19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

أوروبا تفك ارتباطها الطاقي بأمريكا تحت ضغط ترامب والجغرافيا السياسية

أحدث الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022 زلزالًا استراتيجيًا في بنية أمن الطاقة في أوروبا، بعدما كانت دول الاتحاد الأوروبي تعتمد على روسيا لتأمين نحو 45% من واردات الغاز الطبيعي.

بقلم: عمرو المصري
٣١ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
9 مشاهدة
ترامب وقادة أوروبا

ترامب وقادة أوروبا

أحدث الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022 زلزالًا استراتيجيًا في بنية أمن الطاقة في أوروبا، بعدما كانت دول الاتحاد الأوروبي تعتمد على روسيا لتأمين نحو 45% من واردات الغاز الطبيعي. هذا الاعتماد تحوّل فجأة إلى نقطة ضعف قاتلة، استُخدمت فيها الطاقة كسلاح جيوسياسي مباشر ضد العواصم الأوروبية، ما دفع بروكسل إلى تبنّي مسار فوضوي وسريع للفك شبه الكامل مع موسكو.

أطلقت المفوضية الأوروبية في مايو 2022 خطة REPowerEU بهدف تقليص واردات الغاز الروسي بمقدار الثلثين خلال عام واحد، عبر مزيج من ترشيد الاستهلاك، وتسريع الطاقة المتجددة، وتنويع الموردين. وبحلول 2025، تراجعت حصة الغاز الروسي إلى نحو 15% فقط، وفق بيانات جامعة الأمم المتحدة، وهو تحول تاريخي لكنه جاء بتكلفة استراتيجية مرتفعة.

هذا الفراغ ملأته الولايات المتحدة بسرعة غير مسبوقة، حيث قفزت واردات أوروبا من الغاز الأمريكي المسال من 21 مليار متر مكعب في 2021 إلى 81 مليار متر مكعب في 2025، بحسب تقارير IEEFA. ومع الوقت، تحوّل “البديل الأمريكي” من حل مؤقت إلى اعتماد هيكلي، ما أعاد إنتاج معضلة التبعية ولكن بفاعل مختلف.

تبعية جديدة مقنّعة

في البداية، اعتُبر الغاز الأمريكي المسال خيارًا آمنًا سياسيًا، صادرًا من حليف داخل الناتو، ويُفترض أنه محصّن من الابتزاز الجيوسياسي. غير أن التحليلات الماكرو-اقتصادية سرعان ما كشفت أن أوروبا استبدلت خط أنابيب روسي بسلسلة ناقلات أمريكية، دون امتلاك سيطرة حقيقية على شروط السوق أو التسعير.

في دراسة سابقة، حذّر أندرياس غولدثاو، الباحث في مدرسة ويلي براندت للسياسات العامة والمساهم في دراسات Carnegie Endowment، من أن صادرات الطاقة باتت أداة نفوذ جيوسياسي صريحة، وأن أوروبا “اندفعت نحو الولايات المتحدة دون بناء شبكة أمان سيادية موازية”. هذا التوصيف لاقى صدى رسميًا داخل مؤسسات الاتحاد.

مفوض الطاقة الأوروبي دان يورغنسن أقرّ في مطلع 2026 بأن القارة تواجه خطر “استبدال تبعية بتبعية أخرى”، خاصة في ظل فارق الأسعار، حيث تُعد فواتير الطاقة الأوروبية أعلى بثلاث مرات من نظيرتها الأمريكية، وفق بيانات رويترز، ما يضرب تنافسية الصناعة الأوروبية بشكل مباشر.

ترامب يعيد الخطر

أعادت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 2024 إدخال العامل السياسي الخشن إلى معادلة الطاقة الأوروبية، بعدما أعلن في يناير 2025 “حالة طوارئ طاقية وطنية”، وربط صراحة بين التجارة، والطاقة، والالتزامات الأمنية داخل الناتو. هذا الخطاب أعاد إلى الأذهان أسوأ سيناريوهات ولايته الأولى، لكن في ظرف دولي أكثر هشاشة.

القلق الأوروبي تضاعف مع إحياء ترامب لملف جرينلاند، بما تمثله من مخزون استراتيجي للمعادن النادرة الضرورية للتحول الأخضر. رفض الدنمارك فتح الباب أمام الطموحات الأمريكية قوبل بتهديدات بفرض تعريفات جمركية على أوروبا، ما كشف هشاشة الاعتماد الأوروبي على مصدر واحد للطاقة المسالة.

يشير فيديريكو شتاينبرغ، الباحث في مركز CSIS، إلى أن هذا الابتزاز المحتمل يسرّع النقاش الأوروبي حول السيادة الاقتصادية، بما في ذلك تقليص الاعتماد على الدولار، وتعزيز دور اليورو في تسويات الطاقة، في مواجهة ما وصفه بـ”الربط العدواني بين الجغرافيا السياسية والتجارة”.

أسواق أوروبا تحت الضغط

انعكست هذه التوترات فورًا على أسواق الطاقة الأوروبية، حيث استقرت أسعار الغاز عند نحو 40 يورو للميغاواط/ساعة في نهاية 2025، أي ضعف مستويات ما قبل الحرب، رغم انخفاضها عن الذروة القياسية البالغة 300 يورو في 2022. هذا الاستقرار الهش يبقى مرهونًا بالمزاج السياسي الأمريكي.

الغاز الأمريكي المسال يُباع لأوروبا بهوامش ربح أعلى بنسبة 20–30% مقارنة بالسوق المحلية الأمريكية، بحسب DW، ما يرفع كلفة الإنتاج الصناعي الأوروبي. وتشير بيانات البنك المركزي الأوروبي إلى أن الصناعات كثيفة الطاقة، مثل الصلب والكيماويات، شهدت زيادة في التكاليف التشغيلية بنحو 25%.

في الأسواق المالية، تراجعت أسهم شركات المرافق الأوروبية مثل RWE وEnel بنسبة 10–15% مطلع 2026، في مقابل صعود أسهم شركات الطاقة الأمريكية مثل ExxonMobil وCheniere Energy. كما تخلف مؤشر Euro Stoxx 50 عن S&P 500 بنحو 5%، في دلالة على اختلال ميزان الطاقة والاستثمار.

الدولار سلاح خفي

يتقاطع ملف الطاقة مع معركة العملات، حيث تُقدّر التزامات أوروبا لشراء الطاقة الأمريكية بنحو 750 مليار دولار حتى 2028، وفق دراسات Intereconomics. هذا التدفق يعزز موقع الدولار، ويضعف اليورو في سياق يشبه “إعادة تدوير البترودولار” لكن بنسخة حديثة.

وفي ورقة بحثية سابقة، رأى جان بيزاني-فيري من مركز Bruegel أن تعزيز دور اليورو في تجارة الطاقة بات ضرورة استراتيجية، سواء عبر السندات الخضراء المقومة باليورو أو مشروع اليورو الرقمي. غير أن هذه الخطوات لا تزال بطيئة مقارنة بوتيرة الاعتماد القائم.

تقديرات Bruegel تشير إلى أن فرض تعريفات أمريكية شاملة قد يؤدي إلى تراجع اليورو بنسبة 5–7%، ما يزيد كلفة الواردات الطاقية ويضغط على الاحتياطيات الأوروبية، في وقت تتقلص فيه هوامش المناورة النقدية.

أدوات فك الارتباط

في مواجهة هذه المخاطر، تسرّع أوروبا استثماراتها في الطاقة المتجددة، حيث تجاوز إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة إنتاج الغاز لأول مرة في 2023. كما جرى ضخ نحو تريليون يورو عبر آلية التعافي والمرونة لدعم التحول الأخضر والهيدروجين.

على صعيد التنويع، عزز الاتحاد شراكاته مع النرويج والجزائر وأذربيجان، مع خطط لتقليص حصة الغاز الأمريكي إلى 40% بحلول 2027. كما تدفع المفوضية الأوروبية باتجاه توسيع الشراكات مع إفريقيا وأمريكا اللاتينية لتأمين المعادن والطاقة.

مع ذلك، تحذر كريستينا نيسن من المعهد الدنماركي للدراسات الدولية من أن فك الارتباط السريع ينطوي على “تكلفة قدرات واقتصاد حقيقية”، خاصة في المدى القصير، ما يجعل المسار الأوروبي محفوفًا بالمخاطر.

مستقبل معلّق

تجمع مراكز الأبحاث الأوروبية على أن فك الارتباط الطاقي مع الولايات المتحدة لم يعد خيارًا أيديولوجيًا، بل ضرورة استراتيجية في عالم تتداخل فيه الطاقة مع السيادة والأمن. غير أن هذا المسار يتطلب توازنًا دقيقًا بين الاستقلال والتحالف، وبين الواقعية والطموح.

غولدثاو حذر من أن الانتقال الطاقي إذا لم يُدار بحذر، قد يوقع أوروبا في “فخ تبعيات جديدة”، بدلًا من بناء مناعة استراتيجية حقيقية. وفي ظل صدام القوى الكبرى، تبدو أوروبا مضطرة للعب على حبل مشدود، حيث أي خطأ في التقدير قد يتحول إلى أزمة طاقة شاملة جديدة.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

أوروبا تفك ارتباطها الطاقي بأمريكا تحت ضغط ترامب والجغرافيا السياسية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°