21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د.ليون سيوفي يكتب: موازنةُ الانهيار والتهجير… حين يُشرِّعُ المجلسُ الفشلَ ويُصادِرُ المستقبل

ما جرى في جلسة المجلس النيابي لم يكن إقرارَ موازنةٍ، بل إقرارُ حُكمٍ اجتماعيٍّ واقتصاديٍّ قاسٍ على اللبنانيين. مَشهَدٌ سياسيٌّ مُكرَّر، ضجيجٌ بلا رؤية، وخطاباتٌ ناريّة تنتهي دائمًا بالنتيجة نفسها، تمريرُ الفشل بقانون.

بقلم: د. ليون سيوفي
٣١ يناير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
19 مشاهدة
د.ليون سيوفي يكتب: موازنةُ الانهيار والتهجير… حين يُشرِّعُ المجلسُ الفشلَ ويُصادِرُ المستقبل

د.ليون سيوفي يكتب: موازنةُ الانهيار والتهجير… حين يُشرِّعُ المجلسُ الفشلَ ويُصادِرُ المستقبل

ما جرى في جلسة المجلس النيابي لم يكن إقرارَ موازنةٍ، بل إقرارُ حُكمٍ اجتماعيٍّ واقتصاديٍّ قاسٍ على اللبنانيين.
مَشهَدٌ سياسيٌّ مُكرَّر، ضجيجٌ بلا رؤية، وخطاباتٌ ناريّة تنتهي دائمًا بالنتيجة نفسها، تمريرُ الفشل بقانون.

لقد صُوِّتَ على الموازنة، غير أنّ التصويتَ الإجرائي لا يُنتِجُ شرعيّةً إصلاحيّة، ولا يُحوِّلُ الأرقامَ إلى سياسةٍ اقتصاديّة، ولا العجزَ إلى إنقاذ.
فالسلطةُ التي صنعت الانهيار، عادت اليوم لتُقَنِّنَه، وتطلب من الناس التكيّف مع الخراب وكأنّه قدرٌ لا خيار.

موازنة بلا رؤية… بلا ضمير
هذه ليست موازنةَ نهوضٍ، ولا موازنةَ عبورٍ، ولا حتى موازنةَ إدارة أزمة.
إنّها موازنةُ إفلاسٍ مُقَنَّع، تُراكِمُ العَجْزَ بدل خفضِه، تُثبِّتُ الضَّرائبَ غيرَ العادلة وتخنق ما تبقّى من إنتاج، وتستبدل الإصلاح بالجباية، والعدالة بالترقيع.

لا إصلاحَ مصرفيًّا، لا معالجةً لأموالِ المودعين، لا حمايةً للقدرة الشرائيّة، ولا أيَّ تصوُّرٍ جِدّي لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

انها موازنة تُنتِج الهجرة والبطالة والأخطر فيها ليس ما كُتِب فيها، بل ما ستُنتِجُه.
فهي موازنة، تدفعُ الشبابَ إلى الهجرة قسرًا بدل تثبيتهم في وطنهم، توسِّعُ جيشَ العاطلين عن العمل في غياب أيّ سياسات تحفيزيّة، وتُقفل أبواب الأمل أمام المؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة.

حين تُرهَقُ المؤسّسات بالضرائب، ويُتركُ الاستثمار بلا حماية، ويُهمَلُ التعليم والتدريب، تصبح الهجرة خيارًا إجباريًّا لا قرارًا شخصيًّا.

موازنة تُقَنِّن الفقر وتُعمِّمه
بهذه الصيغة، لا يمكن لهذه الموازنة إلا أن تؤدّي إلى ارتفاعٍ حادٍّ في نسبة الفقر، اتّساع الطبقة المسحوقة، وانكماش الطبقة الوسطى حتى الاختفاء.

إنّها موازنة لا تحمي الأضعف، بل تستهدفه، ولا توزّع الخسائر بعدالة، بل تُحمِّلها كاملةً لمن لا صوت لهم ولا حماية.

المهزلة لا تقف عند حدود الأرقام، بل في العقليّة التي أُقِرَّت بها الموازنة ، اعتراضاتٌ للاستهلاك الإعلامي، نقاشاتٌ بلا أثر، وصراخٌ ينتهي دائمًا بالتصويت نفسه كالعاده.

هكذا تحوّل المجلس من سلطةٍ تشريعيّةٍ رقابيّة إلى غرفة تمريرٍ منظَّم، يُعارِضُ فيها البعضُ بالكلام، ويُمرِّرُ بالفعل،
ثم يُحمِّلُ الناسَ كلفةَ ما صوّت عليه.

ولا بدّ في الختام من توجيه الشكر الجزيل إلى السادة النوّاب، على هذا الجهد المتواصل في تحويل لبنان إلى بلدٍ طاردٍ لأبنائه، وعلى هذه الاحترافية العالية في تشريع الفقر، وتنظيم الهجرة، وتطبيع الانهيار.

شكرًا لكم لأنكم صوّتُّم على العجز، وشرّعتم البطالة، وفتحتم أبواب المنافي أمام شباب هذا الوطن، ثم خرجتم لتحدّثونا عن «الضرورة» و«الواقعيّة».

بفضلكم، لم يعد اللبناني يحلم بمستقبلٍ في بلده، بل بتأشيرة، ولم يعد يسأل عن برنامجٍ اقتصادي،
بل عن أقرب مطار.

هكذا تُدار الدول حين يغيب الضمير،
وهكذا تُكتَب الموازنات حين يُستَبدَلُ الواجبُ الوطني بالتصويت الأعمى.

سيأتي اليوم الذي تَتَرَحَّمُ فيه أيّها الشَّعبُ على من لم تختَرْهم في الانتخابات الماضية لِيُمَثِّلوك،
لأنّك، ببساطة، اخترتَ من مَثَّلوا عليك لا من مَثَّلوك.

اخترتَ الوجوهَ ذاتها، والخطابَ ذاته، والوعودَ ذاتها،
ثم استيقظتَ على النتيجة ذاتها، فقرٌ مُقَنَّن، هجرةٌ مُشرَّعة،
وانهيارٌ يُصوَّتُ عليه بالأكثرية.

فلا تسأل اليوم لماذا وصلنا إلى هنا؟
بل اسأل بصدقٍ موجِع، كيف أوصلناهم مرّةً بعد مرّة؟

الديمقراطيّة ليست صندوق اقتراع فقط،بل وعي، ومحاسبة، وذاكرة لا تُصاب بفقدانٍ موسمي.

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال