاستقرار والأمن والتعاون طويل المدى في البلقان، بما يرسخ النفوذ التركي ويعزز من دورها كفاعل إقليمي محوري.
الاستثمار الدبلوماسي والاقتصادي: نموذج أنقرة
يمكن تلخيص استراتيجية تركيا في البلقان على محورين رئيسيين:
الدبلوماسية الفاعلة: دعم الحوار الإقليمي، المساهمة في حل النزاعات التاريخية، وتعزيز التعاون متعدد الأطراف من خلال المنصة، مع مراعاة حساسية القضايا المحلية والدولية.
الاقتصاد كأداة نفوذ: تعزيز حجم التجارة والاستثمارات التركية، وتحفيز المشاريع التي تساهم في رفاه الشعوب، مما يضمن الاستقرار الاقتصادي والسياسي في الوقت ذاته.
هذه الاستراتيجية تعكس رغبة تركيا في توسيع نفوذها في منطقة البلقان، والاستفادة من موقعها الجغرافي والسياسي لتعزيز مصالحها الإقليمية، وتحويل التعاون إلى أداة ملموسة للنمو والاستقرار.











