قال الدكتور أسعد العويوي، أستاذ القضية الفلسطينية والعلوم السياسية بجامعة القدس، إنه في ظل التصاعد المستمر للتوتر في الضفة الغربية، عاد إلى الواجهة مصطلح “إعادة هندسة السيطرة”، ليس كمفهوم تقني فحسب، بل كعنوان لمرحلة سياسية وأمنية جديدة قد تعيد رسم شكل الحكم والإدارة في واحدة من أكثر مناطق الصراع تعقيداً في العالم.
وأوضح "العويوي" أن المصطلح يبدو إدارياً محايداً، لكنه في جوهره يمس قضايا السيادة، والحقوق، ومستقبل الحل السياسي برمّته. فهل نحن أمام تعديل تكتيكي في آليات الأمن؟ أم أمام إعادة صياغة عميقة لقواعد اللعبة التي أرستها اتفاقيات أوسلو قبل ثلاثة عقود؟
واقع انتقالي أصبح دائماً
وأشار "العويوي" إلى أنه منذ منتصف التسعينيات، تعيش الضفة الغربية في إطار تقسيم إداري وأمني ثلاثي: مناطق (أ) بإدارة فلسطينية كاملة، (ب) بإدارة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية، و(ج) تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة وتشكل نحو 60% من المساحة. كان هذا التقسيم يفترض أن يكون انتقالياً تمهيداً لتسوية نهائية، لكنه تحوّل عملياً إلى بنية ثابتة، ترافقها توسعات استيطانية وتآكل مستمر في الثقة.
وأضاف أنه مع تصاعد العمليات العسكرية، وتنامي بؤر التوتر المسلحة، وتراجع قدرة السلطة الفلسطينية على فرض سيطرتها الكاملة في بعض المناطق، بات السؤال المطروح داخل الدوائر السياسية والأمنية: هل ما زال الإطار القائم قابلاً للاستمرار؟
لماذا الآن؟
وشدد الأكاديمي الفلسطيني على أن الدوافع متعددة ومتداخلة. أمنياً، ترى إسرائيل أن المشهد الميداني يتطلب إعادة ضبط أدوات السيطرة، سواء عبر انتشار عسكري مختلف، أو عبر تعزيز أنظمة المراقبة والتكنولوجيا الأمنية، أو عبر تقليص الاحتكاك المباشر مع الحفاظ على حرية التدخل.
وتابع: "سياسياً، تشهد الساحة الإسرائيلية صعود تيارات تدعو إلى ضم أجزاء من الضفة، خصوصاً المناطق المصنفة (ج)". في المقابل، يرى "العويوي" أن السلطة الفلسطينية تواجه أزمة شرعية داخلية وضغوطاً اقتصادية خانقة، ما يضعف قدرتها على إدارة الواقع المعقد.

وأردف: "دولياً، لا يزال الخطاب الرسمي يتمسك بحل الدولتين، لكن الوقائع على الأرض تتغير بوتيرة أسرع من المسار الدبلوماسي، ما يفتح الباب أمام أفكار انتقالية أو أحادية.
بين خمسة مسارات محتملة
وأوضح أستاذ العلوم السياسية أن النقاش الدائر يتوزع على خمسة سيناريوهات، أولها هو تعزيز الحكم الذاتي الفلسطيني عبر توسيع الصلاحيات ونقل بعض الملفات المدنية والأمنية، بما يعزز الاستقرار المؤسسي. غير أن هذا الخيار يتطلب إصلاحاً داخلياً فلسطينياً وضمانات أمنية إسرائيلية ودعماً مالياً دولياً.
وبين "العويوي" أن السيناريو الثاني يتضمن إعادة انتشار أمني إسرائيلي يقلل الوجود داخل المدن ويعتمد أكثر على الطوق الأمني والتكنولوجيا. هذا النموذج قد يخفف الاحتكاك، لكنه لا يغيّر طبيعة السيطرة الفعلية.
السيناريو الثالث، وفق "العويوي" هو الضم الجزئي أو التدريجي، وهو خيار يحمل تبعات قانونية وديموغرافية عميقة، ويهدد بمواجهة سياسية مع المجتمع الدولي.
كما لفت إلى أن السيناريو الرابع هو إدارة انتقالية بدعم دولي أو إقليمي، وهو سيناريو نظري يحتاج إلى توافق سياسي واسع غير متوافر حالياً.
وأخيرا، فإن خامس السيناريوهات التي حددها "العويوي" هو العودة إلى مفاوضات شاملة تعالج قضايا الحل النهائي، وهو المسار الأكثر شمولاً لكنه الأكثر تعقيداً في ظل الانقسام وفقدان الثقة.
المعضلة الحقيقية
وأكد "العويوي" أن جوهر المسألة لا يكمن فقط في خرائط الانتشار أو توزيع الصلاحيات، بل في طبيعة الرؤية السياسية. أي مقاربة أمنية بحتة قد توفر هدوءاً مؤقتاً، لكنها لن تعالج جذور الصراع. وأي مشروع سياسي لا يراعي الهواجس الأمنية لن يجد طريقه إلى التنفيذ.
ونوّه أن “إعادة الهندسة” الحقيقية يجب أن تشمل إصلاحاً في بنية الحكم الفلسطيني، ووضوحاً في الرؤية الإسرائيلية بشأن الهدف النهائي، وإطاراً دولياً داعماً وقادراً على توفير الضمانات.
إلى أين تتجه الضفة الغربية؟
وحذر الباحث السياسي من أن الضفة الغربية تقف اليوم عند مفترق حساس. الخيارات تتراوح بين تكريس الواقع القائم بصيغ جديدة، أو إعادة ترتيبه تدريجياً، أو المغامرة بتحولات أحادية قد تعيد تشكيل المشهد برمّته.
واستدرك: "لكن الثابت أن أي صيغة لا توازن بين الأمن والحقوق، ولا تنطلق من أفق سياسي واضح، ستبقى إدارة مؤقتة لأزمة مزمنة".
وختم "العويوي" تصريحه بالتأكيد على أنه بين خرائط النفوذ وحسابات السياسة، يظل السؤال الأهم: هل ستُستخدم “إعادة الهندسة” كأداة لتثبيت السيطرة، أم كبوابة لإعادة فتح مسار الحل؟










