21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: لبنان بين نارِ الإقليم وغيابِ الدولة

في زمنِ التحوّلاتِ الكبرى، والصراعاتِ المفتوحة في الشرق الأوسط، يقفُ لبنان اليومَ عندَ مفترقٍ خطير، بين أن يكونَ دولةً ذاتَ قرارٍ وسيادة، أو ساحةً مستباحةً لتصفيةِ الحساباتِ الإقليميّة والدوليّة.

بقلم: د. ليون سيوفي
١٧ فبراير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
41 مشاهدة
لبنان

لبنان

في زمنِ التحوّلاتِ الكبرى، والصراعاتِ المفتوحة في الشرق الأوسط، يقفُ لبنان اليومَ عندَ مفترقٍ خطير، بين أن يكونَ دولةً ذاتَ قرارٍ وسيادة، أو ساحةً مستباحةً لتصفيةِ الحساباتِ الإقليميّة والدوليّة.
المنطقةُ تعيشُ مرحلةَ إعادةِ رسمِ النفوذ، بين قوى كبرى وإقليميّة، فيما تُدارُ المواجهاتُ بأسلوبٍ جديد: تصعيدٌ محسوب، وحروبٌ غيرُ معلنة، ورسائلُ ناريّة تتنقّل من جبهةٍ إلى أخرى. وفي قلبِ هذا المشهد، يبقى لُبنانُ الحلقةَ الأضعف.

لسنا أمامَ خطرِ حربٍ شاملةٍ فقط، بل أمامَ خطرٍ أشدّ: خطرِ الاستنزافِ الدائم، الذي يُنهكُ المجتمع، ويُدمِّرُ الاقتصاد، ويُفرِّغُ الوطنَ من شبابه وكفاءاته، دونَ أن يُعلنَ أحدٌ الحربَ رسميًّا.

تنبيهٌ استراتيجيّ.....


إنَّ أيَّ ضربةٍ عسكريّةٍ كبرى تُوجَّهُ إلى إيران، لن تبقى محصورةً في جغرافيتها، بل ستتمدّدُ تلقائيًّا إلى ساحاتِ النفوذ المرتبطة بها في الإقليم. وفي مقدِّمةِ هذه الساحات، يقفُ لُبنان.

واقعُ الأمر أنّ لُبنان، بحكمِ موقعه، وتركيبته، وتداخلِ ملفّاته الأمنيّة والسياسيّة، سيكون صاحب «حِصّةِ الأسد» من التداعيات، سواء عبر تصعيدٍ عسكريّ مباشر، أو عبر استهدافٍ للبنية التحتيّة، أو عبر انهياراتٍ اقتصاديّةٍ وأمنيّةٍ متسارعة.

أيّ مواجهةٍ مع إيران، تعني عمليًّا فتحَ الجبهةِ الجنوبيّة، وتعريضَ الداخلِ اللبنانيّ لضغوطٍ غير مسبوقة، ودفعَ البلدِ مجدّدًا إلى دائرةِ الدمارِ والنزوحِ والعزلة.

في ظلِّ غيابِ دولةٍ قويّة، ورؤيةٍ وطنيّةٍ جامعة، تحوَّلَ لُبنانُ إلى ورقةِ تفاوض، وساحةِ رسائل، ومسرحٍ لتوازناتٍ لا يملكُ فيها القرار. تُدارُ شؤونُه من الخارج، وتُحدَّدُ أولويّاته بعيدًا عن مصالح شعبه.

المأساةُ الكبرى ليست في التهديدِ الخارجي وحده، بل في العجزِ الداخلي. في نظامٍ سياسيٍّ عاجز، وسلطةٍ فقدت ثقةَ الناس، ومؤسّساتٍ مُنهَكة، لم تَعُد قادرةً على حماية الوطن ولا المواطن.

إنَّ حمايةَ لُبنان لا تكونُ بالارتهان، ولا بالحيادِ الشكلي، ولا بالشعارات، بل ببناءِ دولةٍ حقيقيّة: دولةِ قانون، ومحاسبة، وسيادة، وعدالةٍ اجتماعيّة.

نحتاجُ إلى مشروعٍ وطنيٍّ جديد، يُعيدُ الاعتبارَ للدستور، ويُحرِّرُ القرارَ السياسي، ويَضعُ مصلحةَ اللبنانيّين فوقَ كلِّ اعتبار. نحتاجُ إلى سلطةٍ تُديرُ الأزمات، لا أن تتغذّى منها. وإلى قيادةٍ تحمي الوطن، لا أن تستخدمه.

في زمنِ الحروبِ الكبرى، لا ينجو الضعفاء.
ولا ينجو المتردّدون.
ولا ينجو مَن يراهنون على الخارج.

ينجو فقط مَن يملكون دولة.

لبنانُ اليومَ أمامَ خيارٍ تاريخي:
إمّا أن يُنقِذَ نفسه بإرادةِ أبنائه،
وإمّا أن يبقى رهينةَ صراعاتٍ لا تنتهي.

والوقتُ لا يعملُ لمصلحتنا.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير