20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

أوروبا تواجه اختبار المساءلة: محامون سويسريون يقاضون حكومتهم بتهمة التواطؤ في إبادة غزة

تقدّم ائتلاف من 25 محامياً سويسرياً بشكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية يتهمون فيها وزير الخارجية السويسري إينياتسيو كاسيس بالتواطؤ في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في غزة.

بقلم: أخبار ومتابعات
١٣ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
7 مشاهدة
قدّم 25 محامياً سويسرياً بلاغاً إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد وزير الخارجية السويسري إغنازيو كاسيس بتهمة التواطؤ في الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في غزة

قدّم 25 محامياً سويسرياً بلاغاً إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد وزير الخارجية السويسري إغنازيو كاسيس بتهمة التواطؤ في الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في غزة

في خطوة غير مسبوقة داخل دولة تُعرّف نفسها تاريخياً بالحياد، تقدّم ائتلاف من 25 محامياً سويسرياً بشكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية يتهمون فيها وزير الخارجية السويسري إينياتسيو كاسيس بالتواطؤ في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في غزة. هذه المبادرة، التي جاءت تحت عنوان “أوقفوا التواطؤ”، لا تستهدف فقط مسؤولاً حكومياً، بل تضرب في صميم صورة سويسرا كحارس لاتفاقيات جنيف ووسيط إنساني تقليدي.

الشكوى تستند إلى ما تعتبره إخفاقاً رسمياً في تعليق التعاون العسكري والاقتصادي مع إسرائيل، وإلى استمرار استثمارات مؤسسات مالية سويسرية في شركات تسليح مرتبطة بالحرب. كما تشير إلى قرار تعليق تمويل وكالة الأونروا بعد اتهامات إسرائيلية لم تثبت قضائياً، معتبرة أن هذه الخطوات تضع برن في موقع المساهم غير المباشر في استمرار العمليات العسكرية.

حياد تحت المجهر

تاريخياً، ارتبط اسم سويسرا برعاية اتفاقيات جنيف وبالدبلوماسية الإنسانية، لكن هذه الدعوى تعكس انقساماً داخلياً متصاعداً. فقد سبق لعشرات الدبلوماسيين السويسريين السابقين أن انتقدوا ما وصفوه بصمت الحكومة إزاء ما يجري في غزة، معتبرين أن الحياد لا يعني التغاضي عن انتهاكات جسيمة محتملة للقانون الدولي الإنساني.

رد الحكومة جاء حذراً ومقتضباً، مؤكداً الالتزام بالقانون الدولي من دون الخوض في تفاصيل الاتهامات. غير أن تحريك الملف أمام المحكمة الجنائية الدولية، حتى لو لم يُفضِ سريعاً إلى ملاحقات، يفتح نقاشاً أوسع حول مدى قابلية المسؤولين في دول غربية للمساءلة الجنائية الدولية، في قضايا اعتاد الرأي العام أن تُوجَّه فيها الاتهامات إلى قادة من الجنوب العالمي.

غزة وأوكرانيا: معياران مختلفان

بالتوازي مع التحرك السويسري، يتواصل الجدل الأوروبي حول ازدواجية في المعايير بين الموقف من الإبادة الإسرائيلية في غزة والموقف من الحرب في أوكرانيا. فمنذ اندلاع الحرب الروسية، ضخّ الاتحاد الأوروبي عشرات المليارات لدعم كييف، وفرض حزم عقوبات غير مسبوقة على موسكو، وساند بقوة تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية بشأن جرائم حرب محتملة.

في المقابل، بدا الموقف الأوروبي تجاه غزة أكثر تبايناً. فبينما دعت دول مثل إسبانيا وأيرلندا إلى مراجعة اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، استمرت دول أخرى في تصدير السلاح أو الاكتفاء ببيانات دبلوماسية عامة. هذا التباين غذّى اتهامات بأن أوروبا تطبّق القانون الدولي بانتقائية، تبعاً للاعتبارات الجيوسياسية والتحالفات التقليدية.

اهتزاز المصداقية الأوروبية

داخل الأوساط الأكاديمية ومراكز التفكير الأوروبية، يتصاعد التحذير من أن هذه الازدواجية تُضعف ما يُعرف بـ“القوة المعيارية” لأوروبا. فالدفاع الصارم عن سيادة أوكرانيا ورفض ضم الأراضي بالقوة يتناقض مع التردد في توصيف ما يحدث في غزة بلغة قانونية مماثلة أو في فرض قيود حازمة على تصدير السلاح.

هذا التناقض لا يمر من دون أثر دبلوماسي، إذ تستثمر قوى دولية منافسة في إبراز النفاق الغربي. كما أن قرارات صادرة عن محكمة العدل الدولية بشأن التدابير المؤقتة لمنع الإبادة في غزة عززت حجج الداعين إلى مساءلة أوسع، معتبرين أن الالتزامات القانونية لا تقتصر على الأطراف المباشرة في النزاع، بل تشمل أيضاً الدول التي قد تساهم مادياً أو سياسياً في استمراره.

هل تتوسع المساءلة الدولية؟

السؤال المركزي الذي تطرحه الدعوى السويسرية يتجاوز برن وغزة: هل يتوسع مفهوم “المساءلة الدولية” ليشمل حكومات غربية اعتادت لعب دور القاضي أكثر من دور المتهم؟ خلال العقدين الماضيين، وُجهت انتقادات للمحكمة الجنائية الدولية بأنها ركزت على قادة أفارقة ودول ضعيفة، ما أضعف صورتها كهيئة عدالة عالمية متوازنة.

اليوم، ومع تصاعد الدعاوى أمام محاكم وطنية وأوروبية ضد مسؤولين بسبب تصدير السلاح أو الدعم السياسي، يظهر اتجاه جديد تقوده منظمات المجتمع المدني. هذا الاتجاه يسعى إلى توظيف القانون الدولي كأداة ضغط على حكومات غربية، في ما يشبه “ارتداداً قانونياً” على مراكز القوة التقليدية.

قيود السياسة والقانون

مع ذلك، تبقى حدود هذا التوسع واضحة. فاختصاص المحكمة الجنائية الدولية مرتبط بشروط معقدة تتعلق بالولاية القضائية ومبدأ التكامل، كما أن الإحالات من مجلس الأمن تخضع لحق النقض الذي تستخدمه قوى كبرى لحماية حلفائها. أضف إلى ذلك أن الملاحقات الجنائية لمسؤولين أثناء توليهم مناصبهم تثير إشكاليات قانونية وسياسية حساسة.

بالتالي، قد تتحول هذه الدعاوى إلى أدوات ضغط أخلاقي وسياسي أكثر من كونها مسارات قضائية سريعة النتائج. لكنها، حتى في حال تعثرها، تسهم في إعادة تعريف النقاش حول المسؤولية، وتكسر افتراض الحصانة الضمنية الذي أحاط طويلاً بحكومات غربية.

بين التحول والسراب

التحرك السويسري ليس حدثاً معزولاً، بل جزء من موجة أوسع تربط بين الحرب في غزة ومفهوم العدالة الدولية، في ظل مقارنات مستمرة مع أوكرانيا. وإذا نجحت هذه الضغوط في فرض قدر أكبر من الاتساق بين الخطاب والممارسة الأوروبية، فقد نشهد بداية تحول في بنية المساءلة الدولية.

أما إذا بقيت الانتقائية سيدة الموقف، فإن النتيجة ستكون مزيداً من التآكل في مصداقية أوروبا كمدافع عن القانون الدولي، وتعميق الانقسام بين الشمال والجنوب في النظام العالمي. وبين هذين الاحتمالين، تتحدد ملامح مرحلة جديدة، تختبر ما إذا كانت العدالة الدولية قادرة فعلاً على تجاوز حدود القوة والتحالفات.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال