4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د.ليون سيوفي يكتب: بين هرمز والحرب… هل ينتصرُ الانفجار أم التّسوية؟

ليس مضيق هرمز تفصيلاً جغرافياً عابراً، بل هو عصبٌ حيويّ يمرّ عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، إضافةً إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المُسال

بقلم: د. ليون سيوفي
٢٦ فبراير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
71 مشاهدة
هرمز

هرمز

ليس مضيق هرمز تفصيلاً جغرافياً عابراً، بل هو عصبٌ حيويّ يمرّ عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، إضافةً إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المُسال. أي تعطيل لهذا الشريان لا يُصيب دولةً بعينها، بل يضرب استقرار الاقتصاد الدولي في عمقه. وإذا اندلعت مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران وترافق ذلك مع إغلاق المضيق، فإنّ العالم سيدخل مرحلة صدمة اقتصادية قد تكون الأعنف منذ عقود.

الصدمة الأولى ستكون في أسواق الطاقة. الأسعار ستقفز بسرعة قياسية بفعل النقص الفعلي والذعر والمضاربات. ارتفاع النفط سيشعل موجة تضخّم عالمية جديدة، ترتفع معها كلفة النقل والصناعة والغذاء والكهرباء. الاقتصادات الكبرى ستجد نفسها أمام معادلة معقّدة بين كبح التضخم وتجنّب الركود، فيما ستدفع الدول النامية الثمن الأكبر عبر أزمات ديون وضغوط نقدية خانقة.

الأسواق المالية ستتجه نحو الملاذات الآمنة، وسترتفع كلفة التأمين والشحن، وتتعرض سلاسل الإمداد لاختناق إضافي. وإذا طال أمد المواجهة، فلن تبقى المسألة صدمة مؤقتة، بل قد تتحول إلى إعادة تشكيل للنظام الطاقوي العالمي والتحالفات الاستراتيجية.

لكن هل يمكن لواشنطن أن تُقدم بسهولة على خطوةٍ بهذا الحجم؟ هنا تكمن العقدة الجوهرية. إيران ليست دولة هامشية أو معزولة بلا امتدادات. إنها دولة ذات عمق جغرافي واسع، وقدرات صاروخية معتبرة، وشبكة نفوذ إقليمي ممتدة، إضافة إلى تموضع استراتيجي يتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم. أي ضربة عسكرية لن تكون عملية جراحية محدودة النتائج، بل قد تستدرج ردوداً متعددة الساحات، ما يرفع كلفة المواجهة إلى مستوى يصعب ضبطه.

القرار الأميركي، إن اتُّخذ، لن يكون عسكرياً فقط، بل اقتصادياً واستراتيجياً بامتياز. الولايات المتحدة تملك القدرة العسكرية، وتملك احتياطيات استراتيجية تمتص جزءاً من الصدمة، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الاقتصاد العالمي اليوم أكثر ترابطاً وهشاشة من أي وقت مضى. حربٌ مفتوحة قد تعني ركوداً عالمياً واسعاً، واهتزاز أسواق، وإعادة توزيع أوراق القوة الدولية.

لهذا، ورغم الخطاب التصعيدي أحياناً، تبقى التسوية في كثير من الأحيان الخيار الأقل كلفة. فالمعادلة ليست اختبار قوة فحسب، بل حساب دقيق للتداعيات. المغامرة بضرب إيران وإغلاق مضيق هرمز تعني الدخول في مرحلة لا يمكن ضمان حدودها، لا عسكرياً ولا اقتصادياً.

ولهؤلاء الذين يوزّعون تحليلاتٍ سخيّة وكأنّ الحرب قرارٌ سهل أو ضربةٌ نظيفة بلا أثمان، أقول: افتحوا أعينكم وعقولكم. المسألة ليست استعراض قوة، بل حسابات معقّدة تتداخل فيها الطاقة والاقتصاد والأمن الدولي. أي شرارة في هذا الممرّ الضيّق قد تُربك العالم بأسره، لا طرفاً واحداً فقط.

في ميزان المصالح الكبرى، قد تكون التسوية البطيئة والمعقّدة أكثر عقلانية من حربٍ سريعة النتائج لكنها طويلة التداعيات. لأنّ البديل ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل زلزال اقتصادي قد يعيد تشكيل النظام الدولي لسنوات قادمة.

في نهاية المطاف، السؤال ليس فقط هل تستطيع أميركا أن تضرب، بل هل العالم مستعد لتحمّل ارتدادات تلك الضربة. في ميزان المصالح الكبرى، قد تكون التسوية البطيئة والمعقّدة أكثر عقلانية من حربٍ سريعة النتائج لكنها طويلة التداعيات.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د.ليون سيوفي يكتب: بين هرمز والحرب… هل ينتصرُ الانفجار أم التّسوية؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°